بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الصحافة الثورية

« السابق التالي »

9. الجرائد الرديئة

ويمكن أن يؤدي الفشل في فهم طريقة التعامل مع فترة الجزر والإحباط إلى صدور جرائد فاشلة تماما في تجميع الأقلية الراغبة في مقاومة حالة الجزر.

ويتمثل أبسط الأساليب التي يمكن اتباعها، وأكثرها جاذبية في بعض الوجوه، في محاولة الإبقاء على رواج الجريدة بواسطة نسخ أسلوب ومحتوى الصحافة الرأسمالية الرائجة. ولابد لأي شخص له علاقة ما بإصدار الجرائد أن يكون قد استمع إلى عبارة “نستطيع البيع أكثر فقط إذا فعلنا مثل الجرائد اليومية الرائجة”.

وهذا ليس بجديد. إذ جرب الناشرون الراديكاليون أسلوبا وحيدا للاحتفاظ بقاعدة واسعة من القراء بعد انهيار الشارتية، وهو نشر جرائد مليئة بحكايات صارخة عن الجرائم، والفضائح الجنسية، والأحداث الرياضية، وما إلى ذلك؛ وفي الحقيقة، لعبت جرائدا راديكالية مثل رينولدز نيوز (Reynold’s News ) دورا رائدا في تطوير جريدة صنداي الرائجة. ومرة أخرى، خططت الجريدة “العمالية الرسمية” ديلي سيتزن (Daily Citizen)، المنافسة لجريدة هيرالد قبل الحرب، التقليد المتعمد للجرائد الرائجة الأخرى (حتى أن تحريرها كان يقوم عليه المحرر السابق لجريدة ديلي ميل (Daily Mail) الأكثر مبيعا حينها. وعندما خضعت هيرالد نفسها لسيطرة مؤتمر النقابات العمالية ومؤسسة أدامز، اتبعت نفس المسار.

ورغم هذا، ينتج حتما عن السعي إلى الرواج بهذا الإسلوب، إغفالا للتقديم الجاد للأطروحة الاشتراكية. ويرجع السبب في هذا إلى الارتباط الوثيق للغاية بين شخصية الصحافة الرأسمالية الرائجة وظيفتها الإيديولوجية.

تحاول الجريدة الاشتراكية توفير رؤية متماسكة حول العالم لقراءها، وعندما يوضع كل خبر فيها في النمط واضح المعالم المناسب له، فهذا يمكن القراء من فهم القوى الحقيقية وراء التطور الاجتماعي وكيف يمكن تغييره. وعلى العكس،  تهدف أي جريدة رأسمالية رائجة إلى وقف تطور مثل هذا الفهم المتماسك للعالم. وتحرص على جعل الواقع الاجتماعي الحالي يظهر وكأنه مكونا من عدد كبير من الأحداث العشوائية غير المرتبطة ببعضها وغير القابلة للتحكم فيها.

وكما أشار الشيوعي المجري أدالبرت فوجارارسي عام 1921 في مقالة رائدة له، تقوم [الجرائد البرجوازية] بذلك من خلال تقديم مجموعة “أخبار” وكأنها كتلة من شذرات غير مرتبطة ببعضها من المعلومات.

“تصل إلى تطوير منهجي للجهل، في شكل توصيل وفرة من المعرفة والمعلومات… وتسعى الصحافة الرأسمالية إلى تشكيل هيكل وعي القراء بالطريقة التي ستجعله غير قادر على التمييز بين الحقيقية والزيف، على أن يربط بين السبب والنتائج، على وضع الحقيقة المفردة في سياقها الشامل، على أن يدمج بعقلانية معرفة جديدة في منظوره… ومع تقدم الوقت لابد أن يعلق وعي القراء  في حالة متواصلة من عدم الاستقرار  والارتباك والتشوش… “(translated in Radical America, May-June 1969).

