بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الصحافة الثورية

« السابق التالي »

6. برافدا البلشفية

إذا بحثنا عن شخص ابعد ما يكون عن جورج لانسبري أو فيرجوس اوكونور في تاريخ حركة الطبقة العاملة، سيكون فلاديمير لينين. وهذا رغم أن لديه شيئ مشترك معهما. لم يتوقف لينين عند فهم الدور المحوري للجريدة العمالية فقط، بل أدرك أيضا ما ينبغي عليها أداؤه حتى توفي هذا الدور.

تأسست برافدا (أو الحقيقة) في روسيا، بعد سنوات قليلة من استئناف إصدار ديلي هيرالد المتصل لليوم، في إبريل 1912. أي انهما كانتا متزامنتين. ومع هذا، اختلفت الطريقة التي اعتمدت عليها كل منهما في النمو كجريدة يومية بريطانية، عبر جيشان النضال العمالي المتصاعد. ووفقا لمفهوم لينين، فعن طريق تجميع الخبرات النضالية للعمال، نستطيع تعميمها وإعطاءها دلالات سياسية.

وكما رأينا، فقد طرح لينين قبلها في عام 1902، مناقشة أهمية الجريدة الثورية الأساسية في بما نبدأ وما العمل. وفي فترة الاحباط التي تلت ثورة 1905، كانت هناك صعوبة بالغة في إصدار جرائد سرية وإدخالها روسيا إلا بصورة عشوائية وغير منتظمة. وهذا في وقت تحافظ المنظمة البولشفية على وجود لها في روسيا بالكاد. وكتب لينين سنة 1911:

“في الوقت الحاضر، يتمثل الوضع الحقيقي للحزب في أن كل المواقع المحلية تقريبا، يوجود بها مجموعات وحلقات عمالية حزبية صغيرة غير رسمية، بل صغيرة جدا وضئيلة، تجتمع بشكل غير رسمي… وهي غير مرتبطة ببعضها بعض. ومن النادر أن يرى أفرادها أي أدبيات (Collected Works, vol.17, p.202).“

ولكن ذلك العام شهد بداية نهوض النضال العمالي، واستطاع الحزب إصدار جريدة علنية، وهي زيفستا (أو الخبر) في سان بطرسبرج الأسبوعية (استخدمت لغة خاصة محملة بالشفرات لتجنب الرقابة)، التي صارت تصدر عددين كل أسبوع. وقرر مؤتمر الحزب في 1912 إصدار جريدة برافدا العلنية اليومية (رغم الشك في جدوى مشروع لينين وزينوفيف)، وبدأ إصدارها فعليا في 22 أبريل.

وانطبق هذا التوقيت مع لحظة بدء تصاعد النضال فعليا. وفي 5 أبريل، فتحت قوات القيصر النار على حشد من المضربين العزل في مناجم ذهب لينا في أعماق سيبريا، وقتل 500 شخص. واتسمت الأيام التالية باضرابات احتجاجية ضخمة ومظاهرات في انحاء روسيا شارك فيها 300 ألف عامل. واستمرت الاحتجاجات في عيد العمال أول مايو في هيئة إضراب قوي شارك فيه 400 ألف عامل. وبالنظر إلى الاعداد السابقة، نجد إجمالي عدد المشاركين في الإضرابات طوال 1911 الذي لم يزد عن 105110 عامل.

وانطلقت برافدا كجريدة تعكس هذا المزاج الجديد للطبقة. وكما قال واحد من خصوم البلاشفة في أحدى الجرائد:

“نقرأ فيها عن أنشطة المنظمات والنقابات والنوادي والتعاونيات العمالية؛ وعن اجتماعات أعضاء تلك المنظات ولجانها القيادية؛ وعن منظمات من مجموعات مختلفة؛ ومحاولات للقيام بأنشطة سياسية من جانب مجموعات العمال دفاعا عن الصحافة العمالية، أو عن إحياء ذكرى بيبل (القائد الاشتراكي الالماني الذي توفى حينها)، أو من اجل بعض الأغراض المباشرة الأخرى.”

وكما أوضح لينين:

“حينما يطالع قراء برافدا تغطية لمجموعات العمال فيما يتعلق برسائل عمال المصانع والمكاتب في كل انحاء روسيا، ويكون هؤلاء القراء في معظمهم لا يعرفون بعضهم البعض ومعزولين أحدهم عن الآخر بسبب الظروف الخارجية القاسية للحياة الروسية، فهم يحصلون على بعض الأفكار عن مدى قتالية البروليتاريين في النقابات المختلفة والمواقع المحلية المختلفة، وأسلوب نهوضهم للدفاع عن ديمقراطية الطبقة العاملة.

