بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

انتصار المقاومة اللبنانية وتحديات المستقبل

« السابق التالي »

7- طبيعة الدولة الإسرائيلية

(56)
يكرر المعلقون الليبراليون-اليساريون والموالون للولايات المتحدة واليمين الإسرائيلي نغمة واحدة المرة تلو الأخرى، هي أن “دولة إسرائيل لها الحق في الوجود”. وعندما يضع أي من كان هذا الطرح موضع تساؤل، يجري اتهامه بمعاداة السامية والرغبة في حدوث هولوكوست جديد، في الشرق الأوسط هذه المرة.

غير أن “حق الوجود” بالنسبة لدولة ما يختلف تماماً عن “حق شعبها في البقاء على قيد الحياة”. لقد شهد النصف الأول من القرن العشرين تدمير وتفكك عديد من الدول – على سبيل المثال الإمبراطورية النمساوية المجرية والإمبراطورية العثمانية. غير أن أحداً من اليسار-الليبرالي لم يبد الندم على سقوط تلك الدول، أو يعترض على المذابح الجماعية حينما حدثت. وبنفس الطريقة، شهدت السنوات الـ17 السابقة اختفاء الاتحاد السوفيتي وتشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا دون أن يصرخ أحد لأجل “حق هذه الدول في الوجود”.

فسواء كان المرء يؤيد أو يعارض استمرار دولة ما، فلا يتوقف ذلك على “الحق في الوجود” ولكن على طبيعة تلك الدولة والبدائل المطروحة لوجودها.

يعتبر الملمح الأهم لفهم حالة الدولة الإسرائيلية أنها دولة مستوطنين – أي أنها واحدة من تلك الدول التي كونها المستوطنون الأوروبيون وقت نمو الإمبراطوريات الأوروبية. فمنذ نحو 120 عاماً، كان السكان اليهود في فلسطين التاريخية (الآن إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة) لا يتعدون آلاف قليلة، وكان السكان العرب مئات الآلاف. فطبقاً لتعداد الإمبراطورية العثمانية لعام 1893، فقد بلغ عدد السكان اليهود 9817 نسمة. (57) وإذا ما أخذنا في الاعتبار المهاجرين الجدد من اليهود، سيرتفع عدد اليهود إلى 25 ألفاً في مقابل 400-600 ألف من العرب. (58) أما نمو السكان اليهود ليصل إلى 55% من السكان في المنطقة، فقط كان نتيجة الاستيطان الكبير هناك منذ ذلك الحين. ومما يبين هذه الحقيقة هو أنه بحلول منتصف الستينيات، كان 24% فقط من البالغين الإسرائيليين قد ولدوا في فلسطين التاريخية – وكان 4% فقط من والدين ولدوا في فلسطين. (59)

ولا يمكن لهؤلاء السكان أن يزيدوا، ويكونوا دولة في 1948-1949 تضم ثلاثة أرباع مساحة المنطقة، إلا عبر نزع ملكية السكان الأصليين. وكما طرح الجنرال والسياسي الإسرائيلي ديان في 1956: “نحن جيل مستوطن، وبدون الخوذة المعدنية والمدفع، لن نستطيع زرع شجرة أو بناء منزل. لا تدعوا الكراهية التي يشعر بها نحونا مئات الآلاف من العرب حولنا تثنينا عن عزمنا.” (60)

