بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

انتصار المقاومة اللبنانية وتحديات المستقبل

« السابق التالي »

3- أسباب نجاح حزب الله

يشرح تقييم أحد أعضاء حزب الله لنجاحه الساحق مقارنة بالمقاومة العربية السابقة لإسرائيل ارتكازاً على عاملين أساسيين: “إيمان المقاتلين بالقضية (13)، والإصرار داخل حزب الله على عدم الوقوع في مصيدة الخضوع لسياسات الأنظمة الحاكمة.” (14)

لكن المسألة ليست فقط أن الجيوش العربية فشلت في مقاومة العدوان الإسرائيلي في السابق لأنها تدار بواسطة الحكومات، بل أيضا أن الحكومات وجيوشها عكست الطبيعة الطبقية لهذه المجتمعات. فالجيوش التي حاربت وفشلت في 1948 كانت تنتمي لأنظمة تمثل مصالح طبقات ملاك الأرض الإقطاعيين القدامى، وكانت مفروضة من جانب القوى الاستعمارية الغربية – وكان أكثر الجيوش كفاءة، وهو الجيش الأردني، يتلقى الأوامر من الضباط البريطانيين. وترتب على المصالح المتعارضة للطبقات الحاكمة المختلفة أنه لم يكن هناك تنسيق استراتيجي أو عسكري، ومن ثم كانت الحرب بمثابة تكالب بين هذه الدول للاستيلاء على أراض فلسطينية لأنفسهم بدعوى المعركة مع الإسرائيليين.

بحلول حرب 1967 كانت الحركات الثورية والانقلابات العسكرية قد جاءت بنظم بديلة كانت منتمية قولاً للقومية العربية، مع الحديث عن دولة عربية موحدة “من المحيط الأطلنطي إلى الخليج” تقف إلى جانب مصالح جماهير السكان. وكانت هناك إصلاحات ملموسة، في ظل الإطاحة بالإقطاعيات الكبرى وتأميم معظم المنشآت الصناعية. لكن تلك الإصلاحات كانت في مصلحة الطبقة التي جاء منها الضباط – قسم من الطبقة الوسطى أراد الصعود إلى أعلى مستخدما الدولة لتعزيز مصالحه. وقد ظهر ذلك من خلال سلوك معظم فرق الضباط، حيث لم يوجد انتماء عال أو شجاعة أو كفاءة تزيد عما كان موجودا في عام 1948. وبالرغم من الكثير من الرطان حول “الأمة العربية”، فقد كانت الأولوية بالنسبة لهؤلاء هي مصالحهم الذاتية، والتي كان من الممكن تعزيزها في بلادهم، لا عبر النضال ضد إسرائيل على أساس من الوحدة والتعاون.

عكس هذا الوضع نفسه في القصور الاستراتيجي والتكتيكي، وعدم الرغبة في مجابهة الجيش الإسرائيلي بأسلوب حرب العصابات الذي كان ربما سيحطم المصالح المادية التي يتمتع بها هؤلاء الضباط.

أشار توني كليف عقب هزيمة 1967 مباشرة إلى التعارض بين الأساليب الكارثية التي اتبعها أهم النظم القومية العربية، وهو نظام عبد الناصر في مصر، وبين تلك المستخدمة بواسطة جبهة التحرير الوطنية في فيتنام ضد الولايات المتحدة: “تكمن قوة أية حركة ضد الإمبريالية في تعبئة جماهير العمال والفلاحين، في نشاطهم الذاتي، من جهة، والاختيار الصحيح للحلقة الأضعف في السلسلة الإمبريالية من جهة أخرى. ومن ثم فقد كانت جبهة التحرير الوطنية في فيتنام محقة تماماً في الاعتماد على الجيوش والميليشيات الجماهيرية، والتحرش بالجيش الأمريكي وتوابعه. ومن ثم فإن القوة الكامنة للحركات العربية ضد الإمبريالية تتمثل في جماهير العمال والفلاحين. ومن المفروض أن تكون المواقع المستهدفة هي حقول وخطوط ومصافي النفط. يجب أن يقوم الفلاحون بإصلاح زراعي ثوري، مما يخلق القاعدة لحرب العصابات. غير أن المواجهة العسكرية التي قام بها عبد الناصر ضد إسرائيل كانت متعارضة كلية مع السياسات والتكتيكات التي اتبعها جيش التحرير الوطني في فيتنام.” (15)

