بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ليون تروتسكي: النظرية والممارسة

« السابق التالي »

9 – تسليح الثورة

عقب انتصار ثورة أكتوبر، بدأت العديد من القوى في الهجوم ضد النظام البلشفي الجديد. فبعد شهر واحد من الانتفاضة المسلحة بدأ أنصار النظام القيصري في التحرك، وفي نفس الوقت بدأ القوزاق (أغنياء الفلاحين) في حشد قواهم لمجابهة البلاشفة.

ولم تواجه الدولة العمالية الوليدة الهجوم الداخلي فحسب، بل واجهت أيضاً غزواً خارجياً من معظم القوى الإمبريالية في العالم. ففي النصف الأول من العام 1918، توجهت جيوش أكثر من 12 دولة رأسمالية، بما فيها بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة واليابان، بقصد سحق السلطة السوفيتية في روسيا.

في يناير 1918، أعلن القائد الثوري فلاديمير لينين، رسمياً عن تأسيس جيش العمال والفلاحين – الجيش اللأحمر – وبعد شهرين تم تعيين ليون تروتسكي قائداً له بجانب منصبه كرئيس لمجلس الحرب. لم يكن لدى تروتسكي وقتها أي خبرة عملية بالعسكرية، حتى بالرغم من قراءته الكثيفة للكتابات العسكرية واشتغاله بالصحافة في تغطية أحداث الحرب العالمية الأولى في منطقة البلقان.

كانت مهمة تروتسكي شاقة ومهولة، فقد كان عليه أن يحمى حدوداً بطول خمسة آلاف ميل بقيادة جيشاً هزيلاً وكأنما يبنيه من الصفر. وحتى إذا أراد تروتسكي أن يستخدم الجيش القيصرى القديم لما كان استطاع أن يفعل، فلقد انهار الجيش القيصري بالكامل تقريباً. فمن إجمالي 9 مليون جندي، تبقى 40 أو 50 ألفاً فقط للدفاع عن الثورة في 1917، فلم يعد الجنود يحتملون القتال بعد ثلاث سنوات من الحرب العالمية. لكن في نفس الوقت كان بعض جنرالات القيصر يعدون العدة للهجوم على الثورة، بينما كانت الفوضى مستشرية في هيكل الجيش.

كانت الجماهير قد سأمت من الحرب، وكان من أهم أسباب نجاح البلاشفة ونمو شعبيتهم هو معارضتهم على طول الخط للحرب الإمبريالية التي يخوضها القيصر، وقد عبّروا في ذلك عن آمال الملايين من العمال والفلاحين الروس. كان على تروتسكي أن يعيد تنظيم الجيش، ولم يكن ليقدر على ذلك إلا إذا وضع أولئك المؤمنين بالثورة في القلب من هذا الجيش، أولئك الذين يقاتلون للدفاع عن شيء لديهم يقين قاطع به.

وفي أولى خطوات تأسيس الجيش الأحمر، بدأ تروتسكي بدعوة المتطوعين للانضمام، ولقد تشكل القلب الصلب للجيش من العمال المؤمنين بضرورة الدفاع عن الثورة. وبحلول أبريل 1918، كان هناك حوالى 200 ألف متطوعاً قادراً على القتال ومؤمناً به.

لكن أعداد المتطوعين كانت لاتزال أقل بكثير مما يلزم لصد كل تلك القوى الإمبريالية هائلة التسليح التي كانت تزحف بأقصى سرعة لسحق سلطة السوفيتات، لذا كان على تروتسكي تجنيد المزيد لبناء الجيش، وقد جلب ذلك أعداداً كبيرة من الفلاحين الذين أربكوا الجيش سياسياً وتنظيمياً أيضاً. فقد كان الكثير من الفلاحين الذين يتبنون موقفاً متناقضاً من البلاشفة، صحيح أنهم كانوا فرحين بمصادرة أراضي كبار الملاك والإقطاعيين وتوزيعها عليهم، إلا أنهم كانوا يعارضون طلب الحكومة السوفيتية لمحاصيل الحبوب من أجل سد عجز الغذاء في المدن.