وبذلك، فقد كانت إسرائيل مثلها مثل دول الاستيطان الاخرى التي أسسها المستعمرون الأوروبيون على حساب السكان المحليين في أمريكا الشمالية واستراليا والجزائر أثناء الحكم الفرنسي، وروديسيا أثناء حكم البيض، ونظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. وحقيقة أنه كان في طليعة المستوطنين إناس هاربون من القمع في أوروبا، خاصة عقب الهولوكوست، لا يغير شيئاً من الحقيقة الأساسية، وهي أن الاستيطان تم على حساب السكان المحليين. وفي حقيقة الأمر، فقد كان عديد من المستوطنين في أمريكا الشمالية قد تركوا بلادهم هرباً من الاضطهاد الديني أو الفقر، وعديد من المستوطنين في استراليا جاءوا بفعل التهجير من جانب بريطانيا، كما أن عديداً من الفرنسيين الجزائريين قامت فرنسا بترحيلهم إلى هناك عقاباً لهم على مشاركتهم في ثورة 1848 أو في كوميونة باريس. وبنفس الطريقة قام بالاستيطان اليهودي في فلسطين أفراد قاسوا اضطهاداً عنيفاً في أوروبا. لكن بمجرد وصولهم إلى أرض الغير، أصبح لابد أن يقوموا بأعمال عدائية ضد السكان الموجودين حتى يحافظوا على وجودهم. إذاً فإن منطق الاستعمار الاستيطاني هو أن أولئك الذين كانوا مُضطَهَدين، أصبحوا يضطهدون الغير.

وكانت هناك نماذج مختلفة من الاستعمار. تضمّن نموذج أمريكا الشمالية واستراليا ما يقترب من إفناء السكان المحليين – وفي بعض الأحيان تم القضاء عليهم بالكامل – ومن ثم لم يمثلوا تهديداً للسكان المستوطنين وذرياتهم، ولم يؤثروا تأثيراً يذكر على طبيعة الدولة. وتضمّن نموذج الاستعمار الاستيطاني في الجزائر تحت الحكم الفرنسي، وروديسيا أثناء حكم البيض، وجنوب أفريقيا في ظل نظام الفصل العنصري، استخدام السكان المحليين كمصدر للعمالة الرخيصة في مزارع وشركات المستوطنين البيض. ومن ثم، فقد تماهى كافة السكان البيض في هذه المناطق مع الوظيفة القمعية للدولة حفاظاً على المزايا التي كانوا يحظون بها – إلى الحد الذي جعل مليون فرنسي استوطنوا في الجزائر يهاجرون منها عقب الاستقلال عام 1963. وفي فلسطين، تضمن نموذج الاستيطان اليهودي طرد المستوطنين للسكان المحليين المقيمين في مناطق الاستيطان من أجل إنشاء مستوطنات ومشروعات يهودية صرفة.

وكما أوضح توني كليف، الذي نشأ في فلسطين في العشرينيات والثلاثينيات: “جاء اليهود إلى فلسطين بفعل سلسلة من المآسي الإنسانية – مذابح روسيا القيصرية، والاضطهاد في شرق أوروبا، والهولوكوست الذي قامت به النازية. وعندما وصلوا إلى فلسطين، وجدوا أنه يسكنها العرب. وأيا كان الدافع الذي أتي باليهود إلى هناك، فلم يكن من الممكن تجنب النزاع بين المستوطنين اليهود والسكان العرب. فقد كان المستوطنون يشترون الأرض من ملاك الأراضي العرب، ثم يطردون الفلاحين العرب منها، واستثنوا العرب من المشروعات التي أنشأوها.”

“كان الفلاح العربي يعرض العمل بسعر منخفض جداً. كيف كان باستطاعة عامل أوروبي أن يجد عملاً في ظل هذا الوضع؟ كان الطريق الوحيد هو منع توظيف أصحاب العمل اليهود لأي عامل عربي. في تل أبيب، التي كانت تمتلك بالكاد 300 ألف نسمة عشية تأسيس دولة إسرائيل، لم يكن هناك عامل عربي واحد ولا ساكن عربي واحد.”

“ومنع الصهيانة الفلاحين من بيع منتجاتهم في السوق اليهودي. وعندما يتجرأ فلاح تحت ضغط الجوع على خرق هذه القاعدة يكون نصيبه الضرب.”

