بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الصحافة الثورية

« السابق التالي »

8. الجرائد في فترات الجزر

تختلف تماما العلاقة بين الخبرة اليومية للعمال وأفكار الاشتراكية الثورية في فترة تنامي النضال عنها في فترة الانكسار والاحباط المعنوي. فالعمال لم يكتشفوا بعد بأنفسهم قوة العمل الجماعي. لا يرون بصورة عملية زيف أفكار الطبقة الحاكمة. ويشكل المستمرون في تبني رؤى اشتراكية ثورية من الطبقة مجرد أقلية– وأحيانا أقلية محدودة جدا. ولا تكون تلك القناعات بناء على خبرة مباشرة، بل أفكار عامة تطورت نتيجة لنضالات حدثت في الماضي البعيد، أو بلدان بعيدة.

يجب أن تختلف الجرائد الملائمة لتلك الفترة تماما عن نمط جرائد برافدا في فترة المد. فلابد أن تولي اهتماما أكبر بالأطروحات النظرية العامة وعلى ما العمل لوقف الهزائم المتوالية. ويمثل ذلك السبيل الوحيد لتجميع أقلية العمال حتى يظلوا منجذبين إلى الأفكار الثورية وتسليحهم من أجل مقاومة الانجرار العام إلى اليمين. وتاريخيا، كانت الجرائد الصادرة في فترات الجزر مختلفة في نمطها تماما عن الصادرة في فترات المد. لقد صدرت “نويه رينيشيه تسايتونج” في المنفى عام 1850، وكانت جريدة سميكة تضم مقالات طويلة، مثل نشر سلسلة الحرب الأهلية في فرنسا. وأيضا جريدة “رد ريبابليكان”  (Red Republican) أو “الجمهوري الأحمر” ، التي أصدرها جوليان هارني عام 1850 في محاولة لتجميع الجناح الراديكالي داخل الشارتية، وواصلت نشر تقارير عن اجتماعات النقابات والإضرابات، ولكن كان محورها يتألف من مقالات طويلة ذات طابع يشبه الافتتاحيات – والشاهد على ذلك الطريقة التي نشرت بها الترجمة الإنجليزية الأولى البيان الشيوعي (وبدأت الصفحة الأولى فيها بالكلمات الخالدة، “وحشا يخيم على أوربا…”). وتضمنت الجرائد السرية التي هربها البلاشفة من الخارج إلى روسيا في الفترة 07-1911، و 14-1917 مقالات تتألف من عدة آلاف كلمة، بدلا من المقالات التي كانت تقتصر على 500 أو 600 كلمة في برافدا.

تمثل الجرائد الثورية أداة تنظيمية لا غنى عنها في أوقات الجزر بنفس القدر الذي تمثله أوقات المد. إنها أدوات تمكن قوى الاشتر اكية الثورية، سواء كانت ضئيلة أو واسعة الانتشار، من التواصل مع بعضها البعض والدفاع عن نفسها ضد ضغوط أيدولوجية البيئة المعادية، وجذب قليل من الأشخاص الجدد إليها.

ولكن ينبغي أن بناء الأداة بصورة مختلفة، لأن طبيعة مهمتها مختلفة إلى حد ما. فماذا سيحدث، على سبيل المثال، إذا اتبعت بجدية دعوة زينوفيف بأن تكرس نصف مساحتها لخطابات العمال العاديين؟

حينها لن يكون أمامها إلا أن تتورط في إدعاء سافر، ناشرة افكار الثوار الملتزمين الأشداء، متظاهرة بأنها نابعة من عنابر المصنع مباشرة، أو تعبر فقط- وهذا أرجح- عن وطأة المعاناة التي يعيشها العمال، دون تقديم أي أفكار واضحة حول ما ينبغي فعله بخصوص هذه المعاناة. وإذا كان مزاج الطبقة مصبوغا بالشقاء والإحباط، بدلا من الثقة في القتال، حينها ستعكس الجريدة مجرد الشقاء والإحباط هذا. وبدلا من التعبير عن الغضب المعتمل داخل الطبقة، كما تفعل الجرائد في حالة المد، تعبر عن ضعف المعنويات- وتنتهي بسهولة إلى الانحناء أمام أوهام الإصلاح التي تتكاثر داخل الطبقة عندما تكون المعنويات منخفضة.

بالطبع، هناك نقاط مشتركة بين الجريدة في حالة المد و حالة الجزر. فكلاهما عليها أن تكون جريدة منظمة قتالية، بدلا من مجرد تقديم تعليقات حول العالم. وكما ذكرت “ثيسس”  (Theses) أو “أطروحات” الصادرة علن المؤتمر الثالث للشيوعية الدولية:

“جرائدنا يجب أن تهدف إلى جمع الخبرات الثمينة لجميع أعضاء الحزب، ونشر هذه الخبرة في شكل خطوط إرشادية. وهكذا يمكن مراجعة وتحسين المناهج الشيوعية في العمل بشكل ثابت… وسوف تؤسس جرائدنا سلطتها عن طريق الموقف الصلب الذي تتخذه في جميع القضايا الاجتماعية للبروليتاريا… يجب ألا تهتم بانتقادات كتاب البرجوازية الصغيرة ومتقني فن الصحافة، أو تطمح لمدخل إلى الدوائر الأدبية.