وباعتبار الأنظمة الوطنية العربية أنظمة طبقية ترتبط بالرأسمالية، فإنها لم تكن قادرة على القيام بنوع الحرب المطلوب لهزيمة إسرائيل وداعميها الإمبرياليين. وبمجرد أن فشلت تلك الأنظمة للمرة الثالثة، في حرب أكتوبر 1973، في إلحاق هزيمة بإسرائيل، رغم بعض النجاح الذي تحقق في بداية الحرب، فقد امتثلت للأمر الواقع وقام الواحد منها تلو الآخر بعقد صفقات مع الإمبريالية. حتى خلفاء عبد الناصر في مصر عقدوا صفقة مع إسرائيل.

غير أن سجل حزب الله كان مختلفاً، ليس لأن الحزب ليس دولة، لكن لأنه جرى تنظيمه بفعل منظمة قامت على النضال من أسفل.

ظل الشيعة على مدى التاريخ القطاع الأكثر تعرضاً للقهر بين سكان لبنان. لم يكن ذلك يعني أن جميع الشيعة هم من العمال والفلاحين، فقد كان هناك عدد قليل من العائلات الشيعية الثرية وشريحة من التجار ومهنيي الطبقة الوسطى. لكن قسما أكبر بكثير من الشيعة كان ينتمي إلى الطبقات الدنيا، أكثر مما كان الحال عند الطوائف الدينية الأخرى في لبنان – فقد كان الشيعة “ممثلين بين الطبقات العاملة في القطاعات الزراعية والصناعية المتأخرة بأكثر من نسبتهم للسكان.” (16) حتى الطبقات الوسطى كانت مضغوطة بواسطة بنية الدولة الموروثة عن الإمبريالية الفرنسية، التي قسمت السلطة السياسية بين قادة المسيحيين المورانة والمسلمين السنة والدورز. وفي وقت الاستقلال عن فرنسا، كان 40% من المناصب العليا في الحكومة من نصيب الموارنة، و27% من نصيب السنة و3.2% فقط من نصيب الشيعة، (17) واستمرت هذه التفرقة كما هي بشكل أساسي، ولكن بنسب أقل سفوراً، إلى أن تم توقيع اتفاق الطائف عام 1989 الذي وضع نهاية للحرب الأهلية اللبنانية.

وقف عاملان وراء صعود حزب الله، أولهما طريقة مجيء رجال الدين الشيعة إلى سدة الحكم في إيران عبر ثورة 1979. فقد كانت لدى بعض رجال الدين الشيعة في لبنان صلات وثيقة، تعليمية وعائلية، برجال الدين المنتصرين في إيران، ومن ثم فقد استلهموا أيديولوجيتهم بشأن تجاوز القهر والفقر عن طريق إقامة “المجتمع الإسلامي” الذي وحد الفقراء والأغنياء، واضعاً نهاية للطمع والتفتت الناتجين عن “التأثيرات الغربية”. فقد أراد هؤلاء تحقيق التغيير عن طريق الجمع بين الوعظ الديني وإقامة حركة اجتماعية سياسية تكون مهمتها الأساسية تخفيف حدة الفقر، خاصة في جنوب لبنان والبقاع الشرقي و”دوائر البؤس حول بيروت”. (18)

وكان العامل الثاني هو الغزو الإسرائيلي للبنان في 1978 و1982، الذي استهدف سحق الفلسطينيين. فسرعان ما أصبح واضحاً أن سكان الأقاليم، وخاصة الشيعة، كانوا هم من يتحملون وطأة وجود الاحتلال الإسرائيلي. وبدأ رجال الشيعة الراديكاليون العمل في وادي البقاع مع فصيلة كبيرة من الحرس الثوري الإيراني من أجل خلق منظمة حرب عصابات قادرة على إشعال المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي. ولم يكن التدريب عسكرياً فحسب، ولكنه حوى مضموناً دينياً رفيعاً استهدف خلق ولاء كبير نحو النضال. وكما تشير إحدى الروايات: “كان على مقاتلي حزب الله أن يخوضوا الجهاد الأكبر، وهو التحول الديني الروحي، من أجل النجاح في الجهاد الأصغر، وهو الكفاح المسلح الذي يتطلب الشهادة. وعبر تغلب مقاتلي حزب الله على رغباتهم الشخصية والدنيوية، بقبول فضيلة الشهادة، استطاعوا إثارة خوف وقلق أعدائهم.” (19)