“وكان على كل عضو في اتحاد العمال الصهيوني، الهستدروت، أن يدفع ضريبتين: الأولى لأجل “العمل اليهودي” – أي أموال تستخدم في تنظيم دوريات وما إلى ذلك لمراقبة عدم تشغيل العمال العرب، والثانية لأجل “المنتج اليهودي” بهدف تنظيم مقاطعة المنتجات العربية. ولم يعارض أي حزب صهيوني، ولا حتى حزب هاشومير هاتزير، الآن المابام، أكثر الأحزاب “اليسارية” تطرفاً، مقاطعة العمال والفلاحين العرب. ذلك أن مقاطعة العرب كانت مسالة أصيلة في الصهيونية: فبدون هذه المقاطعة، لم يكن باستطاعة العامل أو الفلاح الأوروبي الحياة.” (61)

أثارت هذه الأفعال بالضرورة غضب الجماهير العربية. وكانت هناك طريقة واحدة فقط يمكن أن يحمى بها المستوطنون أنفسهم في مواجهة هذا الغضب، وهي عقد صفقة مع هذه الدولة الإمبريالية أو تلك. ومن ثم ففي العشرينات والثلاثينات، وبداية الأربعينات، تواطأوا مع البريطانيين – الذين على سبيل المثال أمدوهم بمساعدات عسكرية أثناء قيامهم بسحق الانتفاضة الفلسطينية في 1936-1939. ومكنّهم التدريب العسكري الذي تلقوه في ظل الحكم البريطاني – في ظل المساندة الدبلوماسية الأمريكية والأسلحة الواردة من شرق أوروبا – من الاستيلاء على معظم فلسطين التاريخية في ثلاث هجمات عسكرية (تخللتها هدنتان)، عندما تركت بريطانيا فلسطين عام 1948، واستخدام الإرهاب في طرد معظم السكان الفلسطينيين من المناطق التي كانوا يسيطرون عليها. وفي العقود التالية، خفتت المصالح الإمبريالية البريطانية لصالح المصالح الأمريكية – ومن ثم فقد توجهت إسرائيل نحو الولايات المتحدة.

لخصت صحيفة هآرتس الليبرالية الإسرائيلية علاقة إسرائيل بالإمبريالية في 30 سبتمبر 1951 على النحو التالي: “أعطيت إسرائيل دوراً لا يختلف عن دور كلب الحراسة.. إذا فضل الغرب لسبب أو آخر أن يغلق عينيه، فيمكنه الاطمئنان إلى أن إسرائيل سوف تعاقب بقسوة الدول المجاورة التي تتجاوز الحدود المسموح بها في التعامل مع الغرب.” (62)
وفي مقابل لعب هذا الدور فإن إسرائيل، رغم حجمها الصغير نسبياً، تتلقى ثلث إجمالي المساعدات الأمريكية الخارجية، وهو أكثر بكثير مما تتلقاه أية دولة أخرى. ويشير أحد التقديرات إلى أن أجمالي المساعدات الإمريكية إلى إسرائيل بلغ أكثر من 84 مليار دولار في الفترة من 1949-1997. ويعني ذلك أن كل مواطن إسرائيلي قد تلقى أكثر من 14 ألف دولار. (63) ويذهب جزء كبير من هذه المساعدات إلى إمداد إسرائيل بالتكنولوجيا العسكرية الأكثر تقدما من أجل ترهيب دول الشرق الأوسط الأخرى ومهاجمتها إذا لزم الأمر. ومن ثم، فقد وُعدت إسرائيل بـ270 مليون دولار كمساعدات اقتصادية و2.04 مليار كمساعدات عسكرية في عام 2003. (64)

ويشير تحليل ماركسي كلاسيكي حول الدولة الإسرائيلية وضعه حاييم هانجبي وموشيه ماكوفر وأكيفا أور، إلى أن تلك المساعدات سمحت أيضاً لإسرائيل بالتمتع بالتوسع الاقتصادي دون أن تدفع لذلك ثمناً باهطاً: “في السنوات من 1949-1965، حصلت إسرائيل على ما قيمته ستة بلايين دولار من واردات السلع والخدمات زيادة عما قامت بتصديره، أي أن نصيب الفرد بلغ 2650 دولاراً في الـ16 عاما من 1949-1965. وفي نفس الفترة بلغ صافي المدخرات المتوسط في إسرائيل صفراً – بينما كان الاستثمار القومي يمثل 20% من الناتج المحلي الإجمالي”.

