بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الصحافة الثورية

« السابق التالي »

4. دايلي هيرالد 11-1922

لم تكن ديلي هيرالد جريدة ثورية بمعنى إطلاقها دعوة صريحة قاطعة للإطاحة بالقوة بالمجتمع القائم. ورغم هذا فالأمر يستدعي إلقاء نظرة عليها لسببين.

إنها تظهر كيف يمكن لمن كانوا في أقصى يسار الطيف السياسي اصدار جريدة في فترة تصاعد للنضال، قادرة على تحدي الصحافة البرجوازية عندما يتعلق الأمر بقراء الطبقة العاملة. ولهذا، كان يقتبس منها دائما باعتبارها مثالا على الصحافة الثورية، للتعرف من خلالها على الشيوعية الدولية في سنواتها الأولى.

بدأت الجريدة نشرة من أربع صفحات بخصوص إضراب وقع في لندن أثناء إغلاق المطابع في يناير 1911. ولم يتناول العدد الأول منها سوى الإضراب، ورغم بداية المقال الأول بمقطع لوليام موريس، إلا أن لهجتها كانت ما تزال تعكس تأثير الأفكار الراسخة الرائجة: إذ ذكرت أحدى المقالات في الصفحة الأولى “االرجال لإنجليز الذين انجبوا أبناءً للموت من أجل معارك الامبراطورية في الخارج، لن يستسلموا مثل حشد من الآسيويين الجوعى… رأس المال قد يكون قويا، ولكن البشرية أقوى”.

ولكن سرعان ما تناولت الجريدة قضايا صناعية أخرى غير الطباعة – مثل أحوال المخابز، أو ما كان يحدث في نقابة عمال المناجم في فيفي- وأظهرت تأثير المتبنين للاشتراكية الذين صارت لهم أدوارا في إصدارها، مثل بن تيليت من نقابة عمال الموانئ وجورج لانسبري عضو البرلمان اليساري عن حزب العمل. وتضمنت مقالات تطرح القضية الاشتراكية. وبالمثل كانت أيضا تتسع لتضم عمود عن كرة القدم وعمود عن البستنة. وتغيرت معالجتها لنضال عمال الطباعة بشكل ملحوظ من النغمة الحرفية في الأعداد الأولى: إذ تضمنت الصفحة الأولى في عدد 21 ابريل صورة عاملات بالمخازن مضربات، ولقاء مع إلين سميث قائدة القسم النسائي في نقابة العاملين بانتاج الملابس.

وأدى نجاح نشرة الإضراب – التي رفعت المبيعات من 12000 إلى 27000- إلى توجيه المشاركون في إصدارها لنداء ليحصلوا على التمويل اللازم للمحافظة على استمرارها كدورية منتظمة. ولم تنجح محاولتهم على الفور، وبعد ثلاثة أشهر توقفت عن الصدور مؤقتا.

وبعد عام، في ابريل 1912، أستأنفوا نشرها، ورغم عدم تجاوز رأسمالها الداخلي مبلغ 300 جنيها، إلا إنها تمتعت بنجاح مدهش خلال السنتين التاليتين. وبينما لا توجد معلومات دقيقة حول حجم مبيعاتها، ولكن هناك تقديرات بتراوح نطاق توزيعها بين 50 و 150 ألف. ولم يكن هذا الرقم كبيرا مقارنة بأكبر دوريتان يوميتان شعبيتان حينها، جريدة ميل وجريدة ميرور، الذي قدر بين 750 ألف ومليون نسخة، ولكنها كانت تساوت مع جريدة اكسبريس وتيليجراف، اللتان كانت مبيعاتهما تتراوح بين 200 و 300 ألف- ولاسيما وأنها تباع إلى العمال اليدويين الذين لم تتطور لديهم عادة شراء جريدة يومية مقارنة بجرائد يوم الأحد الأسبوعية. ونلمس نجاح هيرالد بوضوح أكبر إذا علمنا أن قادة حزب العمل الرسمي بدأوا إصدار جريدة يومية للحزب في صيف عام  1012بغرض منافستها، وهي جريدة ديلي سيتزن التي تتمتع بدعم مالي هائل.

وفي الإصدار الجديد من هيرالد, استخدمت آخر تكنيكات إصدار الجرائد الرائجة بلا مواربة. وهكذا ظهر العدد الثالث منها يحمل مانشيت “غرقى تيتنك”. ولكن وجهت تكنيكات الإثارة أيضا ضد النظام القائم كلما أمكن هذا. وكذلك طرحت يوما بعد يوم تساؤلات حول ظروف الغرق، على صفحتها الأولى- احتياطات السلامة على السفينة، أحوال طاقمها، وقبل كل شيء لماذا سمح لركاب الدرجة الأولى من الرجال بالنزول إلى زوارق الانقاذ، بينما ركاب الدرجة الرخيصة من النساء والأطفال اجبروا على البقاء في المركب الغارقة.

