بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

انتصار المقاومة اللبنانية وتحديات المستقبل

« السابق التالي »

4- درس من الماضي

لم يستطع أي جيش عربي تحقيق ما قام به حزب الله خلال حرب الـ33 يوماً. لكنها ليست المرة الأولى التي تظهر خلالها قوة حرب عصابات تبدو على استعداد للقتال بشكل لا تستطيع أن تقوم به دولة عربية. فقد انبثقت حركة شبيهة في هيئة “منظمة التحرير الفلسطينية” عقب هزيمة 1967، (44) التي لم يتطلع إليها الفلسطينيون فقط باعتبارها قطبا للجذب بعد فشل الأنظمة العربية القديمة والجديدة، بل أيضا نشطاء من مختلف أرجاء الشرق الأوسط. مثلا، كتب طالب فلسطيني كان يحمل إسم ابراهيم علي في مجلة “إنترناشيونال سوشياليزم” في أوائل عام 1969: “إن حرب يونيو، التي فضحت وجود حالة مؤكدة من الفساد والإفلاس لهذه الأنظمة، أجبرت الفلسطينيين على إعادة تقييم موقفهم تجاه تلك الدول.. وقد عبر ذلك عن نفسه من خلال الدعم الشعبي الجارف لمنظمات حرب العصابات، التي تعمل باستقلال عن الحكومات العربية.” (45)

كانت فتح قادرة على استيعاب هذه المشاعر، وقد تولت قيادة الحركة الفلسطينية عبر تحقيق نصر ذو شأن على إسرائيل في مارس 1968، عقب مرور تسعة أشهر فقط على هزيمة 1967. فقد قام الإسرائيليون بهجوم كبير على قرية الكرامة الأردنية، والتي كان بها مقر حركة فتح. واستطاعت المقاومة الصمود في مواجهة الهجوم الإسرائيلي لوقت كاف مما أدى إلى جر الجيش الأردني إلى المعركة، ومن ثم إلى مصرع 28 إسرائيلياً وإصابة 80 أخرين، وخسارة أربعة دبابات. (46)

لكن ثبت أن معركة الكرامة كانت عملاً غير مثمر. فقد اعتمد النصر على تقدم الإسرائيليين في منطقة كان الفلسطينيون فيها مسلحين بالفعل وعلى مشاركة الجيش الأردني. لكن المعركة لم تقدم منهجاً قادراً على تحدى الجيش الإسرائيلي في فلسطين نفسها عبر الأردن. وكما يلاحظ إبراهيم على عن حق: “هجمات قوات العصابات.. لم تكن مصحوبة بإقامة قواعد لحرب العصابات في المناطق التي تحتلها إسرائيل. ولا يمكن تفسير ذلك فقط بيقظة الإسرائيليين وعملياتهم الانتقامية الواسعة. فمعظم الموظفين الحكوميين في الضفة الغربية يتلقون راتبين – من الأردنيين والإسرائيليين. كما أن التهريب التجاري بين الشرق والضفة الغربية استمر بينما كانت الطائرات الإسرائيلية تقصف القرى العربية بالنابالم. يستخدم الإسرائليون سياسة ذات حدين، الردود الساحقة من جهة والتنازلات من جهة أخرى. ولم تضع أي من منظمات حرب العصابات برنامجاً، رغم أنها كلها تدعو إلى الكفاح المسلح من أجل إقامة فلسطين ديمقراطية لا صهيونية ذات قوميتين.” (47)

ولم يكن هناك سوى طريق واحد كي تحوّل منظمات حرب العصابات الفلسطينية ميزان القوى لصالحها جذرياً، وهو المساعدة في تحقيق تغيير ثوري في أي من الدول العربية على الحدود مع إسرائيل. وكانت هناك إمكانيات قوية في هذا الاتجاه خاصة في الأردن. فقط كانت المملكة في حالة اضطراب متزايد، حيث فقد جيشها نصف أراضيه لصالح إسرائيل (كانت الضفة الغربية جزءاً من المملكة الأردنية عام 1967)، وكان أكثر من نصف السكان في المنطقة التي لا زالت واقعة تحت السيطرة الأردنية من الفلسطينيين. وكان ضعف المملكة واضحاً من خلال السماح لمنظمة التحرير الفلسطينية (بقيادة فتح) بالعمل كدولة داخل الدولة.

ولكن بدلاً من العمل من أجل تنظيم ثورة للإطاحة بالملكية التي أقامها البريطانيون وأبرمت صفقات سرية مع الصهاينة لتقسيم فلسطين في 1947-1948، اتبعت قيادة فتح سياسة “عدم التدخل” في شئون الأردن. وعندما جوبهت الحركة بأسئلة بشأن الموقف من الدول العربية الرجعية فقد استخدم حتى ذوي الميول اليسارية في فتح القول العربي بأنه لا حاجة لقطف الثمرة من فوق الشجرة طالماً أن العاصفة سوف تأتي وتهز الشجرة – وكانت العاصفة هي هزيمة الصهيونية. (48) وفي ذلك الوقت، تطلعت منظمة التحرير الفلسطينية إلى الدول العربية المختلفة، بما فيها الممالك الرجعية في الخليج، من أجل الأموال – ووضعت سياساتها وفقاً لذلك.