“المجتمع الإسرائيلي ليس مجتمع استيطان فحسب.. بل إنه أيضاً مجتمع يستفيد من ميزات فريدة. فهو يتمتع بتدفق الموارد المادية من الخارج بكم وكيف ليس لهما مثيل.. إسرائيل حالة فريدة في الشرق الأوسط.. يتم تمويلها من قبل الإمبريالية التي لا تقوم باستغلالها اقتصادياً.” (65)

ويطرح هؤلاء المحللون أن الطبقة العاملة اليهودية هي أحد المستفيدين: “لا يأخذ العامل اليهودي نصيبه في شكل نقدي، ولكن في شكل إسكان جديد ومنخفض الثمن نسبياً، والحصول على عمل في المشروعات الصناعية التي لا يمكن أن تقام أو تستمر دون دعم خارجي، والتمتع بمستوى عام للمعيشة لا يتطابق مع ناتج المجتمع.” (66)
لا شك أن المساعدات الأمريكية استخدمت للتخفيف من حدة آثار الأزمات الاقتصادية، لا منع حدوث هذه الأزمات. لذلك فإن الكتاب السنوي الأمريكي اليهودي لعام 1990 يقول: “خلال أزمة إسرائيل الاقتصادية في 1984-1985، ساعدت المعونات الأمريكية الطارئة إسرائيل، (67) بينما في بداية 2003، عندما كان الاقتصاد الإسرائيلي “يعاني من واحدة من أسوأ الأزمات في تاريخ البلاد”، ذهب وفد إسرائيلي إلى الولايات المتحدة للمطالبة بـحزمة معونة طارئة قيمتها 12 مليار دولار.”(68)

ولم يكن متوقعاً أن تكون المعونة مجانية. فقد عرضت إسرائيل في المقابل، كما يقول الكتاب السنوي “تحالفاً استراتيجياً بين أمريكا وإسرائيل”، وهو التحالف الذي استمر بسبب “التصور الذي يعتبر أن الروابط مع إسرائيل تتوافق مع مصلحة أمريكا”. (69) واتساقاً مع هذا التصور، كان هدف جزء من المساعدات التي طالبت بها إسرائيل هو “دعم استعداداتها العسكرية”، (70) استعداداً للحرب التي شنتها أمريكا على العراق بعد ذلك.

لم يكن من الممكن أن تنشأ دولة إسرائيل أو تحافظ على وجودها بدون تلك الصفقات. فبدون الدعم الذي تقدمه تلك الصفقات، ما كان شئ سوف يحفز السكان اليهود في المناطق المختلفة على الهجرة إلى إسرائيل. وهناك حالياً كثير من الإسرائيليين، ممن اعتادوا على مستويات المعيشة الأوروبية والأمريكية، يهاجرون إلى أوروبا وأمريكا من أجل محاولة الاستفادة من المزايا التي تقدمها تلك الدول.

وفي مواجهة احتمالات الفتنة الناتجة عن الأزمات الاقتصادية، والتي تقوض المنطق الذي يقوم عليه وجود دولة خاصة لليهود، لا يجلس السياسيون الصهاينة بسلبية منتظرين الدعم الخارجي. فهم لديهم مصلحة في تشجيع الولايات المتحدة على تبني نهج عدائي تجاه المنطقة، ومن ثم فهم يسعون لإحداث إضطراب في النظم الحاكمة، مما يجعل الولايات المتحدة تعتمد بشكل أكبر على كلب حراستها في المنطقة. ويفسر هذا الوضع التآلف الطبيعي بين الساسة الصهاينة والمحافظين الجدد في الولايات المتحدة، كما أنه يبين لماذا ينتهي الأمر دائماً بأكثر الاقسام ميلاً للسلام في داخل حزب العمل، إلى اتباع نفس هذه السياسات. فكلما كانت الفوضى أكبر، كلما زادت أهمية الجبروت العسكري الإسرائيلي في المساعدة على إخضاع المنطقة، وكلما أصبح أكثر احتمالاً أن تتلقى دولة إسرائيل المزيد من الدعم، وأن يتم اشباع الهدف الصهيوني بتحقيق مزيد من التوسع الإسرائيلي. كما أن حالة عدم الاستقرار في المنطقة هي شرط اساسي لكي يقدم القادة الإسرائيليون أنفسهم لليهود في العالم باعتبارهم يعيشون تحت تهديد دائم، ومن ثم يحتاجون إلى عون مستمر.

