بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النظريات البطريركية

التالي »

1. مقدمة

لعل النظرية الأكثر صمودا وإنتشارا فى محيط الحركة النسائية اليوم هى النظرية البطريركية (هامش: البطريرك هو الأب والنظرية البطريركية هي نظرية السيطرة الذكورية التي ترى أن الرجال هم مصدر الاضطهاد الواقع على النساء). وتتخذ هذه النظرية أشكالا مختلفة, لكن الأفكار الرئيسية التى تستند اليها -والمتعلقة بكون سيطرة الذكر او التحيز للنوع أمرا لا يوجد فحسب كنتاج للرسمالية ولكنه منفصل تماما عن نمط الانتاج الرأسمالى ومن ثم فسوف يدوم بعد زواله- تحظى بقبول واسع, حتى ان رفض هذه النظرية برمتها يقابل بدهشة تامة وحقيقية.

وتحظى هذه النظريات بفهم محدود لكيفة تغير أشكال قهر المرأة وطبيعة الأسرة عبر التاريخ. ولا يوجد لديها تصور يعتد به حول مدى الإختلاف الواسع بين الأشكال التي يتخذها قهر المرأة من طبقة إلى أخرى. وبدلا من ذلك فان ما تقدمه لنا هذه النظرية هو ما تعتقد أنه حقيقة مطلقة، مفادها ان البطريركية سواء اتخذت هذا الشكل أو ذاك هى سبب قهر النساء.

ويتم تبرير هذا الطرح عبر الإشارة الى أن قهر المرأة يوجد خارج مجتمعات الغرب الرأسمالي, وذلك فى المجتمعات السابقة على الرأسمالية اوتلك المسماه بالإشتراكية فى روسيا والصين وكوبا وشرق اوروبا.

وتدعم النظرية البطريركية التصور المتفق عليه بشكل واسع فى داخل الحركة النسائية، والقائم على وجوب الفصل بين صراعين, هما صراع الحركة العمالية ضد الرأسمالية ومن أجل تحقيق الاشتراكية, والصراع الذى تخوضه النساء ضد السيطرة الذكورية. ومن الناحية المنطقية فإن الفصل بين الصراعين هذا يفترض انفصال التطور الإجتماعى للجنسين فى المستقبل, وهو المنطق الذى لا يقبله المؤيدون لنظرية البطريركية. ولكن إذا كانت البطريركية هى الطريقة التى يقوم بواسطتها جميع الرجال بإضطهاد جميع النساء, فكيف يمكن التغلب عليها فى ظل استمرار التفاعل بين الرجال والنساء؟

اريد هنا ان اقدم طرحا مختلفا تمام الإختلاف, وان أرفض مفهوم البطريركية الذى يمكن إعتباره فى افضل الأحوال مفهوما مشوشا يشير ببساطة اضطهاد المراة دون ان يكون قادرا على طرح تفسير لهذا الاضطهاد. كما انه فى اسوء الأحوال يعد مفهوما مثاليا ليس له اساس فى الواقع المادى. وأريد أن أبين أن المستفيد من قهر النساء هو رأس المال وليس الرجل. كما أود البحث فى االتغيرات التي حدثت في طبيعية الأسرة وكيفية تأثيرها على تغير تصور النساء عن أنفسهن. ولعله من المأمول أن نوضح أن إستمرار قهر النساء ليس نتاج مؤامرة ذكورية (أو تحالف بين العمال الذكور والطبقة الرأسمالية), ولكنه نتاج لديمومة المجتمع الطبقى فى العالم أكمل. وسوف أقوم بعد ذلك بالمجادلة بأن الدول المسماة بالإشتراكية ليس لها علاقة فعلية بالاشتراكية ولا بتحرير المرأة.

وأخيرا أريد أن أبحث فى السؤال الذى دائما ما يطرح على الإشتراكيين, والمتعلق استمرار وجود الأسرة الأسرة البروليتارية (هامش: البروليتاريا هي الطبقة العاملة والاسرة البروليتارية هي الأسرة العمالية) رغم اعتقاد أنجلز والماركسيين الأوائل بأنها سوف تختفى بسبب عدم أستنادها إلى علاقات الملكية، وذلك على عكس الأسرة البرجوازية (هامش: البرجوازية هي الطبقة المستغلة في المجتمع الراسمالي). ونظرا لأنى لا اعتقد أن بقاء الأسرة العمالية لا يرجع إلى السيطرة الذكورية، فأنى أود أن أتناول بدقة ما الذى يؤدى إلى استمرار وجود الأسرة.

الأشكال المختلفة للنظرية

إن الشئ الطريف بالنسبة للنظرية البطريركية هو أنها تستطيع أن تقدم الحل السحري للجميع، ذلك أنها تتغذى على “المشاعر الغامضة” التى تفتتن بها قطاعات من الحركة النسائية أكثر من إعتماد هذه النظرية على تحليل مادى لمسالة اضطاد النساء. ومن ثم فانه حتى البحث عن تعريف للفظ البطريركية يصبح مسألة صعبة نظرا لوجود الكثير جدا من التعريفات التى يمكن الاختيار فيما بينها.

يمكن على سبيل المثال أن تشير البطريركية إلى نوع المجتمعات التى يكون فيها الأب (البطريرك) مسيطرا ليس فحسب على نساء العائلة وانما على الذكور الاصغر سنا ايضا. وتعتمد مثل هذه المجتمعات على الانتاج الفلاحى او الحرفى, ويمثل المنزل, على الاقل جزئيا, القاعدة الانتاجية لها. وتنبع سلطة البطريرك من حيازته للثروة المنتجة ومن ملكيته للارض. غير أنه فى معظم الاحيان لا يقصد بالبطريركية تلك المجتمعات التى وجدت فى لحظة تاريخية معينة. ذلك أنه حتى منظرى البطريركية الأكثر تشوشا, باستطاعتهم أن يدركوا أننا لا نعيش اليوم فى فى مثل هذا المجتمع الفلاحى, ولذلك فان ما يعنيهم هو القهر الذى تعانى منه المرأة فى الوقت الحالى.

