بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الصحافة الثورية

« السابق التالي »

2. مارا و”لا مي دي بيبل” أو صديق الشعب

كانت “صديق الشعب” الجريدة الأكثر انتشارا بين الجرائد التي صدرت اثناء الثورة الفرنسية الكبرى 89-1793. لم تكن جريدة عمالية. وكان يحررها جان باول مارا، وهو طبيب البلاط السابق الذي شارك في حمل أعباء الثورة البرجوازية بالكامل.  ولكنه فهم أنها لا يمكن إنجازها إلا إذا حشد الثوريون البورجوازيون جماهير باريس الفقيرة. ونظر إلى الجريدة باعتبارها ادارة رئيسية من أجل الوصول إلى هذا.

وفور اشتراكه في التحريض العام في الشارع يوم الاستيلاء على الباستيل- 14 يوليو 1789- اقترح على اللجنة الشعبية في المنطقة التي كان يقيم فيها تأسيس جريدة. وعندما رفض الاقتراح، تولى أمر مثل هذا المشروع على عاتقه. كان يكتب يوميا ثمانية صفحات من قطع يماثل A5 تقريبا، ودفع المال اللازم لطباعتها. ولم تكن خلفه أي منظمة، إذ اعتمد على أن تجد الجريدة قراءها عبر باعة الجرائد المتجولين في الشارع.

ولاقت الجريدة نجاحا مبهرا، وصارت في وقت قصير أفضل الجرائد مبيعا في باريس. ويرجع هذا إلى الطريقة التي جمع بها مارا بين العناصر الثلاث؛  المبادئ العامة، والخبرة، وما العمل.

لم تكن مبادئه جديدة تماما. إذ كانت منشورة من قبل في أيام الثورة الأولى في عدة كراسات. وكانت بالأساس استعادة لأفكار الديمقراطية البرجوازية التي تضمنتها كتابات روسو. ولان الجريدة لم تقم سوى بتكرار هذه المبادئ، لم يكن متوقعا أنها ستجد أي جمهور على الإطلاق. ولكن كان هناك العنصران الآخران، اللذان عملا على نجاحها الاستثنائي.

كان عنصر “ما العمل” أساسيا في الجريدة. ويوما بعد يوم، وأسبوع بعد أسبوع، خلال أربعة أعوام، تخلص مارا من رطانة القادة الرسميين للثورة- في البداية الليبراليين الدستوريين، ثم بعد ذلك الجمهوريين المعتدلين من الجيروند – ودعا إلى تحرك حازم من أجل توسيع وتأييد الثورة.

ويتضح من أفضل تقرير مكتوب باللغة الإنجليزية عن أعمال مارا: “تكونت (صديق الشعب) من ثمان صفحات صغيرة، كانت بكاملها تقريبا انتقادات وملاحظات على الأحداث الجارية، كتبها مارا بنفسه.” وتضمنت دعوة إلى التحرك، وسخرية من آخر مجموعة قدمت من الحلول الوسطى، وتحذيرا من المخاطر، وهجوما على من كان يعتبرهم أعداء الثورة. وأخبر مارا نفسه الناس أنهم يستطيعون تمييز جريدته عن الطبعات الزائفة التي كانت تعد من أجل تشويه سمعته، إذ تجد “كتابها دجالون يدعون إلى السلام، في حين اواصل انا الإدانة بينما يدق ناقوس الخطر.

وربما أدى ذلك “الحث المتواصل على اليقظة، والإدانة بلا توقف لمن هم في السلطة إلى أن تصبح مطالعة (صديق الشعب) مملة إلى حد ما”. ولكن هذا التكرار للرسائل القائلة أن الثورة في خطر، كان تحديدا ما حقق للجريدة نجاحها.

وبقدر رفض مارا لأي حل وسط مع من يراهم خطرا على الثورة، بقدر غضبه عندما مات خطيب المرحلة الدستورية الأولى من الثورة، ميرابو. وحينها استقبلت كل الاطراف هذا باعتباره حدثا جللا. وكان موقف مارا مختلف تماما: فكتب “للشعب أن يحمد الله. عدوكم الرهيب سقط بيد القدر.. مات ضحية لخياناته الكثيرة..”

ولكنه لم يكن يركن إلى أي تفاؤل سهل، حتى في الوقت الذي يبدو فيه أن الشعب حقق نصرا عظيما. وبعد ما تحدد مصير الملك في أحد الأيام المجيدة (الانتفاضة الكبرى) من الثورة، تميز احتفال مارا بالحدث بأعمق نبرة حذر:

“ربما كان 10 أغسطس المجيد يوما حاسما في انتصار الحرية، إذا ما اعتبرته كذلك، ولكن عرفت أيضا كيف تستفيد منه لصالحك. لقد هوى عدد هائل من الطغاة إلى الرغام، ولكنهم لن يبطئوا في العودة وتثبيت أنفسهم بصورة أكثر فظاعة مما كانوا عليه سابقا. وأكرر، يجب أن تظل فزعا. إذ لن يمهلك أعداءك عندما تحين فرصتهم. لا مجال لاي هوادة . سوف تضيع إذا لم تسحق فاسدي المجالس البلدية، والقضاة أعداء الوطن، وأكثر نواب الجمعية الوطنية عفنا.”