وكان لهذا الوضع تأثيراً حتمياً في تحديد سلوكيات الطبقة العاملة الإسرائيلية. فالجماهير في إسرائيل، كما هي في الدول الصناعية المتقدمة الأخرى، تعمل وتستغل من جانب أصحاب العمل. لكن في الحالة الإسرائيلية، فإن الدعم الذي يتلقونه من الإمبريالية الأمريكية عن طريق الدولة الإسرائيلية، يعوض جرءأ من الاستغلال الواقع عليهم. لذلك فالعمال الإسرائيليون يتماهون مع الدولة وتواطؤها مع الإمبريالية، لأنه بدون هذا التواطؤ، فسوف يعيشون في مستوى أدنى من العمال في كافة دول منطقة الشرق الأوسط. إذاً، فالتماهي مع الدولة ضد الفلسطينيين له جذور مادية. وحتى أولئك الذين يقاسون أوضاعاً معيشية سيئة للغاية، يميلون إلى أن يروا المخرج في مزيد من التماهي مع الدولة وليس العكس. ولذلك نجد أن اليهود الذين هاجروا من مناطق أخرى في الشرق الأوسط إلى إسرائيل في الخمسينات والستينات يميلون إلى دعم أكثر الأحزاب الصهيونية يمينية، بالرغم من واقع أنهم في حالة معيشية أسوأ من الإسرائيليين الذين جاءوا من أوروبا. وبهذا المعني، فهم يبدون مثلهم مثل العمال البيض في جنوب أفريقيا – حتى الأكثر فقراً منهم – قبل سقوط نظام الفصل العنصري.

وهكذا لاحظ حاييم هانجبي وموشيه ماكوفر وأكيفا أور في السبعينات أن “خبرة الخمسين عاماً لا تحوي مثالاً واحداً لقيام العمال الإسرائيليين بتعبئة أنفسهم دفاعاً عن مطالب مادية أو نقابية في مواجهة النظام الحاكم نفسه”. (71)

ولم تؤد التطورات التي حدثت منذ ذلك الحين إلى تغيير هذه النتيجة. فقد تراجعت دولة الرفاهة وتم تبني السياسات الليبرالية الجديدة في ظل حكم الليكود، وهو ما رفع معدلات البطالة إلى أكثر من 11% وأدى إلى تخفيض الإعانات. غير أن الأثر التراكمي للدعم الإمبريالي لا زال يعني أن العمال الإسرائيليين يتمتعون بمستويات معيشة أعلى من تلك الموجودة في فلسطين والدول العربية الأخرى. ومن ثم فإن الحد الأدنى للأجور في بداية عام 2004 كان 3335 شيكل جديد (أي 700 دولار شهرياً)، بينما كان الحد الأدنى للأجور في مصر المجاورة لإسرائيل 28,4 دولارا شهرياً. وتبين التحليلات التفصيلية أن المزايا المتعلقة بالرفاهة في إسرائيل تناظر المدى المتوسط لتلك المزايا في أوروبا. (72) وبالرغم من أن هذه المزايا تواجه هجوماً وتقليصا، إلا أن استمرار تدفق الدعم يعني أنها لازالت في مستوى نظيرتها في الغرب، وليس مستوى مزايا العالم الثالث المتاح للفلسطينيين وأبنائهم ممن تم تهجيرهم عام 1948. لكن العمال الإسرائيليين يحصلون على هذا الدعم فقط بسبب الصفقات التي تعقدها حكومتهم مع الإمبريالية. ومن ثم فإن نضالاتهم ضد الهجوم الذي يتعرضون له فيما يتعلق بالأجور وظروف العمل وميزات الرفاهة، يتم دائما احتواؤها من قبل الدولة التي سرعان ما تلجأ إلى الإمبريالية في الأزمات الاقتصادية.