عليها أن تكف تماما عن أسلوب إضفاء مظاهر مصطنعة على الأحداث، وأن تكشف عن جوهرها الطبقي أيضا. وكما اكد تروتسكي بإصرار، عندما وجهوا انتقادات إلى الجريدة الشيوعية الفرنسية “لومانيتيه” [(l’Humanité) أو “الإنسانية”] عام 1921: عليهم ألا يقعوا في خطأ النظر إلى السياسية باعتبارها ما يتعلق بالألعاب التي تمارس في البرلمانات (The First Five Years of the Communist International, vol.1, p.166) او الأحداث الدولية فيما يتعلق بتفاصيل الدبلوماسية.

ينبغي أن ترتبط التحقيقات التي تقدمها الجريدة بالمشاكل التي تواجه العمال المناضلين، ولابد ان تكون مكتوبة بلغة يسيرة على هؤلاء المقاتلين.

ولكن تبقى لجرائد فترات الجزر مهمة مختلفة عليها القيام بها دونا عن جرائد فترات المد، وهي أصعب أيضا من عدة وجوه. تواجه هذه الجريدة وضعا تتعرض فيه أفكار الاشتراكية الثورية إلى هجوم متواصل على جميع الجبهات، فعليها أن تكرس مساحة للدفاع عنها. وينبغي أن تكون أحد مهامها الرئيسية تسليح مؤيديها إيديولوجيا، ولن تستطيع ذلك إلا إذا وفرت لهم عرضا شديد الوضوح عما يجري حول العالم. والفكرة الأخرى التي لها نفس الاهمية الشديدة، إن قوة العمال لايمكن توضيحها من خلال إشارة ما إلى حدث قريب، ولكن الأمر يستدعي مقالات تاريخية ثرية وتحليلات قيمة حول ما جرى للرأسمالية على الصعيد العالمي. وفي حالة المد، تتطابق أفكار الاشتراكية الثورية بشدة مع التطورات التي تحدث بشكل تلقائي داخل الطبقة العاملة. ولكن في حالة الجزر، فالوضع شديد الشبه بما وصف في ما العمل، حول الوعي الاشتراكي الذي يأتي من خارج الطبقة- من أطروحات الحزب الذي يحمل ذاكرة ما حدث في فترات المد الماضية.

لابد ان تتضمن جرائد فترة الجزر عروض حول النضالات التي تحدث. فهذا عنصر رئيسي في تمكينها من الارتباط بالاقلية التي تواصل النضال. ولكن لا ينبغي أن تكون العروض مجرد وصفا، حيث الأرجح أن مثل هذا الوصف سيتكون من هزائم وخيانات. هذا في حين أن الجريدة تكون في حاجة إلى مناقشات مطولة إلى حد كبير، حول أشياء مضت على نحو سيء، وما كان ينبغي فعله لتدارك الأمر. وفي وقت المد، قد توجد جرائد ناجحة إلى حد بعيد، وتكون ضبابية فيما يتعلق بما العمل، كما رأينا في ديلي هيرالد. أما في أوقات الجزر، لن تفتح مثل هذه الضبابية الطريق إلى الهزيمة فقط، بل ستتكفل أيضا بفشل الجريدة. بينما سيتمثل أهم ما تحتاجه قلة المناضلين، في أسلوب تجنب مزيدا من الهزائم.

ولتوضيح ما سيحدث للجريدة التي لا تقدم هذا الشرح، نجد مثالا في الجريدة التي كان تروتسكي يحررها بالمنفى في الفترة من 08- 1912 (وعرفت بأسم برافدا فينسيا، لتمييزها عن جريدة البلاشفة التي ستحمل اسم برافدا نفسه فيما بعد).

كان تروتسكي حينها أكثر الكتاب السياسيين موهبة بين الاشتراكيين الثوريين الروس. ورغم هذا، ذكر اسحاق دويتشر في السيرة الذاتية المهمة التي ألفها عنه، ” لم تكن البرافدا عموما إحدى مشروعات تروتسكي الرائعة. عمد إلى تقديم نفسه إلى “العمال العاديين” بدلا من رجال الحزب أصحاب العقلية السياسية، وإلى “خدمة وليس قيادة” قُراء جريدته. وحققت الجريدة قدرا معينا من الرواج بسبب استخدام اللغة المتداولة، إلى جانب حقيقة أنها دعت إلى وحدة الحزب، ولكنها لم تحقق أي تأثير باق. وفي العادة، يعمل من يعرض قضية أمام فصيل أو مجموعة، على إشراك نفسه نقاشات معقدة بدرجة أو أخرى، ويوجه حديثه إلى الفئات العليا والوسطى من الحركة، أكثر مما يتعامل مع جمهورها العادي.”

وهؤلاء يكونوا قادرين على “كسب كوادر حزبية إلى أطروحاتهم الأكثر تقدما” وهؤلاء هم من “ينقلون الأطروحة، في صورة أكثر تبسيطا، “باتجاه المستويات الأدنى” إلى الجمهور العادي.

« السابق التالي »