كان هذه اليقطة التي اكسبت مارا كراهية لا تهمد لمن أرادوا إنهاء الثورة في منتصف الطريق. واتهمهم باقتراف جريمتين.

في البداية اصر على أن الثورة لا ينبغي لها معاملة أعداءها بالرحمة. وعن حق حذر تماما من أن الأعداء لن يستنكفوا أي مستوى من الدموية للوصول إلى أهدافهم، وأن الثورة ينبغي أن تكون مستعدة لسحقهم قبل ذلك:

“اني ساخط على مراعاتنا لأعدائنا المتوحشين بشكل غبي؛ سنكون حمقى إذا خشينا إصابتهم بخدش. دعهم فقط  يسيطرون على الموقف ليوم واحد، ولن تلبث أن تراهم يجتاحون المحافظات بالنيران والسيوف، ويسحقون كل من يبدون مقاومة، ويذبحون المخلصين للبلاد، ويجزرون النساء والأطفال، ويخسفون بمدننا إلى رماد.”

ثانيا، كان مستعدا لرفع مطالب محددة الجماهير الباريسية لدفعهم إلى الحركة. وكان هذا يحدث خصوصا عندما يصل الأمر إلى عجز حاد في المواد الغذائية الأساسية مثل الخبز.

وكتب بلا مواربة في الجريدة:

“في كل بلد لا تكون حقوق الناس فيها عبارة فارعة، من شأن سرقة بعض المحال، وشنق بعض الضاربين في الأسعار على أبوابها، أن تؤدي إلى وضع حدا لهؤلاء المستغلين الفسدة بسرعة، فهم يذهبون بخمسة ملايين إنسان إلى اليأس، ويؤدي ما يقومون به إلى هلاك الآلاف بسبب الحاجة.”

وارتبط هذا التعبير عن السخط الشعبي، مع العنصر الثالث من بين العناصر المتوفرة في جريدته- ان يظهر بها صدى خبرة الناس. وبعد بداية الجريدة بفترة وجيزة، ابتكر مارا فكرة نشر خطابات يحكي فيها الافراد عن القهر الذي يعانون منه في ظل النظام القائم. ونشر ثلاثة أو أربعة آلاف من تلك الخطابات خلال عمر الجريدة. وأوضح مارا أن الافتقار إلى المساحة دفعه إلى إدخال بعض أعمال التحرير عليها:

“لا عجب في سهولة ملاحظة أن الأسلوب نفسه يتكرر في معظم الخطابات التي انشرها: إذ تجبرني المساحة المحدودة في جريدتي على أن أقوم بتحريرها، وهذا على أساس المحافظة على عدم إضافة أي شيء إلى جوهرها”.

ويتضح النجاح الذي حققه الجمع بين المبادئ والتحريض والخبرة في جريدة مارا، من محاولات السلطات لإخراسها. إذ حاول الليبراليون الدستوريين والجمهوريون المعتدلون على السواء الإجهاز على مطبعته، واعتقاله شخصيا، ومنع الجريدة من الصدور. وامضى سنتين في التنقل من شقة إلى شقة، يعمل في الأقبية ويختبئ في الجحور. رغم بلوغ شعبية الجريدة مستوى لم يسبق له مثيل في تلك الفترة.

وعندما استطاع مارا الخروج في نهاية المطاف من السرية، مع سقوط الحزب الدستوري، كانت شعبيته غير خافية. وأصبح الخامس في قائمة المندوبين المنتخبين من باريس في الجمعية الوطنية، ومن خلال النفوذ الذي حققه في هيئة المجلس البلدي الثوري لباريس، كان واحدا من أقوى العناصر السياسية. ورغم إنه لم يكن على علاقة شخصية سابقة مع زعيم الجمهوريين المتشددين في مجموعات اليعاقبة، بعد هزيمة الجمهوريين المعتدلين في الجيروند، إلا أنه كان جزءا من الثلاثي الذي ادار البلاد فعليا، إلى جانب روبيسبير ودانتون.

وبالنسبة لأنه كان شخصا بدون منظمة، فرد ثوري عليه تحديد المهمات الملحة من  وجهة نظره، ويقوم بها دون مساعدة من آخر، فيمكن اعتبار أن ما قام به كان انجازا بارزا. والتفتت الثورة المضادة إليه عندما قضت في النهاية على نفوذه بالطريقة الوحيدة التي تعرفها- ضربة سكين قاتلة في صدره، بينما هو عاكف على بروفات جرديته في حمامه.

« السابق التالي »