هناك تناقضات. هناك مصالح بيزنيس كبيرة في إسرائيل – مصالح مرتبطة بشكل متزايد بأمريكا الشمالية أو أحيانا برأس المال الأوروبي متعدد الجنسية الذي يرى المستقبل في اختراق سوق باقي دول الشرق الأوسط، ولديه من ثم مصلحة ما في السلام. غير أن تلك الضغوط في حد ذاتها لم تكن كافية لمنع الدولة الإسرائيلية من تبني سياسة عدوانية تجاه الفلسطينيين في الأراضي المحتلة أو ضد هذه الدولة أو تلك من دول الشرق الأوسط. كما أن تلك الضغوط لن تكون كافية كي تمنع ذلك في المستقبل أيضاً. فالشركات متعددة الجنسية تستثمر في إسرائيل لأنها تتطلع للهيمنة الإسرائيلية في المنطقة (ويجب إضافة أنها تستثمر في إسرائيل أيضاً بحثاً عن عقود السلاح المربحة). وما يربط بين هذه الشركات ورأس المال الإسرائيلي مصلحة مشتركة تتعلق بوجود دولة إسرائيلية ذات قدرة عسكرية تمكنها من ترهيب جيرانها عبر السلام المسلح – وهو ما يتطلب أن تتخذ إسرائيل صورة عدوانية بما فيه الكفاية لضمان التعبئة الجماهيرية الضرورية خلف الدولة.

وفي ظل هذه الأوضاع، فإن أولئك الذين يؤكدون على “حق دولة إسرائيل في الوجود” يدافعون عن دولة تعمل بالضرورة طوعاً باعتبارها أداة للإمبريالية وتتعامل بعدوانية ضد جيرانها.

ولعله يجب أن نكرر أن معارضة الدولة الإسرائيلية لا يعني الرغبة في رؤية السكان اليهود “ملقى بهم في البحر”، بنفس الطريقة التي كانت بها معارضة نظام دولة الفصل العنصري لا تعني الرغبة في استئصال السكان الأفريكانز الذين عاشوا في جنوب أفريقيا منذ 350 عاماً ولديهم بعض عناصر الهوية الوطنية الخاصة بهم (اللغة والأدب والمؤسسات الدينية وما إلى ذلك). كانت معارضة نظام الفصل العنصري تعني زوال دولة جنوب أفريقيا المرتكزة على قيام أحفاد المستوطنين باتباع سياسة تمييزية ضد السكان الأصليين. وبنفس الطريقة، تعني معارضة الدولة الإسرائيلية زوال دولة بنيت على الترحيل القسري للسكان الأصليين من أراضيهم، والتوسع المستمر في الأراضي المحتلة، وممارسة القمع الواسع والدموي ضد أولئك الذي يقاتلون الاحتلال والتوسع الاستيطاني، أو يقاتلون من أجل العودة إلى الأرض التي طُردت عائلاتهم منها.

هناك طريقتان افتراضيتان لتفكيك الدولة الاستيطانية، أولهما أن يقبل السكان الإسرائيليون حق عودة الفلسطينيين الذين طردوا من أراضيهم في عام 1948، وانهاء الاحتلال والمستوطنات في قطاع غزة والضفة الغربية. والطريقة الثانية هي تصفية إسرائيل لتحل محلها دولة واحدة ديمقراطية علمانية على فلسطين التاريخية بأكملها، ويتمتع كل سكانها بحقوق مواطنة متساوية. وعملياً، فإن الطريقين يؤديان إلى نفس المصير. فكما يصر الصهاينة دائماً، فسوف يؤدي “حق العودة” إلى تدمير منطق دولة الاستيطان بأكمله، عن طريق زوال المزايا التي كانت قاصرة على السكان من أصل يهودي، وهو ما سيفتح الباب أمام وجود دولة موحدة علمانية. ولهذا السبب فإن أقلية محدودة من النشطاء والمثقفين الإسرائيليين أصبحوا يقبلون أن البديل الوحيد لنمط القمع والاستيطان والحرب الراهن هو الدولة العلمانية.

