بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

انتصار المقاومة اللبنانية وتحديات المستقبل

« السابق التالي »

10- كيف سيكون رد الفعل الأمريكي الآن؟

إن رد الفعل الأمريكي الأقل احتمالاً هو القبول بمنطق الهزيمة وسماع نصائح البعض مثل المعهد الملكي للشئون الدولية الذي يدعو الولايات المتحدة إلى قبول القوة الإيرانية والتعامل معها: “إن إيران في وضع قوة إقليمية، وهناك حاجة للتعاون معها والاستفادة من تأثيرها الإيجابي من أجل تهدئة النيران المشتعلة حالياً.. إن حل الأزمات العديدة للمنطقة يتطلب جزئياً تطوير علاقة إيران بالغرب عبر دبلوماسية حذرة وصبورة على الجانبين. يتم تصوير إيران باستمرار باعتبارها مراوغة وتسهم في تأجيج العنف في الشرق الأوسط الواسع. إن النظام الإيراني حذر من تعميم الفوضى في المنطقة، لإن هذا النظام هو في أساسه محافظ ويسعى إلى الحفاظ على الوضع الراهن.” (78)

وعملياً يعني ذلك أن يكرر بوش سابقة زيارة ريتشارد نيكسون للصين في 1972 بعد أن بات واضحاً استحالة انتصار أمريكا في فيتنام – بهدف عمل صفقة مع قوة إقليمية صُورت في السابق باعتبارها مصدر الشر.

لكن لا توجد دلائل على أن إدارة بوش تنوي اتباع نفس النهج. حيث أنها تراهن بقوة على قدرتها على تقوية الهيمنة الأمريكية على العالم والحفاظ عليها عبر مشروع “القرن الجديد”. وهي تخاف أن أية صفقة مع إيران لن تقوم فقط بتهديد هذا الطموح، وإنما أيضاً بتقليص النفوذ الأمريكي. وسوف يشجع نجاح قوة متوسطة ضعيفة نوعاً ما مثل إيران في أن تفرض على الولايات المتحدة تغيير سياستها.. سوف يشجع دولاً أخرى على اتباع نفس طريق التحدي.

ويعد الخلاف الوحيد بين معسكر بوش والتيار النقدي الأساسي لهذا المعسكر هو أن الأخير يرى أن الولايات المتحدة يجب أن تبني جسور التعاون مع “أوروبا القديمة” وروسيا من أجل الضغط على إيران وإجبارها على الاستسلام رمزياً عن طريق التخلي عن برنامجها النووي. فكما يقول توماس فريدمان، الصحفي المؤيد للإمبريالية وقت ذروة حرب لبنان: “لكن على الإدارة الآن أن تقر بما يجب أن يقر به أي شخص – بما فيهم أنا – يؤمن بأهمية أن يتحسن الوضع في العراق، وهو أن هذا الوضع لا يتحسن، ولا يمكننا أن نلقي بحياة الناس الطيبين الواحد تلو الآخر.. لكن ثاني أفضل الحلول هو أن نترك العراق. لأن الخيار الأسوأ – والذي تحبه إيران – هو أن نبقى في العراق، ننزف، وفي مدى يمكُن إيران من ضربنا إذا ما ضربنا مفاعلاتها النووية.. نحن نحتاج للتعامل مع إيران وسوريا، ولكن من موقع قوة – وهو ما يتطلب تحالفاً واسعاً. كلما احتفظنا بالاستراتيجية الأحادية الفاشلة، كلما كان أصعب بالنسبة لنا بناء مثل هذا التحالف.” (79)

لكن التوصل إلى حل وسط مع أوروبا القديمة وروسيا (ناهيك عن الصين) هو أمر صعب. فالدافع وراء الحرب على العراق لم يكن مجرد السيطرة على النفط العراقي لصالح شركات النفط الأمريكية، ولكن كان قبل كل شئ وضع نهاية لما رآه المحافظون الجدد الطبيعة المائعة للاستراتيجية الأمريكية الكونية في التسعينات، وذلك بهدف الهيمنة على أهم المواد الخام في العالم، وهو النفط، حتى تكون الولايات المتحدة قادرة على السيطرة على القوى العظمى الأخرى لتأمين “القرن الأمريكي الجديد”. (80)