“ولم تبدأ عملية توثيق أحداث الحياة العمالية في التطور إلا عندما اصبح ذلك ملمحا ثابتا في في برافدا. وبلا شك حصلت الجريدة العمالية فيما بعد، إلى جانب الرسائل التي تكشف سوء المعاملة داخل المصانع، ونهوض قسم جديد من البروليتاريا، والتجمعات التي تتم في ميدان أو آخر من القضية العمالية، على تغطية للرؤى والآراء الموجودة في الحملات الانتخابية للعمال، وانتخاب مندوبي العمال، وماذا يقرأ العمال، وتساؤلات حول تحديد المصالح الخاصة بهم، وما إلى ذلك.

“وتمثل الجرائد العمالية منتدٍ عماليا. فينبغي أن يطرح العمال هنا، على كل روسيا، القضايا المتنوعة المتعلقة بحياة العمال عموما، وديمقراطية الطبقة العاملة خصوصا، واحدة بعد الأخرى (Collected Works, vol.18, p.300).

وقال زينوفيف عنها:

“كُرس أكثر من نصف مساحتها لرسائل العمال والعاملات في المصانع. وكانت برافدا نمطا خاصا من الجرائد الشيوعية. إذ أدت الوظائف التي لم تقم بها جريدة أخرى. وكانت مختلفة عن جميع الجرائد الديمقراطية الاجتماعية البرجوازية الأخرى حتى في شكلها الخارجي. إذ كان نصف الجريدة مكتوبا بيد العمال والعاملات والجنود والبحارة والطهاة وسائقي سيارات الأجرة والعاملين بالمتاجر…

“تحدثت تلك الرسائل عن الحياة اليومية في المصانع أو الورش، والثكنات أو الأحياء الصناعية. وعرضت في لغة بسيطة، تفاصيل الحرمان والاضطهاد الذي يخضع له العمال. وكشفت تلك الرسائل الاستبداد البغيض للمسئولين المنحطين في المصانع والشركات. وأعطت تلك الرسائل صورة مؤثرة عن الفقر والمعاناة التي تعيش في ظلها الجماهير. وعبرت تلك الرسائل أفضل من أي شيء آخر في العالم عن الاحتجاج اوالسخط المتنامي الذي انفجر فيما بعد في ثورة عظيمة. وأصبحت الجريدة معلما عظيما للجماهير العاملة، وساهم العمال أنفسهم إلى حد كبير في هذا الاتجاه… Bulletin of the Executive of the Communist International, 1921).

“و بهذه الطريقة، عكست الجريدة خبرة العمال، وصارت بكل سهولة قائدا تنظيميا لهم. وكان لذلك أهمية خاصة بالنسبة للبلاشفة، إذ كانوا يعملون كحزب غير شرعي، ولا تتوفر لهم أمكانية ممارسة التجنيد المفتوح. ورغم هذا استطاعوا بناء شبكة من الأشخاص الذين يراسلون الجريدة ويوزعوها ويصطحبون مجموعات منها في ورش العمل.

ولهذا، بيع على سبيل المثال، نصف نسخ الجريدة في سان بطرسبرج داخل المصانع. وتمكن الأفراد المسئولين عن بيع تلك النسخ  من توفير طريقة علنية لتنظيم انصار حزب سري واقعيا. إذ جمعوا كوبيكا واحدا من كل عامل مقابل الجريدة، كان بمثابة اشتراك في الحزب، إذ كان العمال يدفعونه تعبيرا عن تأييد الحزب. وأعطت قوائم جمع التبرعات التي نشرت في الجريدة، مؤشرا على مدى اتساع شبكة أنصار الجريدة. ولهذا عندما أراد لينين إظهار مدى قوة البلاشفة في مواجهة تيار “التصفويين” الإصلاحيين داخل الحركة العمالية، قارن بين قائمة جمع التبرعات المنشورة في برافدا مع القوائم المنشورة في جريدة التصفويين، “لوش”. وفي الحقيقة، بيعت 40 ألف نسخة يوميا من برافدا، وكانت هناك حصيلة تبرعات من 2181 متبرع مفرد من مجموعات العمال في 1913، مقابل بيع 16 ألف نسخة من جريدة “التصفويين” و671 تبرع في جانبهم. وأثبتت له هذه الحقيقة مدى تفوق تأييد البلاشفة (See, for instance, Collected Works, vol.20 pp.381-387).

ولكن البرافدا لم تكن مجرد عكس لخبرة العمال. إذ سعت أيضا إلى ربطها مع المبادئ العامة التي يعمل عليها البلاشفة.