ولكن لم يكن استخدام هيرالد لتلك التكنيكات أبرز ملمحها، وإنما أسلوب جمعها لذلك مع التعريف الوثيق بنضالات العمال. وكما أوضح جورج لانسبري، عرفت أنها “جريدة متمردة” لانها “تجد نفسها دائما مؤيدة للعمال المضربين… وكثيرا ما كان المناضلين والمناضلات لتحسين ظروفهم يتوجهون بكثرة إلى ديلي هيرالد في تلك السنوات الأولى…”

وتضمنت صفحاتها مقالات متتالية حول إضرابات وظروف العمال والنزاع مع اصحاب العمل. وهكذا تضمن العدد الأول من السلسلة الجديدة أخبارا عن إضراب السكك الحديدية، ومناقشة حول إضراب الفحم الذي انتهى قبل صدورها مباشرة، وتفاصيل عن إنهاء إضراب شارك فيه 30 ألف عامل جوت في ديندي، ومقال عن نزاع الكهربائيين أمام محكمة إيرل. ودعا أمناء النقابات العمالية والمجالس النقابية ولجان حزب العمل والجمعيات التعاونية … إلى تحويل أي أخبار إلى دايلي هيرالد. وعندما أضرب 100 ألف من عمال الموانئ وعمال النقل في لندن في يونيو ويوليو، كانت هيرالد لسان حال الإضراب بشكل رئيسي. وبعد ذلك بعام، عندما استبعد عمال دبلن، قادت هيرالد حملة تضامن في عموم بريطانيا.

وشهدت تلك الأعوام أكبر صعود لنضال الطبقة العاملة من زمن الشارتية، تمثل في الإضرابات الضخمة التي أدت إلى إدخال العمل النقابي إلى مجال صناعي بعد الآخر، بمبادرة تتم عادة بواسطة عناصر “غير رسمية” متأثرة بالأفكار الأشتراكية والنقابوية. ومثلت هيرالد وسيلة مكنت العمال المشاركين من الشعور بقوتهم الذاتية، عبر قراءه تقاريرها عما يقومون به من مواجهات مع النظام تحديدا. ومن خلال عكسها لخبراتهم وقت نضالهم العظيم، عملت على تعزيز تلك الخبرة.

وجاء في أحد الخطابات إلى هيرالد في اكتوبر 1912 :

دع أي شخص ينظر إلى تأثير الملاحظات التي تنقلها هيرالد على مر الأيام عن التمرد والاستقلال، حتى ولو دون تعمد. إذ يولد تسجيلها لانتفاضات العمال على مر الأيام، شعورا قويا بنضال العمال، كما يُظهر ضرورة التضامن والتحرك الواسع.

ولكن ماذا عن الأفكار العامة التي كانت دافعا للقائمين على إدارة الجريدة؟ وهذا لم يتضح فعليا بأي حال. وفيما يتعلق بلانسبري الذي يوجه الجريدة بينما يتزايد نفوذه المهيمن عليها، كان يراها كمنتدى لكل أنواع الأفكار التي تقف في وجه النظام القائم، بدلا من كونها جريدة تعمل على تطوير خط ما. وهكذا كانت تتزاحم في المقالات الرئيسية أفكار النقابويين والاشتراكيين الشارتيين والمدافعات عن حق الاقتراع، والاشتراكيين النقابيين، والماركسيين والفوضوييين، والتوزيعيين مثل شيسترتونز وهيلير بيلوك. وجمعت فكرة عامة وحيدة، وهي تحبيذهم للشعور العدائي تجاه النظام القائم.

وإذا تطرق الأمر إلى سؤال ما العمل، ترجم هذا الخليط الكامل من الأفكار نفسه في حالة تشوش.

ولم يكن هذا أمرا ذا بال في الفترة التي استمرت حتى صيف 1914. وكل ما بدا ضروريا هو الدفع إلى تصعيد تدفق نضال المصانع في كل الجبهات، ضد القادة النقابيين المحافظين من الجيل القديم، وبخصوص الحكم المحلي لأيرلندا، و حق الاقتراع للنساء، وضد محاولات شراء ذمم العمال مع بدايات دولة الرفاه.

وكان تشارلز لابورث، محرر الجريدة لمدة عام وعضو نقابة العمال الصناعيين في العالم IWW، نقابويا متشددا بصورة واضحة. وأستبعده لانسبري لأنه لم يعد قادرا على احتمال منهج التعريض بالآخرين الذي اعتبره “بالاساس انجيلا جيدا للكراهية من الطراز  العتيق” (The miracle of Fleet Street, p.33). رغم أن لانسبري كان يقوم بدور قيادي في “رابطة هيرالد” لأنصار الجريدة، المكونة من 50 مجموعة محلية، إلا أنه أكد بوضوح أن الرابطة ليس لها رسميا دور رقابي على الجريدة!

