بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

انتصار المقاومة اللبنانية وتحديات المستقبل

« السابق التالي »

2- ما وراء انتصار حزب الله

كان هناك سببين أساسيين للانتصار الإسرائيلي السهل في الحروب السابقة، بجانب التفوق العام للقوات الإسرائيلية (بفعل المساعدات الأمريكية الضخمة منذ بداية الخمسينات) (7):

السبب الأول أن جنود الجيش الإسرائيلي كانوا أكثر ولاءً من أعدائهم العرب. فقد استولوا على الأرض المملوكة لشعب آخر، وكانوا مقتنعين أنه ليس أمامهم خيار سوى القتال للاحتفاظ بهذه الأرض. ولهذا الحد كانوا يتمتعون ببعض صفات جيش المواطنين أو الجيش الشعبي، بالرغم من وضعهم المتميز في مقابل وضع العرب. وعلى العكس من ذلك، فإن جيوش الدول العربية كانت تتألف من جماعتين ليست لديهم مصلحة كبيرة في القتال بجدية، كما أشار توني كليف وقت حرب 1967. (8) فقد كانت فئة الضباط ترغب في الحفاظ على وضعها الاجتماعي المتميز في بلادها أكثر من تقديم تضحيات لأجل الفلسطينيين. ولم يكن متوقعاً من المجندين الفلاحين أن يقاتلوا حتى الموت دفاعاً عن حق الفلسطينيين في الأرض في الوقت الذي لا يتمتعون هم أنفسهم بهذا الحق في بلادهم.

أما السبب الثاني فكان أن الجيش الإسرائيلي، المكون أساساً من المتعلمين الذين استوطنوا الأرض، أكثر مهارة في استخدام الأسلحة الحديثة من الجيوش العربية التي تتكون أساساُ من المجندين الفلاحين ذوي التعليم المتواضع.
غير أن الأمور كانت مختلفة على الجانبين في حرب هذا الصيف. فحزب الله لم يجري تشيكله بواسطة حكومة قائمة، ولم يمثل ضباطه فئة متميزة تهتم في المقام الأول بتعزيز وضعها الاجتماعي. على العكس، تم تشكيل حزب الله من أسفل، بواسطة إناس يرغبون في القيام برد فعل على خبرات القهر الذي تعرضوا له من قبل مجموعات أخرى في المجتمع اللبناني، وعلى الاحتلال العسكري من جانب القوات الإسرائيلية في 1982 وما بعدها. لقد انصهر الحزب خلال نضالات إناس يدركون أنهم يقاتلون من أجل الاحتفاظ بما لديهم، مهما كان قليلاً في بعض الحالات.

وفي نفس الوقت، فإن التقدم البطيء للتعليم خلال العقود السابقة كان يعني أن الجامعات العربية تخرج آلافا من الأفراد كل عام، مزودين بمهارات تقنية تمكنهم من التعامل مع الأسلحة المعقدة. وكما يشير كتاب ألفه عضو في حزب الله: “مع الوجود المتصاعد لأعضاء متعلمين ومثقفين، أصبح في الإمكان الاستفادة من الحاسبات الآلية الحديثة، ووسائل الاتصال، وتقنيات هندسية عديدة.” (9)

وقد مكّن ذلك حزب الله من دمج ميليشيات لديها اللامركزية المرنة، مع التعقيد الذي تتسم به الجيوش القومية القادرة على استخدام سلاح مثل صاروخ ج-802 نور، المضاد للسفن الحربية، والموجه بواسطة الردار (وهو تطوير إيراني لصاروخ “سيلك وورم” ج-802 الصيني)، وهو الصاروخ الذي قام بضرب بارجة إسرائيلية في 14 يوليو. (10)

وبينما انبثقت أخيراً قوة عربية تتمتع بهذه السمات، فقد فقد الجيش الإسرائيلي بعضاً من عوامل القوة التي كان يحظى بها في الماضي. فمجتمع المستوطنين الأوائل، الذي كان ملتزماً بخلق مجتمع جديد في أرض مملوكة لشعب آخر، قد اختفى ليحل محله مجتمع غالبيته من الجيلين الثاني والثالث الذين لم يختبروا على مدى أربعة عقود أي شعور بالتهديد إزاء الرفاهية التي يعيشون في ظلها. فقد جاء المستوطنون الجدد (مثل المليون روسي الذين توجد شكوك حول إدعاءات الكثير منهم بأنهم يهود(11)) للاستمتاع بمزايا هذا المجتمع المستقر، لا للقتال من أجل بنائه. وقد تم تجنيدهم بهدف المشاركة في احتلال الضفة الغربية لا بهدف المشاركة في قتال حقيقي، لكن ذلك كان يعني قصف المدنيين من نقاط محصنة آمنة ودبابات مسلحة بكثافة.

ويطرح الوزير الإسرائيلي السابق يوسي ساريد أن: “قوات الدفاع الإسرائيلية لم تكن مستعدة جيداً لتلك الحرب الجديدة في لبنان.. وبدلا من أن يجري توظيف وإعداد قوات الدفاع الإسرائيلية بصفتها جيشاً، فقد كانت تنتشر وتعمل كما لو كانت حامية أجنبية تشبه قوات الشرطة.. قيل لصغار الجنود والضباط خلال سنوات الانتفاضة أنهم كانوا يخوضون حرباً.. لكن أي تشابه بين القتال في تلك الأراضي وبين الحرب يبدو مبهماً على أفضل تقدير.. محاولات إخافة إرهابيين مطلوبين عبر حصار منزل– هذه ليست حرباً، الاغتيالات المخططة– هذه ليست حرباً، حتى محاصرة مقر ياسر عرفات في رام الله لم يكن حملة عسكرية يمكن أن تشير إليها الكتب. تقريبا كل ما حدث في الأراضي المحتلة منذ اليوم الذي احتلتها فيه قوات الدفاع الإسرائيلية، كان شكلاً من أشكال الحرب الفاخرة.” (12)

كانت نتيجة ذلك أنه عقب الفشل في إخضاع حزب الله عبر إثارة الترويع باستخدام القصف الجوي للأهداف المدنية، توجهت القوات الإسرائيلية مصحوبة بالدبابات إلى داخل الأراضي اللبنانية – ووجد الجنود الإسرائيليون أنفسهم أهدافاً لمدافع حزب الله المضادة للدبابات. وبينما عملت إسرائيل في أيام الحرب الأولى مع كل من الولايات المتحدة وبريطانيا لتجنب صدور قرار من الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار مهما كان الثمن، فقد انتهى الأمر بها عقب مرور شهر إلى التلهف للخلاص عبر الاتفاق الفرنسي ـ الأمريكي للدفع من أجل صدور القرار 1701، الذي يعد بنشر قوة دولية لمحاولة القيام بما فشلت إسرائيل في القيام به – أي وقف أنشطة حزب الله بين الحدود الإسرائيلية ونهر الليطاني.

« السابق التالي »