وطرح لينين في ما العمل، أن الجريدة الثورية عليها ألا تكتفي بفضح الشروط الخاصة التي وجد العمال أنفسهم في مواجهتها في المصانع.  بل عليها أيضا تقديم “فضحا شاملا” للمجتمع ككل- لدولة القيصر، لتطور الرأسمالية فيها، وكشف دور الطبقات المختلفة، وعرض مختلف النضالات ضد الاضطهاد والاستغلال مثلما تعرض نضالات العمال.

واجتهد لينين ليتأكد أن مثل هذه الأفكار الماركسية الواضحة تجد سبيلها إلى الجريدة، من خلال الانتقال من جنيف إلى كراكوف (في الجزء الذي تسيطر عليه ألمانيا من بولندا) وذلك حتى يستطيع تقديم مقالات للنشر يوميا.

وكتب مئات المقالات- حرفيا. كان كثير منها قصيرا تماما، ربما بلغ طولها 500 أو 600 كلمة، متعلقا بنطاق واسع من الأشياء- مؤتمر الحزب الاشتراكي الإيطالي، وثمانون عاما على حركة الطبقة العاملة الروسية، والمسار العملي للرجعية العتيقة التي كانت ذات يوم ليبرالية، وتركز الانتاج في روسيا، ومستويات الأجر والإضرابات، والحكومة البريطانية الليبرالية، وهل ينبغي ان ينخرط رجال الدين في السياسة، والحرب الإيطالية في ليببا، وحرب البلقان، والثورة الصينية عام 1912، والانتخابات في الولايات المتحدة، ومؤتمر حزب العمل المستقل في بريطانيا، ووفاة هاري كويلاش من الاتحاد الديمقراطي الاجتماعي البريطاني، وفلسفة ديسجن.

ولم يتمثل اهتمام تلك المقالات بنقل المعلومات، في مجرد  الحرص على نقل المعلومات. بل كانت كل مقالة مصممة بعناية لتقديم رسالة سياسية بعينها: دور خيانة  البرجوازية في الحرب ضد القيصر، وخطر الميل الإصلاحي داخل حركة الطبقة العاملة، وكيف تؤدي الإمبريالية إلى الحرب، والعلاقة بين النضال من أجل التحرر الوطني والنضال الاشتراكي، وهكذا. وكان الاهتمام بتطوير وعي القراء العمال، حتى يستطيعون البدء في إدراك الارتباط بين خبرتهم الخاصة ونضال طبقتهم على مستوى العالم.

وكتب لينين أيضا مقالات من نوع مختلف-  أطول (ألفين كلمة أو أكثر، أحيانا تنشر متسلسلة في عددين أو ثلاثة من الجريدة)، يعالج فيها بشئ من الاستفاضة موضوعات تدور النقاشات حولها داخل حركة الطبقة العاملة مثل مهام اللحظة.

وبشكل أساسي، أخذت تلك المقالات شكل تقديم حجج في مواجهة “التصفويين”. وفي أحد المستويات دارت المناقشات حول التساؤل عن إمكانية اقتصار الحركة العمالية ببساطة على بناء حزب علني ذو قاعدة واسعة بعيدا عن النقابات العمالية، وجمعيات التأمين العمالية، والجرائد الشرعية ، … وما إلى ذلك. وطرح البلاشفة شيئا آخر، وكانوا في البداية قسم من المناشفة ملتفا حول بليخانوف. وتمثل الطرح الآخر أساسا في المحافظة على السرية، والأجهزة السرية، مع جرائدها المهربة من الخارج. وإذ حصر التصفويين أنفسهم في الأشكال العلنية من التنظيم، فقد رفضوا بالضرورة طرح الإطاحة الثورية بالقيصر، وبذلك طمسوا اختلافهم عن البرجوازيين الليبراليين الذين لا يريدون سوى الإصلاح القيصري فحسب. ولم يكن ممكنا الحديث صراحة عن الإطاحة الثورية بالمجتمع إلا في الصحافة السرية فقط، ولا يمكن التحضير للقيام بذلك سوى من خلال أشكال سرية من التنظيم فقط.

وعندما كان لينين يصر على ظهور تلك المقالات في الجريدة (في بعض الأحيان على غير  رغبة محرري المراكز في سان بطرسبرج)، كان مصرا على أن تصبح الجريدة أكبر من مجرد التعبير عن خبرة الطبقة العاملة أو أداة دعاية للأفكار العامة حول الماركسية. وكما كان عليه أيضا الإجابة على سؤال: ما العمل؟

وكان لينين في هذا الصدد أقرب إلى مارا، الثوري البرجوازي المتسق، أكثر ممن قاموا بإصدار جرائد للطبقة العاملة، مثل نورث ستار وديلي هيرالد. ولهذا السبب، استطاع مثل مارا، استخدام الجريدة في التحضير للثورة.

« السابق التالي »