أعتُبرت الرغبة في قبول الشهادة مسألة أساسية في النضال – حيث أن ميزان القوى المختل نتيجة تفوق الإسرائيليين الكبير فيما يتعلق بالتسلح، يمكن فقط تعويضه عن طريق الشهادة. (20) وكان الإيمان الديني شديد العمق للشيعة ضرورة لترسيخ الإطار العقلي المطلوب. غير أن العمليات الانتحارية لم تكن على الإطلاق وسيلة النضال الأساسية.
“كانت الأولوية للوسائل التي لا تحتم الشهادة.. تم تسجيل فقط 12 عملية تفجير بسيارات ملغومة”، وكانت الشهادة تأتي في معظم الأحيان خلال عمليات غير نموذجية كان الموت فيها النتيجة المتوقعة. (21)

وكان العنصر الأساسي في استراتيجية حزب الله ضد الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان منذ 1982 حتى 2000 هو ضرب العدو من حيث لا يتوقع، وعدم الانخراط في معارك يُفترض أنها بطولية، ولكنها في حقيقتها كارثية وتتم بشروط العدو. وبهذه الطريقة فقد نما عدد العمليات من 100 عملية في 1985-1989، إلى 1030 في 1990-1995 إلى 4928 في 1996-2000، (22) حينما انسحبت القوات الإسرائيلية في النهاية بفعل الفوضى التي وقعت فيها مما أعطى دفعة قوية لشعبية حزب الله. وتقول المصادر أنه منذ ثلاثة سنوات كان حزب الله لديه “20 ألف مقاتل و5 آلاف رجل أمن.” (23)
وبلغت شعبية حزب الله الحد الذي جعل رجالاً من غير الشيعة يرغبون في الانضمام إلى أنشطة المقاومة. فأقام الحزب وحدات حرب عصابات خاصة لهؤلاء – وذلك رغم أن حزب الله كان يضمن أن السيطرة الأساسية كانت في أيدي “الأتقياء”. ووفقاً لما يقوله أحد قيادات الحزب، فإن تيار حزب الله الإسلامي يشمل عناصر سنية تقوم بتنسيق أنشطتها مع حزب الله، إضافة إلى كتائب المقاومة اللبنانية التي تتضمن إسلاميين وغير إسلاميين. (24) وخلال حرب الثلاثة وثلاثين يوماً، قام أيضا بتنسيق أنشطته مع جماعات مقاومة مستقلة، على سبيل المثال تلك التابعة للحزب الشيوعي اللبناني.

إذا كان حزب الله لم يكن في البداية مجرد مؤسسة عسكرية، فإنه الآن بعيد جداً عن كونه كذلك. فقد توسعت بشدة شبكة الرفاهة التابعة له، من عيادات ومستشفيات ومدارس ومنح دراسية، إلى أن أصبحت بعض التقديرات تشير إلى أن هذه الشبكة أكبر من تلك التي تمتلكها الدولة اللبنانية في الضواحي الجنوبية لبيروت ووادي البقاع والجنوب اللبناني. (25) وعلى سبيل المثال، يقال أن الوحدات الطبية التابعة لحزب الله تتعامل مع نصف مليون شخص كل عام. ومن أجل الحصول على مزيد من الدعم الشعبي، توسع حزب الله في تقديم الخدمة الطبية، فلم تعد مقتصرة على الشيعة، بل أصبحت تقدم لبعض السنة والمسيحيين والدروز في المناطق التي بها وجود للحزب.

ويدير حزب الله قناة تليفزيونية كاملة التجهيز، هي قناة المنار، التي “بها جو مؤسسي يعمل به مئات العاملين”، (26) ولديه وحدة نقابية بها ممثلين داخل اتحاد العمال اللبناني، واتحاد المزارعين اللبنانيين، ورابطة أعضاء هيئة التدريس الجامعي اللبنانية، ونقابة المهندسين، ورابطة طلبة الجامعات اللبنانية. (27)

وتفسر هذه الشبكة من الأنشطة والمنظمات الجماهيرية درجة التأييد الشعبي الذي بناه الحزب والذي مكنه من الصمود في مواجهة مدافع الدبابات الإسرائيلية. وقد مكنت هذه الشبكة حزب الله أيضاً من الدخول إلى قلب المؤسسة اللبنانية الشعبية، والتأثير في السلطات المحلية وأعضاء البرلمان والحكومة – حتى أنه منذ العام الماضي، وحزب الله لديه وزيران في الحكومة.

