بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الصحافة الثورية

« السابق التالي »

3. “نورثرن ستار” أو نجمة الشمال

ارتبطت النضالات المبكرة لحركة الطبقة العاملة البريطانية ارتباطا لا ينفصل عن إصدار وتوزيع الجرائد والصحف. فكان الغضب العام الذي تصاعد في بيترلو في 1819، ثم تصاعد مرة أخرى من أجل الإصلاح في 1830، بإيعاز من جرائد مثل جريدة بوليتكال ريجستر (Political Register)  أو الملف السياسي التي كان يصدرها كوبت، وجريدة بلاك دوارف (Black Dwarf) او القزم الأسود التي أصدرها وولر.

وأدى الخوف من آثار الصحافة الراديكالية التخريبية على الطبقات الدنيا، إلى اتباع الحكومة سياسة متعمدة، تحاول من خلالها تقليص مستوى توزيع الجرائد إلى أقل حد ممكن، بفرض ضرائب باهظة على الجرائد. ولكن الصحافة الراديكالية وجدت طرقا لتجنب ذلك (مثل طباعة جرائد في صورة يمكن ادعاء انها ليست صحافة، مثل ألا يكون بها أخبار وإنما تعليقات فقط)، وبعدها، مع تحقيق الطبقات الوسطي لبعض أشكال الإصلاح في 1832، دون أن يؤثر هذا في شيء على الحرمان الذي تعاني منه الطبقة العاملة، اصبح اخترق القانون يتم بصورة متعمدة.

وأدت الدور المحوري في هذه الحملة، جريدة اسبوعية من ثمان صفحات، “بور مانز جارديان” (Poor Man’s Guardian) أو جارديان الفقراء، التي أصدرها هنري هيثرنجتون، وقام براين برونتر اوبراين بتحريرها معظم فترة صدورها. وشاركت بشدة في حملات النقابات العمالية، وازدهرت في منتصف ثلاثينات القرن التاسع عشر، وارتفع توزيعها إلى 16 ألف نسخة، رغم اعتقال القائمين على طباعتها وتوزيعها، وسجنهم بشكل متكرر. وأدى نجاحها إلى تحول الحكومة إلى تكتيك عكسي عام 1836- خفض الضرائب على الجرائد، والاعتماد على السوق بدلا من الضرائب المرتفعة في طرد الجرائد الراديكالية ضعيفة التمويل من المجال التجاري.

وفي البداية، بدا هذا الإجراء ناجحا. وبدأ تراجع توزيع جريدة جارديان الفقراء، بينما خفت تأجج النقابات العمالية مابين 1985 و 1836، وأنهى هيثرينجتون أعماله، وحول انتباهه إلى الجرائد الأكثر نجاحا، التي وفقا لعباراته، شغلت نفسها “بالمخابرات والجرائم وحوادث الاغتصاب والانتحار والحرائق والتشويه، والمسارح والسباقات والملاكمة، وكل أنواع التسلية”.

ولكن بعد ذلك، وفي نوفمبر 1837، صدرت “نورثرن ستار” أو نجمة الشمال في ليدز.

وكانت جريدة اسبوعية من ثمان صفحات “بالقطع الكبير” (مثل حجم فينانشال تيمز الآن)، مغطاه  بعامود وراء عامود من كتابة جافة إلى  حد ما، ربما مع قالب واحد لرسم الصفحات لكل خمس أعداد، بينما الصفحة الأولى مكرسة أساسا للإعلانات (عادة، إلى حد الإعلان عن أدوية مشكوك فيها) وكان ثمنها أربع بنسات ونصف (في وقت كان من الممكن ألا يزيد مكسب العامل في اليوم عن شلن).

ورغم هذا حققت نجاحا مذهلا. وفي فبراير 1837، كان مبيعاتها 10 آلاف نسخة كل أسبوع، وبعدها بعام فاقت الجريدة اليومية اللندنية “تيمز”، إذ وصلت المبيعات إلى 50 ألف. وكان على هيئة البريد شراء عربات خاصة بالإضافة إلى حافلات البريد المعتادة من أجل توزيعها!

وضاهى عدد قراءها الفعلي تقريبا عشرة أضعاف رقم بيعها. إذ كان من الجائز أن يشتريها أصحاب الحانات لتكون متوفرة لزبائنهم من العمال، أو يشترك مجموعة من العمال معا في شراء نسخة ويتداولونها فيما بينهم. و يحكي بنجامين ويلسون Benjamin Wilson، وهو أحد الشارتيين في مدينة هاليفاكس، “كيف كان من العادات الشائعة في أحياء الصوف، [وسميت كذلك لكثافة انتاج النسيج الصوفي فيها] أن يجتمع الأصدقاء في منزل أحدهم لقراءة الجريدة  والحديث في الشئون السياسية”.