وحتى لو أصبحت الإدارة الأمريكية مجبرة على إجراء مساومات كاملة مع أروربا وروسيا والصين، فإنها سوف تحاول قبل ذلك أن تؤكد قوتها. ومن ثم فإن شن هجوم جديد على الشرق الأوسط لن يكون فقط ممكنا، لكنه سيكون مرجحاً.
إن الحرب الإسرائيلية على لبنان كانت من وجهة نظر الإدارة الأمريكية انعطافة استهدفت تسهيل إهانة إيران. لكن الانعطافة تحولت إلى طريق مسدود. والآن، سوف تتجه غرائز إدارة بوش إلى السير في الطريق الرئيسي للقيام بهجوم من نوع ما ضد إيران. لكن مشكلتها هي أن ذلك الطريق وعر ومليء بالحفر العميقة التي يمكن أن تأخذ هذه المحاولات إلى الهاوية – وهذه الحفر العميقة هي سيطرة الشيعة على جنوب العراق، والثقة والقوة المتزايدة لحلفاء إيران في لبنان، والتعاطف الجارف عبر العالم الإسلامي تجاه أولئك الحلفاء باعتبارهم القوة الوحيدة خلال 58 سنة التي استطاعت ضرب الجيش الإسرائيلي.

ويحذر المعهد الملكي للشئون الدولية من أنه: “هناك إمكانية حقيقية جداً لأنه في حالة قيام الولايات المتحدة بالهجوم على إيران، فإن الأخيرة سوف تلحق بها هزيمة ساحقة في العراق، وستشعل الحرب على الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط بأكملها. وحتى الآن، فإن القوى متعددة الجنسية في العراق تكافح من أجل التأثير على التطورات السياسية في منطقة جنوب ووسط الفرات، مناطق الأغلبية الشيعية، بينما لا يزال تمرد العرب السنة يحظى بوجود قاتل يوقع الخسائر الكارثية في صفوف قوات الأمن العراقية الوليدة وداعميها من الأمريكيين. ويمكن أن يصبح هذا الوضع أكثر خطورة في حالة التدخل الإيراني، إلى الحد الذي يجبر التحالف على الرحيل عن العراق، تاركا أيران لا باعتبارها القوة المهيمنة التي لا يمكن إنكارها في العراق فحسب، ولكن أيضاً باعتبارها العنصر المسيطر في الخليج بلا منازع.” (81)

إن ما نشهده الآن هو إزمة حادة بالنسبة للإمبريالية الأمريكية التي تواجه خيارين كلاهما مر، الأول هو الانسحاب في ظل المأزقين العراقي واللبناني، ولكن ذلك يعني الإقرار بأن التوجه نحو الحرب “بلا نهاية” من أجل الهيمنة الأمريكية التي لا ينازعها أحد قد فشل. ويترتب على ذلك تحمل العواقب المرتبطة بخسارة نفوذ المحافظين الجدد في الداخل، وعجز الولايات المتحدة عن أن تمد نفوذها إلى الخارج. والخيار الثاني هو الرهان بقوة على شن هجوم على إيران، أو على الأقل، شن إسرائيل هجوم آخر على لبنان. ورغم المخاطر الكبيرة لهذا الطريق، إلا أنه يبقى الطريق المرجح أن تسير فيه الولايات المتحدة.

إن الحيوان الجريج هو حيوان خطير، وربما من الممكن أنه قبل أن يقرأ الناس هذه السطور، نكون قد أصبحنا أمام حرب جديدة على نطاق أكبر في لبنان، أو أمام هجوم أمريكي على إيران. كما أن هناك أيضاً احتمالات قائمة لأن تحاول القوات الفرنسية والإيطالية في لبنان نزع سلاح حزب الله بفعل الضغط الإسرائيلي.

أكدت حرب الـ33 يوماً على الطبيعة التي لا يمكن التنبؤ بها لـ”الحرب بلا نهاية” لبوش، وعلى الطريقة التي يمكن أن تُولّد من خلالها تلك الحرب انفجارات مما يؤدي إلى إلقاء دول بأكملها في أتون الأزمة، وإلى تغيير أفكار الشعوب في المناطق الأخرى. وتلك ليست هي المرة الأولى التي سيحدث فيها ذلك، ولن تكون الأخيرة. كما أنها لن تكون المرة الأخيرة التي نرى فيها مقاومة كاسحة – مقاومة تستطيع أن تهز الحركات العميلة للإمبريالية في الشرق الأوسط وتدفع حركة مناهضة الرأسمالية في البلدان الرأسمالية الكبرى إلى الأمام.

« السابق التالي »