غير أن ذلك ورّط الحزب في نوعين مختلفين من التنازلات. يتعلق الأول بالأساس الديني لحزب الله. فالشيعة هم أقلية في المجتمع اللبناني، رغم أنهم الآن أكبر أقلية. كما أنه توجد قوى سياسية شيعية أخرى بجانب حزب الله. ومن أجل تعزيز نفوذ منظمة حزب الله في ظل هذا الوضع – ومن أجل عدم إغراق البلاد في حرب طائفية أخرى – تخلت قيادة حزب الله عن هدف إقامة دولة إسلامية شيعية، وهو الهدف الذي نشأ حزب الله على أساسه بتأثير من الخميني. (28)
ويعتبر مؤرخ المنظمة، نعيم قاسم، أن القرآن يرفض الإكراه في الدين، ومن ثم فإنه يطرح أن: “خلق دولة إسلامية ليس وظيفة تتبناها مجموعة أو فريق واحد وتفرضها على الآخرين.” ويضيف أن حزب الله يدعو إلى: “تطبيق النظام الإسلامي المبني على الاختيار المباشر والحر من قبل الشعب، لا على الفرض بالقوة…”، و”أننا نؤمن بأن خبرتنا السياسية في لبنان قد قدمت نمطاً متناغماً مع الرؤية الإسلامية داخل مجتمع مختلط – بلد لا تتبع نمط تفكير أسلامي.” (29) وفي الانتخابات المحلية، شدد حزب الله على القضايا الاقتصادية والاجتماعية و”قدم مرشحيه على أسس غير طائفية، مؤكداً على الأمانة والجدية في العمل المتعلق بالمحليات.” (30)

ولا يعني ذلك أن حزب الله قد حوّل نفسه إلى منظمة لبيرالية تقوم على حرية الفكر. ففي الماضي، استخدم الحزب السلاح في التعامل مع معارضيه. ففي بداية الثمانينات استخدمه ضد بعض مقاتلي المقاومة من الشيوعيين وضد حركة أمل المناوئة له – رغم أن العديد من النشطين الشيوعيين انضموا له بعد ذلك بوقت قصير. والآن هو يتعاون مع كل من الحزب الشيوعي وحركة أمل. ولايزال قادة حزب الله ملتزمين بالتصور الديني ويفعلون ما بوسعهم من أجل أن تحوز مفاهيمهم (مثل حجاب النساء) القبول في المناطق التي يسيطرون عليها. ويسعون إلى إدارة تلك المناطق مستخدمين تصورهم حول الشريعة (والتي تشدد على دور القضاة المسلمين في التوسط في النزاعات من أجل كسر التقليد المتعلق بالثأر بين العائلات). (31) لكن حقيقة أن قادة حزب الله تعاونوا مع القوى غير الشيعية وحتى غير الدينية من أجل مواجهة الولايات المتحدة “الشيطان الأكبر” وإسرائيل “الشيطان الأصغر”، هي أمر يتناقض مع الموقف الديني المحدود الذي تبنوه في البداية، والذي كان أحد العوامل المتسببة في الانشقاقات التي حدثت داخل قيادة حزب الله. (32) وسوف يتعاظم هذا التناقض طالما تتنامى المقاومة غير الشيعية وغير الإسلامية للإمبريالية على الصعيد العالمي.

غير أن هذا التناقض متداخل مع تنازل من نوع مختلف – تجاه الدولة اللبنانية والأحزاب السياسية اللبنانية الأخرى، بما فيها تلك المتحالفة مع الإمبريالية والدول العربية الأخرى.