ولكن، أصبح عدم وجود سياسة واضحة مسألة شديدة الأهميةم في أغسطس 1914. وكان اندلاع الحرب يعني قطعا حاسما بين لانسبري، الذي نحت وجهة نظره المنحازة للسلام بالجريدة إلى الوقوف ضد الحرب، وأشخاص مثل تيليت وتشيستيرتونز، الذين أيدوها. وانخفض توزيع الجريدة، في الوقت الذي بدأت تكلفة الطباعة ترتفع بشدة أيضا، وبعد أسابيع قليلة تحولت إلى جريدة أسبوعية، بدلا من إصدارها يوميا.

وأستأنفت الجريدة صدورها اليومي مرة أخرى، مع ظهور الإصدار الثالث في 31 مارس 1919، هذه المرة برأس مال يزيد على 140 ألف جنيه، ممنوحا من النقابات والجمعيات التعاونية. ويتضح ما أدى إليه مصدر التمويل الجديد من تغيير عند مقارنة بالجريدة بنفسها قبل الحرب: لم تعد الجريدة المتمردة التي كانت تعرض أخبار الإضرابات غير الرسمية، ولكن الجريدة التي يدعمها، على الأقل أسميا، القادة الرسميين في الحركة العمالية. وتضمن العدد الأول تحية واضحة، ليس فقط من شخصيات عرفوا بأنهم يساريون مثل توم مان والبرت انكبن، ولكن أيضا رامساي مكدونالد، وجي أتش توماس، وفيليب سنودين، وإدوارد برنشتين. ولاحظ لانسبري فيما بعد أن العمال يتوقعون من هيرالد تأييدها لأي نضال، كان أم غير رسمي، فكتب أن من حسن الحظ عدم وقوع كثير من الإضرابات غير الرسمية في 1919 و 1929.

ولكن النضالات كانت قائمة على نطاق واسع. وبدأت عام 1919 مع إضراب المهندسين في جلاسكو، الذي أدى إلى صدامات دموية مع الشرطة، والإضراب العام في بيلفاست. وتواصل هذا مع التحريض القديم في المناجم، الذي بدا أثناء الإضراب الشامل وكأنه على وشك الانفجار مرة أخرى، وإضراب الشرطة الذي فض بالقوة، وإضراب السكك الحديدية، وحرب العصابات ضد الحاكم البريطاني في أيرلندا. وكان ذلك يتم في ضوء انطلاق الثورة البولشفية في روسيا، التي كانت امتدت بالفعل إلى المجر، والتي بدت مقتربة من الخليج الألماني أيضا.

وواصلت هيرالد نشر الخبرات النضالية للعمال في صفحة تحت عنوان “عمال العالم يوما بيوم”. وكان ينشر بها 15 تقرير في المتوسط حول الإضرابات، والمفاوضات حول الأجور، وما إلى ذلك. وقد نجد أيضا مقالات في صفحات الأخبار الأخرى حول محاكمة قادة مهندسي جلاسكو على سبيل المثال، في جوار الجرائم والحوادث التي تركز عليها بقية الصحف الرائجة. وكانت الاخبار الدولية تدور أيضا حول النضال- إضرابات في الولايات المتحدة، والحرب في أيرلندا، وإضراب في الهند، ومعارك الجيوش الروسية والمجرية.

والأهم، استخدمت الجريدة تكنيكات صحافة “الإثارة” لعرض ظروف معيشة الناس (نشرت في الصفحات الأولى عن الإسكان بيثنال جرين بصورة “مرعبة”)، وخطط الحكومة لضرب حركة العمال في الداخل والخارج. وحققت الجريدة أربع ضربات جريئة مهمة- عندما نشرت عن المعاهدات السرية التي عقدتها الحكومة البريطانية أثناء الحرب، مما اتاح إلقاء الضوء على الثورة الروسية؛ وعندما نشرت أوامر سرية وجهت لضباط الجيش لإعداد قواتهم لفض إضراب؛ وعندما كشفت تفاصيل مقابلة بين تشرشل وأحد جنرالات روسيا البيضاء بخصوص إرسال قوة تتألف من 10 آلاف “متطوع” ضد الثورة؛ وأخيرا عندما عرضت كيف طبعت الحكومة البريطانية نسخة مزورة من البرافدا.

ولا عجب أن الجريدة كانت لها شعبية هائلة بين جميع نشطاء الطبقة العاملة تقريبا، وأصبح حجم التوزيع مابين 200 ألف إلى 370 ألف، ووصل إلى مايزيد عن 500 ألف أثناء إضراب عام 1919. ولا عجب أيضا في قلق الحكومة من نفوذها، إلى درجة حظر تداولها داخل القوات المسلحة.

« السابق التالي »