الثورة
يتمثل رد الثوريين على كل ذلك في النضال من أجل تجاوز هذا النظام العفن وطرح البديل الاشتراكي: سيطرة البشر جماعياً وديموقراطياً على موارد العالم ووسائل إنتاج السلع والخدمات، واستخدام هذه السيطرة من أجل رخاء الإنسانية وتلبية الحاجات الأساسية للبشر. ويمثل ذلك العنصر الأول من مشروعنا الثوري.
غير أننا لا نرفض الرأسمالية ونناضل من أجل البديل الاشتراكي فحسب، لكننا نرى أيضاً أن هذا البديل لا يمكن أن يتحقق سوى عن طريق الثورة. أي أننا نرفض ما يسمى الطريق الإصلاحي نحو الاشتراكية.
على امتداد القرن العشرين، كانت هناك تجارب عدة لأحزاب وقوى سياسية كبرى ـ في الأغلب في البلدان الرأسمالية المتقدمة ـ حاولت أو زعمت أنها تحاول الوصول للاشتراكية من خلال إصلاح النظام القائم لا الثورة عليه. والفكرة الكامنة خلف تلك الإستراتيجية السياسية بسيطة للغاية. يرى الإصلاحيون أنه مهما كان التفاوت في القوة بين الرأسماليين والعمال لمصلحة الرأسماليين، فإن العمال لديهم سلاح مؤكد هو الأصوات الانتخابية. فالعمال بطبيعة الحال أكثر عدداً من الرأسماليين، فإذا ما اتحدوا فيما بينهم وصوتوا لصالح الاشتراكيين الإصلاحيين في الانتخابات، فإنهم يكونوا قد أمسكوا بالسلطة السياسية، ويحدث من ثم انتقال سلس للاشتراكية على يد البرلمان الاشتراكي، دون عنف أو إراقة للدماء.
إنها فكرة جذابة بلا شك. وقد اعتنقها بالفعل الملايين من العمال على امتداد القرن، وشهد عالمنا ـ في الدول الديموقراطية ـ محاولات كثيرة لوضعها موضع التطبيق. فلماذا رغم ذلك لازلنا اليوم بعد مائة عام من التجارب أبعد ما نكون عن الاشتراكية؟ ولماذا كان دور الحكومات الإصلاحية (أو الاشتراكية الديموقراطية، حسب التسمية الشائعة) يكاد يقتصر في كل مرة على إدارة عجلة الاقتصاد والمجتمع البرجوازي على نحو لا يختلف سوى في التفاصيل غير الجوهرية عما تفعله الأحزاب البرجوازية التقليدية؟
الإجابة السهلة على هذا السؤال تشير إلى تنكر الاشتراكيين الإصلاحيين لمبادئهم عندما يصلوا لمقاعد الحكم، وتواطؤهم مع الأغنياء والأقوياء على حساب وعودهم الانتخابية. تتضمن هذه الإجابة بالفعل بذرة من الحقيقة. إلا أن جوهر الأمر سياسي لا أخلاقي. حيث يتمثل مأزق الإصلاحيين في الأغلب لا في استعدادهم الفطري لخيانة الجماهير التي أوصلتهم لمقاعد السلطة، وإنما في وضعهم الطبقي وفي طبيعة الضغوط الموضوعية التي تواجههم عندما يشرعون في تحقيق الاشتراكية من خلال البرلمان، أو بعبارة أخرى الاشتراكية من أعلى.
تخبرنا التجارب العديدة أنه ما أن يتم انتخاب برلمان اشتراكي وقيام حكومة اشتراكية تطرح برنامجاً لتغيير المجتمع بشكل عميق ـ كما حدث مثلاً في شيلي في أوائل السبعينات ـ فإن ضغوطاً هائلة تعمل على الفور على عرقلة هذا المسعى. تأتي هذه الضغوط من جهاز الدولة البيروقراطي غير المنتخب، ومن الرأسمال المحلي والعالمي. فكبار موظفي الدولة هم الجزء البيروقراطي من الطبقة الرأسمالية ويرفضون بالطبع أي تغيير يمس البنية الطبقية للمجتمع. وهم بحكم نفوذهم الهائل وخبرتهم ودورهم في إمداد البرلمان بمشروعات القوانين ثم تنفيذها بعد إقرارها، يكونون في الأغلب قادرين على احتواء وتخريب التوجهات الجذرية للحكومة الاشتراكية. كما أن الرأسمال المحلي والعالمي، وهو “جبان” كما نقول، سرعان ما يشتم رائحة السياسات التي تشكل خطراً على مصالحه ويعمل على وأدها في المهد من خلال تهريب الأموال والامتناع عن الاستثمار ومعاقبة الحكومة بتخفيض قيمة عملتها ومقاطعتها اقتصادياً. والأرجح أن يرضخ الاشتراكيون الإصلاحيون لتلك الضغوط ويخففوا من غلوائهم إزاء ما يتعرضون له من لي ذراع من جانب الرأسمال، وذلك لأن الإصلاحيون في نهاية المطاف يمثلون قوة سياسية وسطية ترفض الثورة ولا تقبل أي مواجهة حقيقية مع الرأسمالية ودولتها (هذا بالضبط هو ما حدث مثلاً لحكومة الرئيس ميتران في فرنسا في أوائل الثمانينات).
أما إذا افترضنا جدلاً أن الحكومة الاشتراكية الوليدة كانت بالغة الصلابة والمبدئية، وأصرت رغم كافة الضغوط على المضي في الطريق الذي عاهدت الجماهير على سلوكه، فإنها حينئذ تصطدم بالجهاز القمعي للدولة الذي يعد، حتى في أعرق الديمقراطيات، الحصن الأخير للمجتمع البرجوازي. ونحن هنا نضع أيدينا على أحد أهم نقاط القصور في الإصلاحية. إن الإصلاحيين، بانتهازية مفرطة، يفترضون الحياد في جهاز الدولة ويتناسون أن جوهر الدولة هو العنف الطبقي المنظم ضد الجماهير. ومن هنا فإن أي مشروع جاد لتغيير العالم يجب أن يتضمن شل هذا الغول الشرس من خلال تدمير جهاز الدولة البرجوازي، لا استخدامه لإنجاز التغيير!