وحكى شاهد آخر كيف كان الناس في تودموردن يتجمعون يوم صدور نجم الشمال على الأرصفة في انتظار وصولها “وتكون وقتها أهم من أي شيء آخر عداها.” (اقتباس من Dorothy Thompson, The Early Chartists, London 1971, p.13)

وفي ليستر، كان من الممكن أن يجتمع النساجون في الورشة وقت استراحة تناول الشاي بعد الظهر : “بعضهم جالسون على صناديق لفافات الخيط، وبعضهم على قوالب طوب، وربما يجلس من تكون الانوال التي يعملون عليها في المنتصف، على الواحهم التي يجلسون عليها اثناء العمل… بينما يقرأ أحدهم مقالة قصيرة من نجمة الشمال، التي يبقى موضوعها محل الاهتمام والمناقشة والدردشة خلال ما تبقى من اليوم”.

وفيما يتعلق بالتقسيمات التي حددناها – الأفكار العامة، والخبرة، وما العمل- لا شك في أن قدرة نجمة الشمال على التعبير عن خبرات مئات وآلاف من العمال المشاركين في الحركة المتصاعدة، كانت العامل الرئيسي في نجاحها. إذ شهدت السنوات من 1873 – 1839 تصاعد هائل للنضالات- بسبب الإفقار المدقع لجماهير العمال نتيجة لانعكاسات الكساد الاقتصادي؛ ومحاولات حكومة اليمين فرض مرسوم تعديل قانون الفقراء عام 1834 وما تضمنه من ملاجئ في المناطق الصناعية في الشمال؛ وضد قانون الشرطة التي أحل قوات الشرطة الحديثة محل المجندين المنتخبين، الخاضعين إلى سيطرة الطبقة العاملة المحلية؛ وبخصوص محاكمة وتشريد قادة إضراب غزالي القطن في جلاسكو؛ والمطالبة بحصول الطبقة العاملة على حق الاقتراع؛ وحتى قمع التمرد في كندا على يد القوات البريطانية.

وهكذا وردت ملاحظة في عدد نجمة الشمال الصادر في 13 يناير 1838: “أصبحت مقالتنا غاصة بالمظاهرات مرة أخرى. بدا الناس متسمون بالحيوية في كل مكان. في عددنا الحالي ستجد تقارير حول تجمعات في ستاليبريدج، وليدز و برادفور… وملاحظات مختصرة حول الاجتماع الجماهيري في هال حول قضية كندا… على هودريفيلد، حيث اوقف الإصرار الشديد للناس تعيين محرر لقانون الفقراء…”

وتضمن العدد السابق عليه، 6 يناير، مقالات حول اجتماعات في بارنسلي (حول قوانين الشرطة المحلية)، وليدز وهدرزفيلد (عن الجمعيات التعاونية)، والموندبري وهاليفاكس ودوسبري (حول قانون الفقر)، وسادلورث (حول عمال الصوف الذين قدمهم صاحب العمل إلى المحكمة)، ومانشستر (حول كندا)، وهايد (حول قانون الفقراء)، وهدرزفيلد و برادفورد (حول قانون الفقراء)، وأيضا قائمة تبرعات من أجل عمال الغزل في جلاسكو، ومقالة حول “اجتماع ضخم” في نورثمبرلاند و دورام، حيث ذكر ان الناس حملوا لافتة مكتوب عليها: “غضب الله سوف يقع على من يفرق بين الرجل وزوجته”، “إذهب الآن ايها الثري وانتحب وأصرخ لأجل المصائب التي سوف تسقط  عليك”، “من أجل الأطفال والزوجة سوف نحارب حتى بالسكين”، “دستور كندا، لعل أبطالها الشجعان ينجحون في الدفاع عنه”.

وشرحت الجريدة في عرضها للكلمات التي القيت في تلك الاجتماعات، القضايا المطروحة بلغة يمكن لقرائها فهمها بسهولة (وربما كان الأهم، المستمعون إلى قرائتها). فاستطاعت نقل فظاعة قانون الفقراء، ومحاولات أصحاب العمل تخفيض الأجور بوسائل قانونية، والحرمان الذي يجبر الناس على العيش فيه. ولكنها استطاعت أيضا نقل شيئا في نفس درجة الاهمية- الاحساس بالمد المتصاعد للنضال ضد كل هذه الأشياء. لقد عكست الخبرة، ولكن في الوقت نفسه كثفتها وناقشتها.

لم تنحصر مهامها في العروض فقط، ولكن المقالات الكثيرة أيضا. وشارك في الجريدة كثيرون متمتعون بالقدرة الهائلة على التعبير بأسلوبهم الخاص عن سخط وغضب المضطهَدين والمستغَلين، وخاصة مراسلها فيرجاس اوكونور.

