بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ليون تروتسكي: النظرية والممارسة

« السابق التالي »

13 – الاشتراكية في بلد واحد

رأى تروتسكي خطورة كبيرة في النمو المتزايد للبيروقراطية، كما ناضل بشتى الطرق لإيقاف صعودها، أنشأ تروتسكي المعارضة اليسارية التي وضعت خططاً للتصنيع تهدف لزيادة حجم الطبقة العاملة ووزنها الاجتماعي، وبالتالي لرفع مستوى المعيشة ولتوسيع رقعة الديمقراطية العمالية.

أما ستالين ومؤيدوه، فقد رفضوا كل تلك الاقتراحات بشكل قاطع، وفي المقابل حافظوا على توازن بطيء وحذر بين الصناعة والزراعة، كما استمروا في إثراء آليات السوق مما أدى إلى تهيئة المناخ لإعادة إنتاج الرأسمالية.

كان تروتسكي ينظر إلى انتشار الثورة كطريق وحيد لتجاوز عقبات التأخر الاقتصادى لروسيا، والإفلات أيضاً من ضغوط الرأسمالية العالمية. لكن الحركة الثورية العالمية قد تلقت هزائم مفجعة، لاسيما في ألمانيا 1923. فلقد انهزم الثوار الألمان ليس بسبب غياب الفرصة الثورية أو قلة عددهم، بل لأن حزبهم كان ضعيفاً ومنقسماً ويفتقر للخبرة الكافية التي تؤهله لقيادة الثورة بحسم نحو الانتصار.

وعلى إثر الهزيمة في ألمانيا، كتب تروتسكي كراسه الشهير “دروس ثورة أكتوبر” ليعرض فيه الدور الحاسم للحزب الثوري في إرشاد الثورات وقياداتها إلى الانتصار النهائى، وذلك في إشارة واضحة لانتصار الثورة الروسية في مقابل ما حدث في ألمانيا.

فتح “دروس ثورة أكتوبر” الباب أمام موجة جديدة من الهجوم ضد تروتسكي، حيث اختلق ستالين ومعاونوه الكثير من الأكاذيب لتشويه تروتسكي وأفكاره، كما دعوا للحرب على تروتسكي لتقليص نفوذه داخل الحزب. وبشكل خاص، كان هؤلاء يشيرون إلى انضمام تروتسكي للحزب البلشفي متأخراً في 1917، وواصلوا الهجوم على نظرية تروتسكي “الثورة الدائمة”.

أشاعت هزيمة الثورة الألمانية الكثير من التشاؤم والسلبية بين العمال والفلاحين الروس الذين عانوا الأمرّين طوال سنوات من الحرب وضيق المعيشة.

في نهاية 1924، ابتكر ستالين شعار “الاشتراكية في بلد واحد” في مقالة كتبها خصيصاً للهجوم على نظرية “الثورة الدائمة” لتروتسكي. لكن فكرة أن بإمكان روسيا أن تبنى مجتمعاً اشتراكياً محاصراً بالبدان الرأسمالية، إنما تمثل ردة شديدة عن المهمة الكثر حيوية بالنسبة للماركسيين الثوريين في نشر الثورة. كانت هذه الفكرة الستالينية مدمرة لمبدأالأممية الذى يقع في القلب من الماركسية ذاتها. بينما كان تروتسكي يصر على أنه إما أن تنتشر الثورة أو أن ضغوط الرأسمالية العالمية سوف تدمر الثورة في نهاية المطاف. أما حديث ستالين عن إمكانية بناء الاشتراكية في بلد واحد، فقد تجنب هذه المعضلة تماماً وكأنها لم تكن.

وفي 1928 أصبح الأمر واقعاً بالفعل بالنسبة للبيروقراطيين على رأس السلطة في روسيا، فتحت التهديد باندلاع الحرب مع بريطانيا، ومواجهة أزمة عميقة في الريف، أجرى ستالين تحولاً مفزعاً نحو التجميع القسرى للفلاحين حيث سيطرت الدولة على أراضى الفلاحين وأدارت عملية تصنيع سريعة كان لها آثار شديدة القسوة على حياة العمال في المدن. كان ذلك على النقيض التام من برنامج تروتسكي للتصنيع، وبالتالى على النقيض التام أيضاً من المساعى الهادفة لتنمية وتوسيع رقعة الديمقراطية العمالية، حيث مثلت مشاريع الدولة الستالينية تهديداً خطيراً على حياة الملايين من العمال والفلاحين في روسيا.

كان ذلك هو النتيجة الطبيعية لبناء “الاشتراكية في بلد واحد”، حيث أُجبرت روسيا على اللحاق بالدول الرأسمالية المتقدمة، وكما أوضح ستالين في إحدى خطبه في 1931: “إننا متأخرين عن البدان المتقدمة في أوروبا بخمسين أو مائة عام. يجب أن نعوّض هذا التلكؤ في عشر سنوات.. إما أن نفعل أو يسحقوننا”.

والتنافس الاقتصادي والعسكري مع العالم الرأسمالي كان له تبعات خطيرة على روسيا نفسا؛ فقد كانت الخطط الخمسية المتعاقبة في روسيا، بدءاً من العام 1929، تعكس انخفاضاً مأساوياً في مستوى معيشة الجماهير، وتجويعاً واسعاً لهم. وفي الفترة من 1928 إلى 1930، تضاعفت أعداد العمال في معسكرات العمل العبودية بمقدار عشرين مرة. ومن أجل تقوية النظام، عمد ستالين إلى الاستبداد المتزايد وسحق كافة معارضيه، وكل آثار الديمقراطية تم محوها بشكل كامل على يديه.

كان لـ”الاشتراكية في بلد واحد” تأثير كارثي أيضاً على الحركة الشيوعية العالمية؛ فقد تحول “الكومنترن” من مدرسة أممية للاستراتيجية والتكتيك إلى جهاز يتلون بحسب مصالح السياسة الخارجية لستالين. وكان ذلك يعنى الخوض في استراتيجيات متناقضة لها نتائج مدمرة، حيث كانت يتم التضحية بمصالح الطبقة العاملة مرة تلو الأخرى لتلبية احتياجات البيروقراطية الستالينية.

في العام 1926، انضم تروتسكي إلى كامينيف وزينوفيف – حلفاء ستالين السابقين – لتأسيس “المعارضة المتحدة”، لكن تاريخ العداوة والنديّة بين تروتسكي من ناحية وكامينيف وزينوفيف من ناحية أخرى، جعل من الصعب على مؤيديهما أن يثقوا ببعضهم البعض. ولكي تستمر “المعارضة المتحدة” في عملها، كان على الطرفين تقديم بعض التنازلات، حتى إلى درجة كان تروتسكي وقتها قد أرجأ الحديث عن “الثورة الدائمة” قليلاً.

ومع الضعف الشديد الذى لحق بالعمال والفلاحين الروس نتيجة الحرب والمجاعة، لم تستند المعارضة سوى على قاعدة محدودة للغاية في مواجهة ستالين وبيروقراطيته، وهكذا تم تحطيم المعارضة بالكامل. وعندما دعا تروتسكي إلى مسيرة عمالية بالتزامن مع الذكرى العاشرة لانتصار الثورة الروسية 1917، كان ذلك بمثابة الحجة التي استخدمها ستالين لطرده من الحزب الشيوعي، بعد عشرة أعوام من تنظيم الانتفاضة المسلحة في أكتوبر 1917، وبعد ستة أعوام من هزيمة بعض من أقوى الجيوش الإمبريالية في العالم، تم طرد تروتسكي من الحزب وإرساله إلى المنفى.

« السابق التالي »