بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مقدمة في الاشتراكية الثورية

« السابق التالي »

3. النظام الرأسمالي مبني على الاستغلال

يفسر رجال الأعمال والحكام الرأسماليون كل مظاهر الفقر والبؤس والبطالة التي يعيشها البشر، من خلال اتهام الفقراء والكادحين بالتسبب فيها. فمثلاً هم يفسرون ذلك بزيادة معدلات النمو السكاني والإكثار من الإنجاب، مما يؤدي إلى التهام كل “الجهود التنموية العظيمة” للحكومات الرأسمالية وكبار رجال الأعمال.

هذا التفسير ليس إلا خدعة كبرى، فصحيح أن موارد مصر والعالم كله محدودة، لكن التقدم التكنولوجي الجبار الذي يشهده العالم الرأسمالي قد وصل إلى درجة تسمح بتحقيق معدلات نمو اقتصادي تزيد كثيراً عن معدلات النمو السكاني. وإذا فرضنا أن معدل النمو السكاني قد وصل لدينا إلى رقم فلكي هو 3% سنويا، (في الحقيقة معدل النمو السكاني في مصر لم يزد في عام 2005 عن 1.78%)، فإنه إذا تم تحقيق معدل نمو اقتصادي 10% في السنة، وهو معدلتحققه الصين الآن وكانت تحقق أعلى منه في سنوات سابقة، فإن استيعاب الزيادة السكانية وتلبية احتياجات البشر في المأكل والملبس والمسكن، بل وتحقيق فائض، يصبح أمراً ممكناً للغاية.

هناك أيضاً تفسير ثاني يروّجه الحكام ورجال الأعمال الكبار في العالم، وهو أن الفقراء مسئولون عن فقرهم بسبب كسلهم وعدم رغبتهم في العمل. أما هذا التفسير فهو في الحقيقة أكثر وقاحة من سابقه؛ فكيف يمكن أن نصف بالكسل الطلاب الذين يتركون دراستهم من أجل العمل لمساعدة أسرهم في تحمل أعباء المعيشة، وكيف نصف عمال المصانع الفقراء بالكسل في حين يعمل أغلبهم لمدة 10 أو 12 ساعة في اليوم الواحد. وعلى الجانب الآخر، كيف يمكن أن نصف رجال الأعمال وأبناءهم بالنشاط في حين أن كل المجهود الذي يبذلونه هو ملء خزائنهم بالأموال وإنفاقها في الرحلات والسهرات وسبل الرفاهية والمتعة المختلفة!

أما الاشتراكية الثورية فترى أن كل الفظائع لا يتسبب فيها العمال ولا الفقراء، بل أنهم ضحايا الرأسمالية القائمة على النهب والاستغلال. فالنظام الرأسمالي يقوم عامة على قاعدة أساسية، هي أن الدافع وراء النشاط الاقتصادي هو تحقيق الأرباح للرأسماليين وليس تلبية الاحتياجات الأساسية للبشر. وبما أن المحرك الأساسي للنظام الرأسمالي هو تحقيق الأرباح ومراكمة رأس المال، لذا فالرأسماليون يتسابقون في السوق على تخفيض التكاليف الإنتاجية من خلال زيادة وتكثيف استغلال العمال لديهم. وبالتالي فإن ثروة الرأسماليين مصدرها جهد وعرق العمال.

الأمر كله لا يتوقف على درجة “إحسان وطيبة” رجال الأعمال الرأسماليين على العمال الذين يعملون لديهم، لكن بوضع هؤلاء الرأسماليين في المنافسة مع بعضهم محلياً، وعلى المستوى العالمي أيضاً. فإذا عمل أحد الرأسماليين على زيادة أجور عماله أو تحسين الظروف التي يعملون وفقها، لن يجد لديه ما يكفي من الأرباح التي تسمح له بتوسيع استثماراته ومراكمة المزيد من رأس المال لينافس به نظرائه. وإن لم يفعل ذلك سوف يسقط في هذه المنافسة ويلتهمه منافسيه في السوق.

ويستثمر الرأسمالي وينتج لأنه يتوقع أرباحاً، وليس لأنه يريد “إسعاد البشرية”. ومن ثم لا تكترث الرأسمالية في مصر، على سبيل المثال، بـ7 ملايين مواطن يسكنون المقابر وعشش الصفيح، في حين أن المستثمرين الكبار في قطاع العقارات يتكالبون على بناء القرى السياحية والفيلات والقصور والعمارات الفخمة التي تتكلف المليارات بدلاً من بناء مساكن شعبية تأوي هؤلاء.

وفي سياق المنافسة التي لا تنتهي بين الرأسماليين، تتولد الأزمات الاقتصادية التي تنتج عن تكالبهم على الاستثمار في القطاعات الاقتصادية التي ترتفع فيها معدلات الربح، بغض النظر عن مصالح المجتمع الذي يعيشون فيه. تماماً كما ضربنا المثل بالاستثمار في قطاع العقارات.

لكن ذلك يؤدي إلى زيادة العرض عن الطلب في مثل تلك القطاعات بشكل كبير، ومن ثم تكدس البضاعة في الأسواق دون أن تجد من يشتريها نتيجة تدني الأجور، ثم إفلاس الرأسماليين وانهيار الاقتصاد بأكمله. وهذا بالضبط ما نطلق عليه “فوضى السوق” حينما تتحكم مصالح حفنة من الأغنياء في توجيه ثروة المجتمع وموارده وقراراته الاقتصادية.