يرتكز النظام السياسي اللبناني على صفقات يقوم خلالها القادة السياسيون لكل طائفة بعمل مساومات مع القادة السياسيين للطوائف الأخرى من أجل الحصول على قدر كاف من رعاية الدولة يمكنهم من الاحتفاظ بتأييد أتباعهم. وفي وجود مثل هذا النظام، يمكن حدوث نزاعات عديدة بين الأحزاب المختلفة، بما فيها النزاعات المسلحة، دون أن يؤدي ذلك إلى وضع الأسس الاجتماعية والاقتصادية للنظام موضع تساؤل. وبعد أن أدان حزب الله هذا النظام عند بداية نشأته، اختار بعد ذلك أن يكون جزءا منه. وتضمن ذلك اتفاقات انتخابية ليس فقط مع اليسار المضاد للإمبريالية، ولكن أيضا مع اليمين الموالي لها. وفي الانتخابات، دخل في قوائم مشتركة مع الحزب الشيوعي في النبطية وصور، ولكن في بيروت، شارك في قائمة سعد الحريري، الملياردير المرتبط بالسعودية، ابن رئيس الوزراء الأسبق الذي أغتيل، رفيق الحريري. وبرر حزب الله هذه الصفقة مع الأعداء السياسيين والأيديولوجيين بأنها لأجل: “الحفاظ على توازن طائفي”. (33) وكانت الصفقة الأحدث هي تلك التي عقدها الحزب مع ميشيل عون، الجنرال الماروني ورئيس الوزراء في المرحلة الأخيرة من الحرب الأهلية.

وتم الزعم بأن مثل هذه الصفقات حمت حزب الله قليلاً خلال المواجهة مع إسرائيل. فقد قام ميشيل عون، من أجل رفع أسهمه فيما يتعلق بطموحاته بتقلد منصب الرئاسة بعد أن قضى خمسة عشر عاماً في المنفى، بتقديم بعض الدعم لحزب الله. فعلى سبيل المثال، نظم مسألة استضافة آلاف اللاجئين في القرى المسيحية في جبل لبنان.

لكن كتلة الحريري الموالية للغرب، والتي تسيطر على الحكومة، راهنت على أن إسرائيل سوف تسحق حزب الله، مما يسمح لها بالسيطرة على جنوب لبنان. (34) وجاءت الحماية الأساسية لحزب الله من قاعدته الاجتماعية الواسعة وقدراته القتالية – والتي لو كانت قد أصابها الوهن في أية لحظة، لكان معظم هؤلاء “الحلفاء” قد وضعوا الخنجر في ظهر الحزب من أجل مصلحة أصدقائهم في واشنطن أو باريس أو الرياض. إن ما تفعله هذه الصفقات في الحقيقة هو تقييد قدرة حزب الله على الفعل.

اعتاد حزب الله التصويت بالرفض لموازنات رفيق الحريري، لأن الحريري كان يعتبر الحكومة اللبنانية بمثابة “مجلس إدارة” يتعامل من خلاله لإدارة البلاد كما لو كانت واحدة من شركاته. (35) وعندما شارك حزب الله في الحكومة بعد ذلك، اختار قبول هذا الأسلوب في إدارة الأمور. وبالقطع هذا يضعف قدرته على تحقيق تقدم على صعيد أحوال الفقراء، وهو الأمر الذي بنى على أساسه شعبيته، وهو يضعف أيضا قدرته على تقليص النفوذ الذي يحظى به العديد من السياسيين الطائفيين على أتباعهم. ربما يكون حزب الله على استعداد لتقديم بعض خدمات الرفاهة خلال الشبكات الخيرية التابعة له، ولكنها لا يجب أن تكون بديلاً لأنواع الخدمات التي يجب ويمكن أن تقدمها الدولة في حالة عدم وقوعها في شراك الرأسمالية الليبرالية الجديدة.

من ناحية أخرى، تقيّد مثل هذه الصفقات من قدرة حزب الله على خوض النضال ضد الإمبريالية والرأسمالية بالطريقة التي قد يرغب فيها. ففي المراحل النهائية لحرب الـ33 يوماً، كانت هناك ضغوط على حزب الله لتوقيع اتفاق الهدنة النهائي، وهو ما رضخ له فعلاً. لكن ذلك ترك القوات الإسرائيلية في لبنان، وترك الحصار الإسرائيلي على لبنان كما هو، وسمح بأن تدخل لبنان قوات فرنسية، حتى بالرغم من كون الحكومة الفرنسية اتفقت مع الولايات المتحدة على أنه يجب نزع سلاح حزب الله. على أن حسن نصر الله زعيم حزب الله شرح أن الأمر من وجهة نظره هو كالتالي: “نحن نواجه النتائج الطبيعية المعقولة والممكنة للصمود العظيم الذي عبر عنه اللبنانيين باختلاف مواقعهم.” (36)