وصف جي دي اتش كول بشكل جيد كيف : “كان فيرجاس اوكونور من بين أعضاء الحركة الشارتية، الأحب إلى القراء بلا منازع، وأكثر المكروهين أيضا. كانت له سيطرة هائلة على الناس، ليس في مقاطعة واحدة فقط، ولكن في سائر انحاء انجلترا… كان فريدا في نوعه بحديثه المعتدل،  وتطورت لديه عادة الكتابة بصورة قريبة جدا من الطريقة التي يتحدث بها- مستخدما كلمات وعبارات كوسيلة لإثارة قراءة، لا يحتد أبدا ولكنه عادة يؤكد بشدة على أي شيء يريد إقناع القراء به، ودائما يحمل تلميحاته بالعاطفة الجياشة ويجعلها محددة تماما، مع مزجها بأقل ما يمكن من الأفكار المجردة… كان احساسه بالمعاناة قوي وأصيل، وجعل الصعاليك والمقهورين في كافة انحاء انجلترا يشعرون أنه صديقهم، واستمروا في التسامح إزاءه وحبه، مهما كان مخطئا” (Chartist Studies, pp.300-301).

وقد يقول فخورا… ان هذا اتاح له جاذبية إزاء “السترات القطنية”- أو الجماهير الفقيرة من العاملين في النسيج ورجال المناجم وعمال المصانع.

وكتب بالأسلوب نفسه الذي نقله إلى الجريدة، افتتاحية عن مرسوم تعديل قانون الفقراء في أول عدد صدر عام 1838:

“هذا المرسوم إهانة للأغنياء، واحتيال على الفقراء وخيانة إزاء الطبيعة. إنه سرقة، لابد أن يرتفع الاحتجاج والصراخ ضدها؛ كلب مسعور ينبغي أن يطارد من تل إلى تل ومن واد إلى واد. كل رجل يلاقي الموت في معارضة هذا العدو الوطني يستحق بجدارة نصبا لتخليد ذكراه، أكثر مما يستحقه مقاتل مدرب يعرض نفسه في مقابل أجر، غير مبال بالقضية التي شرع بالخدمة في سبيلها.”

ولن تجد مثل هذه الحجج المنطقية في كثير من الصحافة الراديكالية. إنها طعن قائم على افتراضات متناقضة. ولكنها التقت بمزاج ملايين الناس حرفيا، وبهذا جعلتهم أكثر قربا من فهم المصدر الحقيقي للإضطهاد الذي يعانون منه.

تلهف الناس على قراءة الجريدة لأنها اخبرتهم بما يشعرون به ويفعلونه، وهم انفسهم وآلاف آخرين يشبهونهم. ولم يقرأوه فقط. ولكن أيضا بعثوا بالتقارير إلى الجريدة وعاونوا في توزيعها. كان لها مراسلون في كل مكان يوجد به اقل مستوى من نضال الطبقة العاملة. وكما كتب المحرر عام 1841: “النجمة بها كثير من المواد الاصيلة بما يضاهي عشرة جرائد في المملكة”. وكان هذا ما جعل الجريدة أكثر من مجرد موضوعات معدة للقراءة: فجعل منها أداة لتنظيم الحركة أيضا.

كان ينظر إلى نجمة الشمال غالبا باعتبارها منتجا ثانويا لحركة الشارتية. ولكنها بوضوح بدأت إصداراتها الجيدة قبل ستة أشهر من تأسيس الحركة رسميا، التي قامت على دعوة أشخاص مثل لوفت في لندن، كانوا اكثر اعتدالا في نبرتهم مقارنة بأوكونر. شمل تحريض نجمة الشمال مجموعة مكتملة من القضايا “الاقتصادية”- وخاصة قانون الفقراء ومسألة حقوق النقابات العمالية – الأمر الذي نتج عنه تعميما سياسيا، أدى إلى تكون هذه القاعدة العريضة للمطالبة بالاقتراع حول الميثاق. واتضح هذا من خلال درجة تمكن اوكونر من السيطرة على الحركة لمدة عشر سنوات، في حين سرعان ما اتجه من بدأوها رسميا إلى طرده.

ورغم ذلك، لم تكن دعوة النجمة قائمة فقط على عكسها للخبرة. لقد كان أوكونور عاقلا بما يكفي ليجتذب إلى فريق التحرير اشخاص لديهم صفاء الافكار الذي يفتقده هو نفسه. ووفقا لكلمات دوروثي تومسون “ضم فريق العاملين بها كثيرين من أصحاب افضل القدرات في الحركة”.

