بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

انتصار المقاومة اللبنانية وتحديات المستقبل

« السابق التالي »

6- رد فعل اليسار

فجّرت حرب لبنان موجة عاتية من المعارضة، ليس في البلدان الإسلامية فحسب، ولكن أيضاً في أوروبا وأمريكا اللاتينية. فبعض هذه البلدان لم تشهد مظاهرات هي الأكبر من نوعها منذ السنة الأولى للحرب على العراق فحسب، لكن كانت هناك أيضاً إرادة غير مسبوقة في الوقوف ضد العدوان الإسرائيلي. ويتناقض ذلك بشكل ملحوظ مع رد فعل معظم اليسار في حروب 1967 و1973، وحتى وقت الغزو الإسرائيلي للبنان الذي أدى إلى مقتل أعداد كبيرة من الفلسطينيين واللبنانيين.

لكن بعض المقولات والشعارات التي كانت تطرحها عديد من أقسام اليسار لا يزال يشوبها الضعف. فقد انجذبت إلى أمور تتعلق بـ”وقف إطلاق النار” و”حق دولة إسرائيل في الدفاع عن نفسها”.

خذ على سبيل المثال النهج الذي تبناه جورج مونبيو واحد من قليلين من كتاب الأعمدة اليساريين المبدئيين في صحيفة الجارديان. فبينما لم يتردد في معارضة العدوان الإسرائيلي، فهو وجد نفسه مضطراً إلى انتقاد حزب الله بسبب العمل الذي قام به ضد الدولة الإسرائيلية، رغم أن هذه الدولة قامت في الأسابيع السابقة بعديد من الهجمات الضارية ضد الفلسطينيين في غزة. فقد كتب يقول: “نعم، كان يجب أن تقوم الحكومة اللبنانية بسحب حزب الله من الحدود الإسرائيلية ونزع سلاحه. نعم، كانت الغارة الإسرائيلية والهجوم الصاروخي الذي قامت به في 12 يوليو غير مبرر وغبي واستفزازي، مثل كل ما حدث حول منطقة الحدود خلال الست سنوات الماضية.”

إذاً، فبعد أن دعا إلى “الانسحاب من الأراضي المحتلة في فلسطين وسوريا” يطالب أيضاً بـ”الدفاع عن الحدود مع الإبقاء على الضغط الدبلوماسي على لبنان لنزح سلاح حزب الله (وكما يمكن أن نرى جميعاً، يمكن أن يصبح ذلك قابلاً للتحقق إذا انتهى الاحتلال).” (54)

سادت مثل هذه المقولات في عديد من أوساط الليبراليين واليسار الاشتراكي الديمقراطي. فعلى سبيل المثال، لم يكن بعض مؤيدي “تحالف أوقفوا الحرب” في بريطانيا سعداء بقيام اللبنانيين بحمل شعارات ورايات حزب الله، كما لو أن ما هو مسموح بالتعبير عنه فقط هو نهج سلمي صرف. وحتى في أقصى اليسار، اتخذ البعض موقف “لا هذا ولا ذاك” – لا مع العدوان الإسرائيلي ولا مع المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله. ومن ثم، فقد كتب الحزب الاشتراكي في صحيفته الاشتراكي: “إن الناس العاديين في لبنان وإسرائيل وغزة هم من يدفعون ثمناً باهظاً. ولن يستطيع أي من الجانبين أن ينتصر. فلن يسيطيع حزب الله أبداً هزيمة الجبروت الإسرائيلي وتحرير الشعب الفلسطيني من الاحتلال. ويمكن أن يؤدي النزاع الأخير إلى تعميق الخلافات بين الطبقات العاملة في إسرائيل ولبنان والأراضي الفلسطينية.”

ونقلت الصحيفة عن “اشتراكي إسرائيلي” قوله إن “الصراع الراهن يدور حول من يربح أكثر على صعيد المكانة السياسية. والذين يخسرون مما يحدث هي الطبقات العاملة في الجانبين.. وأساس هذه النزاعات الوطنية هو الصراع على السلطة بين الطبقات الحاكمة في المنطقة المدعومة من قبل قوى إمبريالية مختلفة.”

ووزعت الصحيفة أوراق كتيب يطرح أنه: “لا يمكن أن ينجح حزب الله الذي يهدف إلى تحطيم إسرائيل وإقامة دولة إسلامية على نمط النظام الرجعي الإيراني. كل ما يستطيع أن يفعله هو تعزيز الانقسامات بين السكان ذوي الأعراق والطوائف المتعددة في لبنان والشرق الأوسط.”

ولم يكن شعار هذا الحزب الاشتراكي “التضامن مع المقاومة”، ولكنه كان دعوة مجردة “من أجل فلسطين اشتراكية وإسرائيل اشتراكية كجزء من اتحاد كونفيدرالي اشتراكي في الشرق الأوسط”. بنفس الطريقة، فإن قيادة الحزب الاشتراكي الاسكوتلندي الميت واقعياً اتخذت موقفاً تجاه الحرب يدين حزب الله، باعتباره “أحد المنظمات الإرهابية الأكثر وحشية في العالم” وينتقد الحزب بسبب “هجماته غير القانونية والقاسية عبر الحدود”. (55)

وظهرت مشكلات كل تلك الأطروحات بمجرد أن دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. فقد بدأت آلات الدعاية الأمريكية والإسرائيلية والبريطانية في المطالبة بالإسراع في تشكيل قوة دولية تابعة للأمم المتحدة في ظل القرار 1701، للعمل مع الجيش اللبناني لنزع سلاح حزب الله، وإغلاق الحدود اللبنانية حتى يمكن إعطاء إسرائيل وسائل بديلة لـ”الدفاع” غير نزع سلاح حزب الله بنفسها. وفي واقع الأمر، فقد كانت هذه المطالب تعني احتلالاً أجنبياً للبنان. وبالطبع، لم يكن هناك أي حديث عن إمكانية وجود “احتلال أجنبي” في إسرائيل لمنع الهجمات اليومية على الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية. كل أولئك اليساريين الذين عارضوا الأعمال العسكرية لحزب الله وإسرائيل وطالبوا ببساطة بوقف إطلاق النار فتحوا الباب أمام هذه الدعوات.

ويثير هذا اللبس سؤالين مهمين بالنسبة لليسار بكامله على مستوى العالم، يتعلقان بتحليل كل من وضعية دولة إسرائيل، وسلوكيات المنظمات الإسلامية التي تواجه الإمبريالية والصهيونية.

« السابق التالي »