وصحيح أنه في كل وحدة إنتاجية (مصنع أو شركة) توجد درجة عالية من التنظيم والتنسيق بين أقسام الإنتاج المختلفة. ففي شركة تويوتا لإنتاج السيارات مثلاً، يوجد تنسيق وتكامل عالي المستوى بين قسم إنتاج الإطارات وقسم إنتاج الهياكل، إلخ، لكن في الوقت نفسه ليس هناك أدنى درجة من التنسيق بين شركة تويوتا وشركة فورد أو بي إم دابليو مثلاً . وهذا ما يؤدي إلى تراكم مئات الآلاف من السيارات المنتجة في السوق دون أن تجد من يشتريها، فيتوقف الإنتاج وتُغلق المصانع ويتم تسريح العمال. وهذه هي الفوضى التي تؤدي بالنظام الرأسمالي العالمي إلى أزمات دورية من فيض الإنتاج ثم الركود والإفلاس.

لكن مصر تعد من البلدان المتأخرة اقتصادياً، أي التي لم تصل بعد إلى مستوى تطور اقتصادي تستطيع معه أن تدخل حلبة المنافسة في السوق العالمي. وهذا ما يضاعف المشكلة. فالمشكلة لدينا ليست في الأزمات الدورية والركود الاقتصادي فقط، بل أيضاً في الانخفاض المزمن لمستوى الاقتصاد.

هذا بالضبط ما يدفع السلطة والرأسماليين في مصر إلى اتباع سياسات اقتصادية أكثر توحشاً، حيث خصخصة المصانع ومؤسسات الرعاية الاجتماعية، ورفع الدعم على السلع والخدمات، ومضاعفة معدلات الاستغلال. وكل ذلك من أجل تحقيق أكبر قدر من تراكم رأس المال للوصول إلى الأسواق العالمية.

وهذا ما يفسر العلاقة الوثيقة التي جمعت بين سلطة الديكتاتور مبارك (ومن بعده مجلس طنطاوي وعنان، ثم مرسي، ثم السيسي وحكومته) بكبار رجال الأعمال في مصر. فالسلطة تسن لهم القوانين التي سهلت لهم النهب والاستغلال، وفي عهده تم توجيه دعم هائل إليهم في نقل البضائع وفي قيمة الضرائب على الأرباح وقيمة الجمارك على نقل المعدات والآلات من الخارج، إلخ.

لذا فقد كان مبارك هو الممثل الأفضل لمصالح الرأسماليين في مصر الذي كان يخدم تطلعاتهم في تضخيم أرباحهم واندماجهم في السوق العالمي. ولكن مع سقوط مبارك أصبح الذعر سائداً في صفوفهم حيث يشعرون بقلق بالغ حول مستقبل السلطة في مصر؛ هل ستعمل في خدمة مصالحهم كما كان يفعل مبارك أم لا؟!. أما إذا استقرت السلطة بين يدي من يحافظ على مصالح الرأسمالية المصرية، فتتحول تلك السلطة سريعاً إلى نظام مبارك آخر بنفس جوهر الاستغلال والاستبداد لكن بوجوه جديدة. وهذا بالضبط ما حدث من إسقاط مبارك حتى اليوم.

هذا ما نطلق عليه “إصلاح الرأسمالية”، حيث يتم استبدال نظام ديكتاتوري يقف إلى جانب رجال الأعمال ضد مصالح الفقراء، بنظام أكثر ديمقراطية (أو أقل ديكتاتورية) يقف إلى جانب نفس رجال الأعمال، وقد يمنح الفقراء بعض الفتات من الثروة الاجتماعية التي ينتجونها بأنفسهم، لكن دون القضاء على أسس الاستغلال التي تقوم عليها الرأسمالية.. والتغيير الجذري لمشكلات المجتمع لا يكمن بالتأكيد في إصلاح الرأسمالية.

دائما ما يضرب المثل بتجربة الدول الاسكندنافية كنموذج لإصلاح الرأسمالية بإدخال إجراءات وإصلاحات ذات طابع اشتراكي، ولكن حتى هذه الدول رغم قوة اقتصادها إلا أنها تشهد حالياً احتجاجات وتناقصات كبيرة في مستوى الرفاهة – مقارنة بما كانت فيه من قبل – نظراً للأزمة الاقتصادية العالمية التي طالت هذه البلدان بالطبع.

لم يكتف ماركس بتحليل الواقع فقط وإدراك فشل الرأسمالية واستحالة إصلاحها، بل أيضاً بحث عن سبل تغيير هذا الواقع الأليم، ووجد في التجارب الثورية التي عاصرها (ثورات 1848 في أوروبا، وكوميونة باريس 1871، إلخ) دليلاً ومرشداً لما يمكن أن يكون عليه المجتمع الاشتراكي الذي يسطير فيه الكادحون على القرار. ففي كوميونة باريس على سبيل المثال، رسم رجال ونساء باريس الكادحين تصورا لكيف يمكن أن يتغير المجتمع عندما سيطروا على المدينة وأداروها، من خلال مجالسهم الديمقراطية، لصالح الجماهير الفقيرة، ففتحوا المدارس للجميع بالمجان، ووفروا الطعام والملبس، وافتتحوا دور الأيتام، حتى انقضت الثورة المضادة على الكوميونة وذبحت ما يقرب من 30 ألف من مناضلي الطبقة العاملة.

رأى ماركس أن التغيير الجذري للنظام لابد أن يكون عبر ثورة اجتماعية تطيح بكل أشكال الاستغلال، ثورة تخلق فيها الجماهير أشكالاً جديدة لتنظيم الحياة وإدارتها والتعبير عنهم.

« السابق التالي »