بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ليون تروتسكي: النظرية والممارسة

« السابق التالي »

15 – النضال ضد الفاشية

وصف تروتسكي صعود الفاشية إلى الحكم في ألمانيا بـ”أكبر هزيمة للطبقة العاملة في التاريخ”. وصل هتلر للسلطة في يناير 1933، وكان تروتسكي يحذر بشدة من هذا الخطر قبل وقوعه بثلاثة أعوام، حيث جادل بأن انتصار الفاشية لن يمثل هزيمة للطبقة العاملة الألمانية فحسب، بل لكل القوى التقدمية عبر أوروبا.

رأى تروتسكي أنه كان بالإمكان التصدى للفاشية وإيقافها، فتنظيمات الطبقة العاملة الألمانية كانت أكبر، أكثر اتساعاً من غيرها في أى بلد آخر. في 1932، كان الحزب الاشتراكى الديمقراطى يضم أكثر من مليون عضو، في حين كانت عضوية الحزب الشيوعي بحوالى 300 ألف عضو، وكلا الحزبين كان يضم ما يزيد عن 50 ألف عضو في المنظمات الشبابية.

وفي الانتخابات البرلمانية الألمانية في سبتمبر 1930، حظى الحزب الاشتراكى الديمقراطي والحزب الشيوعي مجتمعين أكثر من ضعف الأصوات التي ذهبت للحزب النازى. وحتى في مارس 1933، بعد أن صعد هتلر للسلطة وقام بحظر الحزب الشيوعي وأطلق إرهاباً عنيفاً ضد قوى اليسار، كانت إجمالى الأصوات التي حظى بها الحزب الاشتراكى والشيوعي حوالى 12 مليون صوت. والأكثر أهمية من عدد الأصوات، كما جادل تروتسكي أنها كانت قادمة من العمال المنظمين في تنظيمات عمالية منغرسة في المصانع وفي قلب الاقتصاد الألمانى.

جادل تروتسكي بأن الطريقة الوحيدة لإيقاف هتلر والنازيين هى الجبهة المتحدة بين الشيوعيين والاشتراكيين الديمقراطيين. لكن تاكتيك تروتسكي كان مناقضاً لسياسة الحزب الشيوعي الملتزمة بالاستراتيجية الستالينية للكومنترن.

أجرى الكومنترن تحولاً حاداً في عام 1928 فيما أُطلق عليه “الفترة الثالثة”. كانت الفترة الأولى من عام 1917 حتى 1923 هى فترة الانتفاضات الثورية العملاقة التي اجتاحت روسيا وكل ربوع أوروبا، أما الفترة الثانية فهى الفترة المعروفة بالاستقرار الرأسمالي من 1923 إلى 1928، وكما أشار تروتسكي فهى الفترة التي شهدت أخطاء كارثية حيث الاعتماد على القوميين في الصين والبيروقراطيين النقابيين في بريطانيا.

وفقاً لستالين وقادة الكومنترن، كانت الفترة الثالثة هى الأزمة النهائية للرأسمالية، مما كان يعنى تصاعداً هائلاً نحو الهجوم الثوري على الرأسمالية. وبالتالى تضمنت تلك الرؤية تأسيس نقابات “حمراء” (تضم الشيوعيين فقط)، ورفض سياسة الجبهة المتحدة، والتعامل مع الاشتراكيين الديمقراطيين باعتبارهم فاشيين اجتماعيين، وبالتالى فهم يمثلون العدو الأساسي بالنسبة للشيوعيين.

وفي المقابل، جادل تروتسكي بأنه ليس هناك دليلاً دامغاً يثبت أن الأزمة الاقتصادية يمكنها بشكل حتمي أن تفرز راديكالية ثورية لدى الجماهير العريضة. ودعا الشيوعيين مرة تلو الأخرى للضغط على الاشتراكيين الديمقراطيين لتأسيس جبهة متحدة فيما بينها من أجل التصدي للفاشية.

لقد أسس تروتسكي هذه الاستراتيجية من خلال تحليل متماسك للفاشية ذاتها، وكما وصفها فإن الفاشية هي “حركة الثورة المضادة” المرتكزة على الطبقات الوسطى التي تشعر بالذعر وغياب الأمان إثر الأزمة الاقتصادية التي خربت ألمانيا في بداية الثلاثينيات. كتب تروتسكي أنه ينبغي فهم ظاهرة هتلر من هذا السياق، كانعكاس حىّ للطبقة الوسطى المذعورة.