وكان من بين هؤلاء بصفة خاصة، برونتري اوبراين، الكاتب الرئيس للافتتاحية من 1838 إلى 1840، وجوليان هارني، محررها خلال معظم اربعينيات القرن التاسع عشر. وكانا بحق شخصين يتعاملان بكل جدية مع صياغة الأفكار الواضحة، ويفندون ايدلولوجية الطبقة الحاكمة. وحدد كل منهما وجهته بناء على أفكار جناح اليسار المتشدد في الثورة الفرنسية: ترجم أوبراين كتاب بوناروتي “مؤامرة الداعين إلى المساواة لبابوف” إلى الإنجليزية، وكتب بنفسه بيوجرافيا لم ينتهى منها حول روبسبير، كما كان هارني على اتصال دائم مع بعض المهاجرين من الحركات الثورية الأوربية. ولكن كل منهما لم يكد يشرع في محاولة المضي إلى ماهو ابعد، وتناول الأفكار الاقتصادية للبروجوازية الصناعية الصاعدة. لم يستطيعا تجاوز النجاح الجزئي في هذا الصدد؛ ولكنهما على الاقل شرعا في كشف بعض الأفكار التي فصلها ماركس في نقده المحكم للمجتمع البرجوازي ككل. واستخدما تلك الأفكار في وضع العمال على بداية طريق فهم مصالح طبقتهم.

وكما أوضح الإصلاحي “المعتدل” فرانسوا بليس:

“ظل أوبراين يكتب لمدة طويلة كتابات ملائمة جدا في الأفكار التي تم ترسيخها بعناية لدى كل فرد ضمن عمال كثيرون يولون اهتمامهم للشئون العامة. وكان غرضه كما كان دائما، فض القبضة الخاصة عن الممتلكات وكل الأرباح والفوائد والتراكم… (Quoted in Cole, p.245).”

وبنفس الوضوح الذي كان يكتب به، وردت في مقالة عن ايرلندا في عدد ستار 27 فبراير 1838:

“تتحدث هذه العصابة (أي الحكومة) عن مستعمراتنا. كاذبون، هؤلاء المتنطعين. ليس لدينا أية مستعمرات؛ استولت ارستقراطيتنا وتجارنا على مستعمرات في كل انحاء العالم، ولكن الشعب في انجلترا- شعب انجلترا الحقيقي، لا يمتلك بالفعل شريطا واحدا من الأرض في بلده- وأقل من هذا كثيرا بالمستعمرات في اي دولة أخرى. ما يسمونه مستعمراتنا، إنما يخص أعداءنا، من يقهرونا ويستعبدونا.”

وتظهر نقطة ضعف الجريدة عندما نأتي إلى سؤال ما العمل. وهي نقطة ضعف اوكونور نفسه، فهو قادر ببراعة على تقديم عرض واضح لمظالم الناس، ولكنه عاجز تماما عن المضي في التفكير حتى يصل إلى استنتاح الاستراتيجية والتكتيكات التي تعالج هذه المظالم،  ولهذا يتراجع دائما عند اللحظات الحاسمة في النضال.

أمكن التعامل بسهولة مع تحديد ما ينبغي فعله عندما كانت الحركة في بداية صعودها سواء في 7-1838، أو في 1-1842، أو في 7-1848. بشكل أساسي، طلبت  من العمال التوحد في حركة احتجاج واسعة، ووضع آمالهم فيما يمتلكون من قوة، ولا يطمحون في أي تأثير “اخلاقي” على الطبقة الحاكمة (وصفت الجريدة “الضغط الأخلاقي” عام 1838 بانه “هراء أخلاقي”). ولكن عندما وصلت الأمور حد الأزمة، مثلما حدث في صيف 1839 و صيف 1842 وربيع 1848، كانت الجريدة عاجزة عن توفير أي اتجاه واضح للتقدم.

وأيضا بعد تلك المحطات الحاسمة في النضال، سرعان ما انخفض توزيعها إلى 18 ألف في 1840، 12 ألف في 1842، و6 آلاف في 1846، ثم عاد إلى الارتفاع إلى 10 آلاف في 1848، و اتجه إلى الانخفاض إلى 5 آلاف في 1850. ورغم ذلك، فقد حافظت على ترابط أسس أول حركة للطبقة العاملة على مستوى العالم لمدة أكثر من عقد، حتى خلال الأوقات العسيرة. وعلى حد تعبير أحد الذين وجهوا النقد “لتطرفها”، كانت وقت شدتها تتألف من مجرد “زمرة ضئيلة من عشرة أو عشرين شخص في كل مدينة، يجتمعون بصفة عامة في أحد المشارب، ويقولون عن انفسهم فروعا لجمعية الميثاق الوطني” (Matthew Fletcher of Bury, quoted in Dorothy Thompson, p.77). وأخيرا فقد كانت، من وجوه عدة، مثالا ساطعا على ما يمكن أن تكونه جريدة الطبقة العاملة.

« السابق التالي »