بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ليون تروتسكي: النظرية والممارسة

« السابق التالي »

12 – صعود البيروقراطية

على الرغم من خروج البلاشفة ظافرين بالنصر في الحرب الأهلية، إلا أن روسيا كانت غارقة في الدمار والخراب. فالناتج الصناعي في عام 1921 انخفض كثيراً إلى 31% مما كان عليه في عام 1913، أما الصناعات الثقيلة فقد تدهورت على نحو أسوأ، مثل صناعة الصلب التي لم تتخطى في الإنتاج نسبة 4% مما كانت عليه في 1913، وأما وسائل المواصلات فقد تدهورت هي الأخرى بشكل كبير نتيجة العجز الحاد في الوقود. كل ذلك بالإضافة إلى المجاعة والأمراض التي استشرت في أرجاء البلاد.

كان انهيار الصناعة متزامناً مع دمار هائل لحق بالطبقة العاملة التي صنعت الثورة، فهناك الكثير من العمال تضرروا بشكل كبير من النسب المرتفعة للبطالة والذين لجأوا إلى الريف لتدبير شئون حياتهم. وفي ظل تلك الظروف، أصبح البلاشفة يديرون دولة بإسم الطبقة العاملة التي بالكاد تتواجد على أرض الواقع في بلد أنهكه الفقر والجوع.

وفي المقابل، حاولت الحكومة الشيوعية في ظل قيادة لينين وتروتسكي بشتى الطرق الممكنة إعادة بناء البنى التحتية والاقتصاد في روسيا. دارت الكثير من الجدالات حول كيفية القيام بمثل تلك المهام الشاقة، ولم يكن أحد يملك الوجهة الصحيحة في هذه المسألة، حتى لينين وتروتسكي نفسيهما.

خلال الحرب الأهلية، استند الاقتصاد على الطلب الإجباري لمحاصيل الحبوب من الفلاحين لإطعام الجيش والعمال في المدن. وتحت ضغط التمردات المتنامية في الريف، عمد البلاشفة إلى إجراء إصلاحات محدودة في السوق، فيما عُرِفَ بالسياسة الاقتصادية الجديدة (النيب – N.E.P)، لتحفيز الفلاحين من أجل المزيد من الإنتاج.

لقد رأى كل من تروتسكي ولينين ذلك كحل مؤقت للأوضاع البائسة في روسيا، لكنهما كانا على يقين تام بأن الحل الحقيقي يكمن في إمكانية انتشار الثورة، بالأخص عبر الدول المتقدمة في أوروبا، كان ذلك هو الطريق الوحيد الذى يمكن من خلاله تجاوز الضغوط التي يقع الاقتصاد الروسي تحت رحمتها، والطريق الوحيد أيضاً من أجل إعادة بناء الطبقة العاملة عددياً وسياسياً أيضاً.

وفي ظل كل ذلك الدمار والفوضى التي حاقت بروسيا فيما بعد الحرب الأهلية، بدأت بيروقراطية الدولة في التنامي والتوسع، أي أولئك الإداريين والموظفين الرسميين الذين أصبحت لهم مطلق اليد في إدارة الشئون اليومية للبلاد. تطور أولئك البيروقراطيون ليمثلوا شريحة اجتماعية تتمتع بامتيازات تفوق باقي المجتمع، وتلك كانت البيروقراطية التي شكلت ظاهرة ستالين، الأقل شأناً بين القادة البلاشفة البارزين والذى جسّد مصالح هذه الشريحة من المجتمع.

كان تروتسكي ولينين قلقين بشدة بسبب النمو المتزايد للبيروقراطية، ولقد حذر لينين في يناير 1921 من “تشويهات البيروقراطية” كما وصف تروتسكي السمة الرئيسية للبيروقراطية بأنها “محافظة بشكل كبير، وهذه الشريحة المحافظة من الموظفين البيروقراط الذين صعدوا فوق الجماهير، قد شكلت الدعم الأقوى لستالين”.

كان لينين قد أصبح أكثر حذراً من تفشي البيروقراطية في الحزب والدولة، وقبل وفاته عام 1924، كتب وصيته الشهيرة التي نصح فيها بضرورة إزاحة ستالين من قيادة الحزب، فيما قررت اللجنة المركزية وقتها عدم الإعلان عن هذه الوصية. أما تروتسكي، وبالرغم من موافقته التامة مع وصية لينين، إلا أنه لم يعترض على عدم الإعلان عن وصية لينين خوفاً من وقوع انشقاقات كبرى في صفوف الحزب.

كان ستالين وقتها منغرساً بقوة في القلب من بيروقراطية الحزب، كما شغل مناصب متعددة في مختلف هيئات الدولة، وهكذا فقد استغل وفاة لينين لتقوية وضعه في الحزب والدولة. ومنذ ذلك الحين، أصبح ستالين يصوّر نفسه كخليفة للينين ووريثاً شرعياً لسياساته وأفكاره وتراثه، كما أطلق اعتى الهجمات على تروتسكي وكل السياسات والمبادئ التي كان يمثلها وظل يدافع عنها حتى وفاته.

« السابق التالي »