وصحيح أن الطبقة الوسطى تمثل القاعدة الجماهيرية الأساسية للفاشية، إلا أن تروتسكي رأى أيضاً أنه لم يكن بإمكان هتلر الصعود للسلطة دون دعم بعض قطاعات الطبقة الرأسمالية. وعلى الرغم من أن الرأسماليين يفضلون عادةً الديمقراطية البرجوازية، إلا أنهم قد يلجأون للفاشية في أوقات الأزمات الحادة. شبّه تروتسكي ذلك بالمريض الذي يخاف من طبيب الأسنان، لكنه يُجبر على ذلك عندما يصل الألم إلى درجة لا يحتملها. وأثناء الانهيار الاقتصادى الذى شهدته ألمانيا في أوائل الثلاثينيات، رأى الرأسماليون الألمان في هتلر فرصة جيدة لتحطيم منظمات الطبقة العاملة وأحزابها مما يمهد الطريق لاسترجاع أرباحهم وإفلاتهم من الأزمة.

فسّر تروتسكي ذلك حين شخّص الوظيفة الأساسية للفاشية بأنها تسعى لتدمير كافة تنظيمات الطبقة العاملة، وإن اقتضى الأمر أن تقضى على الديمقراطية البرلمانية أيضاً. كان ذلك هو الحال في ألمانيا، حيث تدمير كافة التنظيمات الجماهيرية القاعدية – حتى فرق الكشافة قد تم حظرها أيضاً – وسحق كل عناصر الديمقراطية ومؤسساتها، وهكذا فإن محاولات الحزب الاشتراكي الديمقراطي لتأسيس معارضة برلمانية قد باءت بالفشل الذريع.

لم يكن الحزب الشيوعي بالقوة الكافية التي تمكنه من هزيمة الفاشية. وما زاد الطين بلة هو استمرار الشيوعيين الألمان في تبني الاستراتيجية الكارثية التي ترى الاشتراكية الديمقراطية عدواً رئيسياً، كما عمدوا للفصل التام بين قواعدهم الحزبية وبين قواعد الحزب الاشتراكي الديمقراطي.

انصب جل تركيز تروتسكي في هذه المسألة على أن الفعل الموحد لملايين العمال المنظمين في النقابات والأحزاب السياسية، هو الطريق الوحيد للتصدى للفاشية الصاعدة. جادل تروتسكي أيضاً بأن هذه الجبهة المتحدة سوف تتطور من الدفاع إلى الهجوم، وسوف تتحول أثناء الصراع إلى تنظيمات عمالية أشبه بالسوفيتات التي حازت السلطة السياسية في روسيا 1917، ولكن كل تلك الجدالات كان الشيوعيون الألمان يغضون الطرف عنها.

إلا أن أطروحات تروتسكي لم تكن سهلة التحقيق في ألمانيا، فلقد كان من الصعب أن ينسى الشيوعيون الألمان أن قادة الحزب الاشتراكي هم من مهدوا الظروف لاغتيال روزا لكسمبورج وكارل ليبكنخت قبل ذلك بعقد من الزمان. لكن تروتسكي استمر في جداله بأنه من الضرورى بناء مثل هذه الوحدة بين منظمات وأحزاب الطبقة العاملة الألمانية.

وعلى الرغم من تاريخ تروتسكي ووزنه السياسى، لم يكن هناك كثيرون يستمعون إلى ما يقول، فقط كانت هناك مجموعة ضئيلة من مؤيديه لا تتجاوز 500 عضو، حاولت المجموعة بكل جهد أن تنمو وتتوسع إلا أنها لم تفلح كثيراً. كانت هناك الكثير من كتابات تروتسكي يتم طباعتها وتوزيعها، إلا أنها لم تحدث أى تأثير يُذكر.

كان تروتسكي على إدراك تام بمخاطر وأهوال الفاشية، إلا أنه ظل عاجزاً عن إيقافها. هكذا حذر العمال الألمان: “إذا صعدت الفاشية للسلطة، فسوف تمر على جماجمكم وعظامكم كدبابة مخيفة”.. ولقد كان على صواب فيما حذّر من مآسى.

« السابق التالي »