و يمكن القول ان نظرية البطريركية تتخذ شكلين اساسيين:

فأولا هناك من يرون البطريركية كمصطلح أيديولوجي أو فكري صرف.

فعلى سبيل المثال ترى جولييت ميتشيل ان هناك حد قاطع بين مجالين مستقلين نقوم بالتعامل معهما, هما النمط الاقتصادى الرأسمالى, والنمط الايديولوجى البطريركي (1). وتطرح كل من سالى ألكسندر وباربرا تايلور أطروحات مثيلة فى كتابهما “دفاعا عن البطريركية” (2).

غير انه يجب وضع هذا الفصل بين الاقتصاد والايديولوجيا موضع مساءلة. حيث أنه توجد على الدوام صلة بين الاساس الاقتصاد لمجتمع ما والافكارالتى تنبثق فى هذا المجتمع, ومن ثم لا يمكن النظر إليهما كمجالين منفصلين. وكما اوضح ماركس منذ زمن بعيد إنه اذا إعتبرنا أن التاريخ هو مجرد نتاج لهيمنة الأفكار او تعاقبها فانه يصبح من غير المستطاع وضع اى تفسير حول تطور المجتمع.

واذا ما رفصنا التصور الميتافيزيقي لوضع المرأة , فانه يجب البحث فى الظروف المادية التى تجعل البشر يتصرفون بشكل معين –دون غيره— فىعلاقتهم بالعالم ومن ثم في علاقتهم ببعضهم البعض.

ومن ثم فأن أساس قهر المراة, مثله مثل أساس أى ظاهرة إجتماعية أخرى, يجب أن يدرس فى ضوء هذه الظروف. وبذلك يمكننا أن نفهم الطريقة التى ظهرت بها الإفكار التى تبرر هذا القهر ومغزى المعركة التى خاضتها.

إن ما قاله ماركس عام 1845ينطبق على مسالة قهرالمرأة كإنطباقه على أية ظاهرة اخرى فى مجتمعنا. فقد أعتبر ماركس أنه ” لكى نصل إلى حقيقة الإنسان, نحن لا ننطلق من أقواله أو تخيلاته أو تصوراته, كما لا ننطلق من الذى يتم روايته أوتخيلة أو تصوره عنه. وأنما ننطلق من الإنسان الحقيقى والفاعل, وعلى أساس الحياه الحقيقية للبشر, لنبين تطور الإنعكاسات والأصداء الأيديولوجية لهذه الحياة, كالأخلاق والدين والغيبيات وكل ما تبقى من الأيديولوجيا وما يقابلها من اشكال مختلفة للوعى. ومن ثم فإننا لم نعد نحتفظ بتلك الصورة المستقلة لأشكال الوعى, التى ليس لها تاريخ أو تطور فى حد ذاتها. لكن البشر, عبر تفاعلهم المادى وقيامهم بتطوير الإنتاج المادى, يغيرون, مع التغير الفعلى لحياتهم, تفكيرهم ومنتجات هذا التفكير. إن الحياة لا تتحدد بالوعى, وإنما الوعى هو الذى يتحدد بالحياة.”(3)

وعلى النقيض من ذلك, اذا اعتبرنا ان البطريركية هى نمط فكرى, فان ذلك يعنى ان الافكار تدعم نفسها بنفسها ولا يوجد لها أساس مادي. وآنذاك يصبح النضال من اجل تحرير المراة منفصلا عن النضال ضد الاستغلال الذى يمكن ان يربط بين المصالح الحياتية لملايين العمال من الرجال والنساء. وبدلا من ذلك يصبح هذا النضال –كما تدعو ألكسندر وتايلور— مجرد نضال ثقافى لأجل تغيير افكار البشر بمعزل عن تغيير المجتمع. ومن هذا المنطلق يصبح من السهل أن ندرك كيف تتطور الأفكار الداعية إلى حركة مستقلة للمرأة. غير انه اذا كانت الافكار تتمتع باستقلالية عن الاستغلال الاقتصادى, فلماذا لا يكون النضال ضد قهر المراة مستقلا أيضا؟

إن إدراك بعض النساء لهذا التناقض جعلهم يحاولن تطوير نظريات مادية للبطريركية, فيجادلن بأن جميع الرجال يستفيدون من قهر النساء، وانهم قادرين على ذلك بسبب الفروق البيولوجية الجوهرية بين الجنسين. وهنا توجد اسس البطريركية. وكما تشير روبرتا هاميلتون: “ان تحليل الحركة النسوية يخاطب الايديولوجيا البطريركية, هذا النمط البطريركى الذى يقف وراء سيطرة الذكر وخضوع الانثى فى اى مجتمع كان. لكن هذه الايديولوجيا تستند الى الاختلافات البيولوجية بين الجنسين, وهو ما يعطيها اساسا تاريخيا خاصا بها.(4)

وتطور كريستين ديلفى فى كتابها العدو الاساسى(5), هذه الاطروحة المادية إنطلاقا من رؤية نسوية راديكالية. وقامت هيدى هارتمان بمحاولة مثيلة عبر استخدامها لمقولات ماركسية. وقد اردت ان أتناول هذه الاخيرة بدرجة من التوسع. فإذا كان من الممكن إثبات خطأ هذا لنوع من المقولات فان محاولة الدمج بين النظرية البطريكية وبين الماركسية تتهاوى بكاملها.

التالي »