ورأينا عواقب ذلك عندما قرر النظام الملكي في الأردن إخراج منظمة التحرير من البلاد في أيلول الأسود عام 1970. وحتى وسط الهجوم عليها، بدلاً من اتباع استراتيجية ثورية بهدف تحطيم التحالف بين الجنود الأردنيين والنظام الملكي، وافقت قيادة فتح على هدنات مؤقتة سمحت للملكية بفرض الانضباط داخل القوات المسلحة قبل أن تمضي قدماً في الهجوم التالي. وفي وسط الكارثة، كان قائد فتح ياسر عرفات يظهر في الصور وهو يحتضن الملك الحسين ملك الأردن، باعتباره “أخاً عربياً”. (49) ورد الحسين على ذلك بإجبار عرفات وقواته على ترك البلاد التي كانت أفضل موقع لخوض حرب العصابات ضد إسرائيل.

ولا يمكن فهم سلوك حركة فتح دون فهم الأساس الطبقي لها. وبالرغم من أن الجماهير العريضة من العمال والفلاحين واللاجئين الفلسطينيين كانوا مساندين لفتح، إلا القادة السياسيين والعسكريين للحركة كانوا من الطبقة الوسطى، وهم يشبهون كثيراً في سلوكهم القادة الذين سيطروا على الحركة القومية العربية. وكان عرفات وباقي قيادة حرب العصابات مهنيين فلسطينيين – مهندسين مدنيين وما شابه ذلك – من الذين بدءوا حياتهم المهنية في دول الخليج الغنية بالنفط. وكانت منظمة فتح مُدارة بشكل هيراركي، في ظل أناس ذوي خلفيات اجتماعية متشابهة يحتلون المواقع القيادية ويتلقون مرتبات أضعاف تلك التي يتلقاتها المقاتلون العاديون. وكأفراد من هذه الخلفية الطبقية، فقد اعتبروا من المسلم به أن يحظوا بتأييد الطبقات الوسطى والعليا الفلسطينية من الناحية السياسية، وذلك بألا يكون العداء للاحتلال الإسرائيلي مرتبطاُ بتحدي الأساس الطبقي الذي يسمح بالوضع المتميز لهذه الطبقات سواء في داخل فلسطين أو في المنفى.

نفس المنطق ساد بعد أيلول الأسود، عندما أقامت منظمة التحرير الفلسطينية قاعدة لها في جنوب لبنان. وكانت إمكانات الفعل الثوري متاحة عام 1975، عندما اتحدت القوى الفلسطينية مع اليسار اللبناني في حركة موحدة على أساس من النضال ضد الحرمان الاقتصادي والاجتماعي كانت قريبة من الإطاحة بالنظام. وكان التدخل السوري، بدعم من الولايات المتحدة، ضرورياً لأجل هزيمة الحركة. غير أنه بعد ذلك، اتخذ الوجود الفلسطيني في جنوب لبنان بعض سمات الاحتلال الأجنبي، في ظل ما تردد حول ممارستهم القمع والتحرش بالسكان المحليين واللصوصية. لم يكن بوسع منظمة عسكرية تدار من أعلى إلى أسفل بواسطة عناصر من الطبقة الوسطى أن تتولى القيادة دون أن تسحق مصالح الطبقات الأدنى منها.

وأخيراً، عندما أجبرت الانتفاضة الأولى 1987-1990 الإسرائيليين على التفاوض بجدية، كانت الحركة على استعداد لقبول جزء من السلطة في جزر منعزلة في الضفة الغربية وقطاع غزة. فقد كانت تأمل أن تتمكن من استخدام سلطة الدولة لتحقيق مصالحها على نطاق ضيق جداً، وهي المصالح التي لم يكن ممكناً تحقيقها على نطاق واسع دون حدوث تغيرات ثورية عبر العالم العربي بأكمله. ولم تجعل هذه المحاولات إسرائيل فقط طليقة اليد لتوسيع المستوطنات، ولكنها أيضاً أدت إلى إقامة مؤسسات فلسطينية تشبة مؤسسات الدولة، أصبحت سيئة السمعة نتيجة للفساد والقمع والترهل، كما لو كانت كل نقائص الأنظمة العربية قد جرى تركيزها في محاولة لتقليد تلك الأنظمة في تلك البؤر التي سُمح لمنظمة التحرير الفلسطينية أن تديرها.

« السابق التالي »