بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ليون تروتسكي: النظرية والممارسة

« السابق التالي »

3 – أى نوع من الأحزاب؟

نجح تروتسكي في الهرب من منفاه في سيبيريا في عربة من القش في عام 1902، وبمساندة بعض الرفاق في أوروبا استطاع الوصول إلى لندن حيث مكث هناك بالقرب من لينين وعدد آخر من الثوريين الروس البارزين الذين كانوا يعملون لتحرير جريدة الإيسكرا (الشرارة). شاركهم ليون تروتسكي في الكتابة للإيسكرا التي استهدفت بالأساس الوصول للنشطاء في داخل روسيا.

كانت مجموعة تحرير الإيسكرا جزءاً من حزب العمال الاشتراكى الديمقراطى الروسى الذي كان قد تأسس في عام 1898 في اجتماع حضره تسعة نواب فقط. ولكن بحلول عام 1902 كان الحزب ينمو بشكل ثابت سواء من حيث الحجم أو التأثير السياسى بين الجماهير.

لكن الحزب الاشتراكى الديمقراطى قد شهد انشقاقاً في المؤتمر الذي انعقد بعد ذلك بعام واحد فقط. عبَّر الكثيرون من مندوبي المؤتمر عن دهشتهم البالغة عندما انشق الحزب على بعض التفاصيل التنظيمية التي بدت بالنسبة إليهم تافهة في ذلك الوقت. قاد لينين في ذلك الانشقاق شقاً من الحزب (البلاشفة)، بينما اتبع تروتسكي وجهة نظر الشق الآخر (المناشفة).

تمحورت الخلافات التنظيمية داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي حول طبيعة عضوية الحزب، تلك النقطة التي عكست وجهات نظر أكثر اختلافاً فيما يتعلق بطبيعة ودور الحزب نفسه. كان لينين يُصر على ضرورة بناء منظمة ثورية شديدة الانضباط والمركزية من الثوريين. أما تروتسكي فقد رأى أن النموذج الذي يدعو إليه لينين سوف يؤدى إلى ظاهرة “الاستبدالية”، حيث يتم استبدال النشاط الذاتى للطبقة العاملة بالحزب المركزي، والذي يتم استبداله هو الآخر بقيادة الحزب نفسه. وفي المقابل، أيّد تروتسكي نموذج الحزب الجماهيري الواسع على غرار الأحزاب الاشتراكية العريضة في أوروبا الغربية، لاسيما الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني.

كانت وجهة نظر لينين في ذلك الوقت لا تزال قيد التطوير، وفي مراحلها الأولى أيضاً، فلقد تشكلت إثر اضطرار الثوريين للعمل في ظروف سرية تامة وفي إطار غير شرعي لتجنب الهجمات والضربات الأمنية من قبل الشرطة القيصرية. وبشكل عام، بنى لينين وجهة نظره على واقع أن العمال لا يتملكون وعياً موحداً، بل متفاوتاً ومتناقضاً، فبعض العمال لديهم أفكاراً ثورية، وبعضهم لديه أفكارأً رجعية، والكثيرون منهم لديهم خليطاً بين هذا وذاك. لذا فإن على الحزب أن يجمع الثوريين بين عضويته كي يستطيع أن يؤثر في الآخرين.

حظت مجموعة لينين بتأييد أغلب مندوبي المؤتمر، لذا أُطلق عليها البلشفية، وتعني الأغلبية. وبالرغم من أن تروتسكي قد التزم جانب المناشفة (الأقلية) في البداية، إلا أنه قد تركهم بعد عام واحد فقط، وقد أمضى العقد التالى يحاول توحيد كلتا المجموعتين معاً.

توقع الكثيرون أن يتم التوحيد في وقت سريع، إلا أن الانشقاق الرسمى لم يتم حتى عام 1912، بينما كان الطرفان يعملان سوياً دون شقاق في الممارسة العملية حتى ثورة 1917. في عام 1903 بدت كل الاختلافات التي قادت الحزب للانشقاق باهتة وغير ذات أهمية. وفي الحقيقة، اقتضى الأمر سنوات طويلة من الثورة والثورة المضادة والحرب، بين السنوات من 1903 وحتى 1917، كي تتضح تلك الاختلافات بشكل كامل وتبدو متماسكة في عيون الجميع.

طوال تلك السنوات، أصبح تروتسكي خطيباً مبهراً وكاتباً مؤثراً ومفكراً ثورياً هائل النفوذ، لكن في عام 1917 لم يكن لديه تنظيماً ثورياً منغرساً بين صفوف الجماهير ليربط بين كل تلك الإسهامات الهامة وبين استراتيجية أوسع لترشد الثورة إلى الانتصار. التحق تروتسكي بالحزب البلشفي في يوليو 1917، معترفاً بأن عدم انضمامه للبلاشفة في وقت مبكر كان أكبر خطأ ارتكبه في حياته.

« السابق التالي »