بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ليون تروتسكي: النظرية والممارسة

« السابق التالي »

4 – 1905 وتشكيل أول مجلس عمالي في التاريخ

يظن الكثيرون أن الثورات تندلع بواسطة مجموعات من الثوريين الذين يخططون لكل شيء في الثورة. لكن في الحقيقة، يصنع الناس العاديون هذه الثورات أو التحركات الجماهيرية العملاقة، أحياناً بعد سنوات طويلة من الغضب والمعاناة.

 في روسيا، وبحلول يناير 1905، كان الغضب الشعبى قد تصاعد بشكل غير مسبوق ضد القيصر والنتائج الكارثية للحرب ضد اليابان. بدأت الشرارة بمظاهر قادها الأب جابون (الراهب والعميل للأمن في نفس الوقت) لمطالبة القيصر ببعض الإصلاحات، فيما كان رد فعل القيصر هو أن أمر جنوده بإطلاق النار على المتظاهرين، لتُعرف تلك المذبحة بإسم “يوم الأحد الدامي”.

دشنت المذبحة عاماً كاملاً من النضالات الجماهيرية في روسيا؛ فخلال الشهرين التاليين اجتاحت الإضرابات كافة ربوع روسيا ليشارك فيها أكثر من مليون عامل في حوالى 120 بلدة. كان عدد العمال المضربين خلال شهرى يناير وفبراير 1905 يفوق إجمالي عددهم خلال العشر السنوات السابقة. وعلاوة على ذلك، أثارت إضرابات العمال في 1905 حركة واسعة للفلاحين في الريف، بالإضافة إلى تمردات واسعة في صفوف الجيش والبحرية، والتي كان من أبرزها: تمرد الجنود على متن البارجة “بوتميكين”.

وفي بداية أكتوبر، تحول إضراب لعمال السكك الحديدية إلى إضراب عام على امتداد الإمبراطورية الروسية. وعندما وصلت أنباء الإضراب إلى تروتسكي، هرع إلى روسيا في 14 أكتوبر، أي بعد يوم واحد من تشكيل أول مجلس عمالي في تاريخ روسيا – سوفييت بطرسبورج لمندوبي العمال.

كان السوفييت يمثل شكلاً تنظيمياً ديمقراطياً من نوع جديد يبنيه العمال بأنفسهم، حيث كان العمال ينتخبون ممثليهم الذين يتناقشون ويتباحثون ويصوتون على كافة القرارات اليومية. كانت الحاجة إلى تنظيم الإضراب العام هي ما دفعت العمال لإنشاء السوفييت، والذي كان يضم 562 مندوباً من 147 مصنعاً في مدينة سان بطرسبورج. وتطورت مهام السوفييت سريعاً من التنسيق بين المواقع العمالية في إضراباتها، إلى تنظيم عملية توزيع الطعام لسكان المدينة واتخاذ القرارات الخاصة بتسليح العمال في مواجهة اعتداءات قوات الأمن والمرتزقة.

لقد وحَّد السوفييت المطالب الاقتصادية والسياسية للجماهير بشكل مبهر في شعارات بسيطة. وكما كتب تروتسكي: “منذ أن أطلقت الحرب صرختها، صار شعار 8 ساعات وبندقية يسكن قلوب كل عمال بطرسبورج”. ولقد نجح سوفييت بطرسبورج بالفعل في أن يضرب بجذوره في كل روسيا متحدياً بذلك سلطة الدولة القيصرية، فيما أطلق عليه تروتسكي “جنين الحكومة العمالية”. وفي خلال ثلاثة أشهر فقط، أنشأ العمال ما بين 40 إلى 50 سوفييت عبر روسيا، إلا أن أياً منهم لم يصل إلى قوة سوفييت بطرسبورج.

كانت الثورة الروسية في 1905 هي الأولى التي تضمنت كل تلك الإضرابات الجماهيرية، والأولى التي تشهد بناء المجالس العمالية. وفي كافة الثورات الجماهيرية اللاحقة، كان العمال ينظمون أنفسهم في أشكال مشابهة، حيث يؤسسون تنظيماتهم الديمقراطية والتي من خلالها يستطيعون تنظيم صفوفهم وإدارة النقاشات فيما بينهم حول ما يمكن فعله. في روسيا كانت تلك المجالس تُدعى “سوفيتات”، وفي الثورة الإيرانية 78- 1979 كانت تُدعى “مجالس شورى”، وفي شيلي 72- 1973 كانت تُدعى “الكوردونات”.

أدرك تروتسكي، أكثر من جميع الثوريين في عصره، الأهمية الاستثنائية للسوفيتات، وقد انخرط بكل حماسة في أنشطتها. وفي المقابل، كان الكثيرون من البلاشفة ينظرون في البداية بكثير من الشك والريبة لتلك التنظيمات العمالية الوليدة.

وفي عُمر لا يتجاوز 26 عاماً، أصبح ذلك الشاب المندرج من أصول يهودية في بلد تنتشر به معاداة السامية – تروتسكي – رئيساً منتخباً لسوفييت بطرسبورج ومتحدثاً رسمياً له ومحرراً للنشرات التي يصدرها. استمر السوفييت فقط لمدة 50 يوماً، وخلال تلك الفترة كان تروتسكي أحياناً ما يدعو العمال للتقدم، وفي أحيان أخرى كان يدعو العمال للتراجع التكتيكي، لكنه كان يحذر على الدوام من الانخداع في الوعود الزائفة للقيصر. قام تروتسكي بتسويد الكثير من بيانات السوفييت بما فيها نداءات العمال للفلاحين من أجل النضال ضد القيصر، كما شارك تروتسكي بكل دأب في تسليح العمال من أجل التصدي لمجازر القيصر بحقهم.

كتب تروتسكي لاحقاً ليصف إحساسه الشخصى خلال تلك الأحداث الثورية قائلاً: “تبدو الثورة كالفوضى المجنونة فقط لأولئك الذين تزيحهم الثورة وتطيح بهم، لكن بالنسبة لنا فالأمر مختلف بالكلية، فلقد كنا في القلب من الأحداث التي نطمح إليها بالرغم من أنها الأحداث الأكثر عصفاً”.

لقد صقل الانخراط في عمل السوفييت قدرة وثقة ليون تروتسكي لتحوله من شاب متمرد يافع إلى قائد ومفكر ثوري. في النهاية، انهزمت الثورة في ديسمبر 1905 وألقي بتروتسكي في السجن. استطاعت الإمبراطورية القيصرية أن تصلب عودها مجدداً في ذلك الوقت، لكن روسيا لم تعد كما كانت في الماضي، حيث أدرك العمال قوتهم الحقيقية وتعلموا كيف ينظمون صفوفهم بطرق جديدة.. لقد تركت الطبقة العاملة الروسية بصمتها المميزة على التاريخ.

« السابق التالي »