وفي ظل تلك الظروف الصعبة التي أحاطت بتأسيس الجيش الأحمر، كان على تروتسكي أن يصر على ضرورة الالتزام الصارم داخل هذا الجيش. لكن مع تأسيس الجيش الأحمر، وعلى النقيض التام من الهيكل والطابع الاستبدادي للجيش القيصرى، كان من حق الجنود أن يقوموا بانتخاب ضباطهم. تم ذلك فقط لمرة واحدة، وفيما بعد كانت هناك ضرورة أكيدة لمركزة عمل الجيش على أكثر من جبهة للقتال. إلا أن تروتسكي كان حازماً تمام الحزم في احترام الجنود، وواجه أي إساءة من أي ضابط لأي من الجنود، حتى إن كانت إساءة شفهية، بكل حسم وصرامة.

ونظراً لافتقاد الجيش الأحمر لأي فترة سلام يمكن استغلالها في المزيد من التدريب أو تطوير التاكتيكات العسكرية، فقد كان الجيش يفتقر إلى المهارات التقنية وحتى إلى الخبرة العسكرية، وكان ذلك هو السبب وراء لجوء تروتسكي لبعض الضباط من الجيش القيصري القديم كأخصائيين عسكريين في الجيش الأحمر، لكن في نفس الوقت كان هؤلاء يعملون تحت الرقابة اللصيقة من مسئولين سياسيين تم تعينهم في الجيش الأحمر بشكل خاص لهذه المهمة. دعا تروتسكي أيضاً الكثيرين من الشيوعيين في الحزب الشيوعي السوفيتي (البلشفي سابقاً) للانضمام للجيش الأحمر حيث يعملون على تشجيع الجنود وتثقيفهم سياسياً.

لقد لعب تروتسكي أكثر الأدوار حيوية خلال فترة الحرب الأهلية، وقد كتب تروتسكي في وقت لاحق واصفاً تلك الفترة، حيث قضى أكثر من عامين في “قطارالحرب” الذي يحمله إلى الجبهة ليتفقد أحوال الجيش ويتحدث إلى الجنود ويضع استراتيجيات القتال، إلخ.

ولأكثر من مرة كانت الثورة في مهب رياح الحرب الأهلية. في 1919 على سبيل المثال، احتلت قوات الجيش الأبيض المعادي للثورة إحدى المدن التي تبعد فقط حوالي عشرة أميال عن العاصمة بتروجراد. كان باستطاعة سكان العاصمة أن يلاحظوا دبابات العدو على مرمى البصر، حينها أراد لينين الانسحاب من المدينة في حين أصر تروتسكي على البقاء وشن حرب عصابات إذا تطلب الأمر. حتى أن تروتسكي اضطر وقتها لامتطاط حصاناً ليلحق بالجنود المرتدين وليقنعهم بضرورة الاستمرار في القتال والدفاع عن العاصمة. وفي النهاية نجح الجيش الأحمر في إحراز انتصاراً حاسماً.

وفي مواجهة كل الأعداء، انتهت الحرب بانتصار الجيش الأحمر في 1920. كان ذلك إنجازاً جباراً ساهم فيه ليون تروتسكي بشكل مباشر، لكن الفضل في ذلك يرجع بالأساس لإصرار وتضحية وشجاعة عشرات الآلاف من المناضلين والثوار الذين قاتلوا بتفانٍ بالغ وأقنعوا غيرهم بالقتال دفاعاً عن الثورة.

لكن ضريبة الانتصار كانت أن راح ضحية الحرب الآلاف من أفضل الشيوعيين وأكثر العمال إخلاصاً وخبرةً سياسيةً، علاوة على الدمار الواسع الذي لحق بالصناعة والاقتصاد الروسي.

« السابق التالي »