ما هي القوة التي يمكن أن تحقق ذلك؟ إن صعوبة الطرح الوارد أعلاه تكمن في أن تحقيق هذا البديل لن يأتي من داخل إسرائيل. فطالما ظلت الدولة الصهيونية تبدو قوية بما فيه الكفاية لكي تستمر في تلقي الدعم من الإمبريالية كي تقدم المنافع للسكان اليهود، حتى أولئك الأكثر فقراً، بما يجعلهم في وضع أفضل من الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية ومعسكرات اللاجئين في الأردن ولبنان، فسيظل غالبية اليهود مرتبطين بدولتهم. ويمكن لدولة إسرائيل أن تضعف بفعل الصراع الطبقي الداخلي، لكن ذلك في حد ذاته لن يكون كافياً لتحطيم الدولة بسياساتها العدوانية وسعيها للعمل لمصلحة الإمبريالية. فهي تضعف عندما تتمرد أقسام من الشباب الإسرائيليين ضد الخدمة العسكرية في ظل الاحتلال المستمر والحروب المتكررة. وفي هذه العملية، فسوف يبدأ بعضهم على الأقل في رؤية حقيقة ما قاد إليه الحلم الصهيوني.

لكن تطور ذلك على أي مدى يعتمد على فقدان إسرائيل القدرة على شن حروب لا تكلف شيئاً في الواقع، سواء من الناحية المالية (بسبب الدعم الأمريكي) أو من ناحية خسائر الأرواح. بمعنى آخر، يتوقف الأمر على تكبد إسرائيل لهزيمة عسكرية هائلة، حيث أن مثل هذه الهزيمة هي وحدها القادرة على إحداث صدمة داخل إسرائيل، ودفع عدد كبير من الأشخاص إلى رؤية أن هناك طريقاً وحيداً أمامهم – هو القطيعة التامة مع الرؤية الصهيونية حول إقامة دولة نقية العرق – وجعل الطبقة الحاكمة الأمريكية تتساءل عن جدوى الاستمرار في تقديم المساعدات لإسرائيل.

وكما طرح هانجبي وماكوفر وأور قبل 30 عاماً، فإن المساهمة في النضال الداخلي في المجتمع الإسرائيلي، بما في ذلك النضال العمالي، “يجب أن تكون خاضعة لاستراتيجية عامة حول النضال ضد الصهيونية”. (73) ولازالت هذه الخلاصة صالحة حتى يومنا هذا. وهؤلاء الذين لا يستطيعوا رؤية ذلك ويتخذون موقف “لا هذا ولا ذاك” تجاه حرب مثل التي حدثت في لبنان، ويوافقون على قداسة الحدود الإسرائيلية، يضعفون النضال ضد الإمبريالية والصهيونية، مهما كانت دوافعهم طيبة.

لكن كسر الهيمنة الصهيونية على الأغلبية العظمى من السكان الإسرائيليين يظل أملاً بعيداً. فقد كانت هزيمة إسرائيل في لبنان مجرد هزيمة جزئية يتوقع القادة الإسرائيليون، بل وغالبية السكان الإسرائيليين، ردها. لذلك فإنه من قبيل الإفراط في التفاؤل أن نتوقع كما يرى البعض أن: “كل التطورات الأخيرة قد فتحت النافذة لإمكانية أن نرى ومضة لفرصة تحقيق تسوية شاملة للنزاع الذي امتد لنحو قرن من الزمن والذي يمثل أساس الحرب الأخيرة. والآن، حيث أن خيار استمرار الوضع الراهن لم يعد ممكنا، يمكننا أن نرى لحظة انبثاق فريدريك ديكليرك في إسرائيل (ووسط الداعمين الدوليين الذين لا يمكن الاستغناء عنهم). (74)

الحقيقة أن حدوث “انطلاقة ثورية في العالم العربي” (75) يظل هو الشرط المسبق لخلق نوع التحدي الذي يؤدي إلى انهيار الصهيونية. لكن ذلك لم يحدث بعد.

« السابق التالي »