ويجعلون القارئ يشعر أن هناك قيمة وفائدة حقيقية يمكن الحصول عليها من معرفة كل أنواع المعلومات حول أشياء لا علاقة لها واقعيا مع حياته او حياتها الخاصة على الأطلاق-  مآثر الملوك، والحياة الجنسية لأبطال الأفلام، وسلوكيات الرياضيين، والرسوم البيانية لترتيب اغاني البوب، وتوقعات الأبراج الفلكية، والتفاصيل الدقيقة لبعض الجرائم. ويُخلق وضعا يشعر فيه الناس أنهم غير قادرون على المشاركة في الأحاديث العادية مع الآخرين إلا إذا عرفوا هذه الأشياء. ورغم أن شذرات “الأخبار” محايدة إيديولوجيا بالفعل، إلا أنهم يأخذون مأخذ المسلمات أشياء مثل قبول الملَّكية، ومعاملة النساء كسلعة، وحتمية المنافسة، والتماهي مع بلدك “أنت” ضد جميع الآخرين في كل ميادين السعي (من العلم إلى الحرب).

والجريدة الاشتراكية التي تكرس نفسها للتجارة في مثل هذا النوع من “الأخبار” تسقط حتما، في الدعاية لقدر هائل من التوافه التي تبرر الوضع الراهن. ولهذا السبب كانت جريدة الكومنترن “أطروحات” محقة في التأكيد على “جرائدنا لا ينبغي لها محاولة إشباع رغبة “الجمهور” في الإثارة أو التسلية الخفيفة”.

وفي فترات المد، لا يعوق هذا من أن تصبح الجرائد الثورية نفسها شديدة الرواج.  إذ تجذب خبرات النضال العمال للبحث عن فهم حقيقي لوضعهم، والانفعال الحقيقي الذي ينتج عن النضال، وليس بسبب وطأة التماهي مع خطوات الملوك والنجوم وفرق الرياضة. وفي فترات الجزر، رغم أن هذا الأسلوب يؤدي بالضرورة إلى مواجهة الجرائد الاشتراكية نقدا من العمال غير المسييين حيث لا تتضمن الأشياء التي يريدونها (سواء كانت مجموعة من أخبار الرياضة أو صفحة للصور العارية). وبدلا من الإحساس أن هناك ما يعيب الجريدة، يجب أن يفهم الاشتراكيين أن ذلك مجرد انعكاس لقلة انتشار الأفكار الثورية، الأمر الذي لن يبقى على حاله إلى الأبد.

والخطأ الثاني الذي قد تقع فيه الجرائد الاشتراكية، هو السقوط في فخ إصدار جريدة لا يمكن فهمها إلا لمن لديهم خبرة فقط. وقد وقعت المنظمة الإيطالية “الديمقراطية البروليتارية” (Democracia Proletaria)  في هذا الخطأ، عندما أصدرت جريدة “كوتديانو دي لافوتوري”  (Quotidiano dei Lavoratori ) أو جريدة العمال (يومية في البداية ثم أسبوعية فيما بعد)، وكانت موجهة إلى أوساط المثقفين الراديكاليين أكثر منها موجهة إلى المناضلين في مواقع العمل. وفي الحقيقة، لأنها لم تكن متفهمة لما يحدث بالفعل في حركة العمال، لم يكن لديها الكثير لتقوله حتى للمثقفين.

وسقطت كثير من المجموعات بصورة مشابهة من الخطأ نفسه، حيث كانت استجابتهم على الدخول في فترات الجزر، هي مجرد تكرار مبادئهم التأسيسية، دون معالجة منهم نهائيا للسؤال المباشر ما العمل. وبدلا من طرح الأفكار العامة للماركسية بقوة ووضوح، من خلال ربطها بالصعوبات التي تجدها القلة من المناضلين، أيا كانت ضآلة عددهم، تحدثوا فقط مع أنفسهم ولم يجنوا سوى الرياح.

ووقع آخرون في خطأ مشابه إلى حد ما، إذ رأوا أن الحركات غير الطبقية المتنوعة يمكن أن تزدهر حتى عندما يكون النضال العمالي خاضعا لجزر شديد، ويكرسوا جرائدهم لها. وثمة أمثلة كثيرة على هذا في جرائد اليسار الأوربي الثوري، إذ صارت لا تزيد كثير عن مجموعات مختلفة من الصفحات تسجل خبرات الحركات المختلفة- جريدة حول البيئة، وصفحة حول حملات السلام، وجرائد حول النسوية، وصفحة حول حركات مناهضة الإمبريالية، وصفحة حول ثقافة الشباب، وبالمثل جريدة حول الأنشطة داخل النقابات، دون أي محاولة لدمج كل هذا مع بعضه في صورة واضحة للنضال الكلي الذي تلعب فيه الطبقة العاملة دورا حاسما. وتلك الجرائد لا تملك ما تقول لهؤلاء العمال الراغبين في مواصلة النضال، وعادة حتى لا يكون عندها جديد تقوله للمشاركين في تلك الحركات أيضا.