مثل آخر: كانت الحكومة اللبنانية الموالية لأمريكا تواجه “خطر الانهيار” عندما تحطمت آمالها في تحقيق إسرائيل لانتصار سريع. لكن ما حافظ عليها هو حزب الله ذاته. ذلك أن الحزب لا يمكنه أن يرى أن هناك بديل عن “الإجماع الواسع”. والمفارقة أنه بالرغم من ذلك، وبعد انتصار حزب الله، “سعت حكومة السنيورة سعياً حثيثاً إلى تعطيل عمليات إعادة الإعمار في الوقت الذي كانت تقبل فيه الأموال الأمريكية.. كان المثال الأخير على ذلك هو الرفض الحكومي لتقديم مساعدات نقدية لأولئك الذين حُرموا من وظائفهم بسبب الحرب – وهو الإجراء الذي طالب به وزير العمل، عضو حزب الله في الحكومة.”(37)

غير أن ما نحن يصدده ليس فقط التنازلات على الصعيد الداخلي. فقد اعتمد حزب الله طويلاً على تحالفه مع سوريا.
يطرح نعيم قاسم، عاكساً الرؤية الرسمية لحزب الله: “أنه أمر طبيعي أن تتطابق وجهات نظر حزب الله مع تلك التي تتبناها سوريا لأن لا أحد في مأمن من المطامح الإسرائيلية”، ومن الطبيعي أن يعتقد الحزب في وجود “علاقات سورية إيرانية استراتيجية” منذ الثورة الإسلامية في إيران، وأن “وجود علاقة مع سوريا” هو “حجر الزاوية لأجل مواجهة الالتزامات الإقليمية الكبرى”. (38)

غير أن النظام السوري بالتأكيد لا تحركه مبادئ العداء للإمبريالية – ولا حتى العداء للصهيونية. فقد عمل طائعاً مختاراً على مساعدة الولايات المتحدة خلال الحرب الأمريكية الأولى ضد العراق. وقبل ذلك، في عام 1976، تدخل النظام السوري في لبنان من أجل إجهاض تحالف اليسار والفلسطينيين الذي حقق نجاحاً في المرحلة الأولى من الحرب الأهلية اللبنانية. وبعد ذلك، في منتصف الثمانينيات، اتبع سياسة تمنع الفلسطينيين من إعادة بناء قواعد عسكرية في جنوب لبنان. ويقر قاسم بأن “سوريا ذبحت 27 [عضواً من حزب الله] عندما دخلت بيروت لوقف الحرب الأهلية عام 1987.” (39) ولعل السر الذي يعرفه الجميع هو أن سوريا على استعداد لعقد صفقة مع إسرائيل (والولايات المتحدة) غداً، إذا كانت ستستعيد بموجبها مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967.

غير أن حزب الله لا يتطلع إلى سوريا فقط. إذ يصر قاسم على أنه لا يوجد أي نظام عربي يستحق أن تتم الإطاحة به، حتى تلك الأنظمة التي قدمت تنازلات للإمبريالية والصهيونية. “فعلى هذه النظم القيام بتغييرات جدية بهدف تحقيق المصالحة مع شعوبهم” (40)، و”تحتاج القوى الاجتماعية أن تعمل بحرص وتساهم في حدوث تحولات إيجابية عبر الوسائل السياسية، بعيداً عن الصراع المسلح. (41) “لكن “من يرفع شعار أن تحرير الأنظمة العربية هو شرط مسبق لتحرير فلسطين يسير في الطريق الخطأ ويعقد مسألة التحرير.” (42)

وبالتناغم مع هذه الرؤية “رحب حزب الله بالتدخل القطري في جنوب لبنان. فقد تم اعطاء القطريين، بالرغم من علاقاتهم الوثيقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ضوءا أخضر لإعادة إعمار الجنوب. وسوف يحدث ذلك في مقابل ثمن سياسي. هذا ولم تدن صفوف الحزب أو صفوف المقربين منه – سوى بشكل محدود – كل من مصر والأردن والمملكة العربية السعودية. (43)

« السابق التالي »