يمكن أن يحدث خطأ آخر بإصدار ما يطلق عليها جريدة “تحريضية زائفة”. إذ تعطي مظهرا يعكس حالة مد لنضال حقيقي. وتكتب باللغة التي يستخدمها العمال في حياتهم اليومية، وتمتلئ بحكايات المعارك الجارية، وتفضح التخويف الذي يمارسه النظام حينها. ولكنها تكون في واقع الأمر زيف تام، لأنه رغم حدوث معارك كبيرة الحجم أحيانا، إلا إنها تكون من نمط المعارك الدفاعية، التي تكون قائمة في معظم الأحيان. وبدلا من مد النشطاء بالأطروحات التي تمكنهم من فهم الوضع، تترك تلك الجرائد قراءها بلا مُعين، بصورتها الزائفة التي تعكس الحماس والنجاح.

وتوضح جرائد الحزب الشيوعي البريطاني مثالا حول الاسلوب الذي يحدث به هذا، جريدة وركر ويكلي  (Workers Weekly) أو جريدة العامل الاسبوعية، ثم ديلي وركر (Daily Worker)  أو جريدة العامل اليومية في أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينيات من القرن العشرين. بعد عدد من التجارب الخاصة (لمزيد من التفاصيل أنظر المقالة المفيدة لجين اري سميث في (IS 2: 18) )، نجح الحزب في تحويل “العامل الأسبوعي” إلى جريدة عمالية تحريضية جيدة في الفترة 24- 1925. وإذا قرأت الجريدة في تلك السنوات، تشعر أن من يقومون على إصدارها تعلموا من الجانب الجيد في “العامل اليومي” الأولى.

ولكن بداية الفترة الثالثة لستالين حينها في أواخر عشرينيات القرن العشرين، كان معناها  أن المحررين لم يستطيعوا تفهم الهزيمة البشعة التي عانت منها النقابات في بريطانيا.  إذ أصبحت نغمة الجريدة أكثر صخبا بصورة متزايدة وأكثر تحريضا في الوقت الذي أصبح فيه مزاج الطبقة أكثر إحباطا. وزاد هذا الميل سوءا مع إصدار الجريدة بشكل يومي عام 1930. ورغم أن الجريدة بدأت تنشر عروضا لأحداث قائمة، إلا أن جمهور العمال المشارك لم تبدو له هذه الأحداث بهذا الشكل، لأنهم كانوا يواجهون الهزيمة القاسية تلو الأخرى. وفي الحقيقة، أعاقت النغمة التحريضية الزائفة أي تحليل حقيقي لما يحدث بالفعل في الطبقة، أو أي عرض واضح للأفكار التي يحتاجها النشطاء ليحافظوا على بقائهم خلال تلك الفترة. وهكذا بدلا من المساعدة على بناء الحزب، كانت الجريدة اليومية، في سنواتها الأولى، استنزاف إضافي لحماس ونشاط الأعضاء.

وفي النهاية، يتمثل ما قد يكون أكثر الاشكال مطابقة لجرائد فترة الجزر، في الجريدة التي تحتوى على دعاية وفضح لمدى سوء النظام القائم، ولكن مرة أخرى، لا تتجه كثيرا إلى التحليلات الواضحة لما العمل إزاء ذلك. ويكون شكل الجريدة شعبيا، رغم إن قاعدة قراءها فعليا، تتسع عادة وتضيق معها. ومن الأمثلة التي ينطبق عليها هذا في بريطانيا حاليا “لابور هيرالد”  (Labour Herald)، و مورنينج ستار   (Morning Star) أو “نجمة الصباح”، و جريدة “ميلتانت”  (Militant)  أو المناضل. وفي كل منها ستجد روايات عن مدى سوء معاملة حزب المحافظين للناس، وعن مدى سوء أحوال العاطلين عن العمل، وعن الحالة التي يرثى لها للخدمة الصحية أو مجلس الإسكان. ولكن أية منها لا تقدم تحليلا جادا لحالة حركة الطبقة العاملة، ولا تذكر تفاصيل عن ما العمل الذي يجب الالتزام به من أجل كسر حلقة الجزر.

« السابق التالي »