بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النظريات البطريركية

« السابق التالي »

3. ولكن هل هذه الطريقة في تفسير الأحداث صحيحة؟

ان تطور الرأسمالية فى بريطانيا أدى إلى تدمير الانتاج المنزلى ودفع النساء والاطفال مثلهم مثل الرجال إلى نظام المصنع. وكان ذلك له اثرا مدمرا على اعادة انتاج الطبقة العاملة. فقد بلغت معدلات وفيات الاطفال حدا مرعبا نظرا –وكما اوضح ماركس فى راس المال— لطول ساعات عمل النساء خارج المنزل. فقد كان الأطفال يتركون مع اطفال اكبر قليلا او مع أفراد يناط هم العناية بالأطفال، والذين يهملونهم او يعملون على ابقائهم هادئين بواسطة مشروب الجين او صبغة الافيون. وعندما يكبرهؤلاء الأطفال إلى الحد الكافى ليصبحوا قادرين على العمل على الآلة, يتم دفعهم أيضا للعمل فى المصانع. وكما يبين ماركس فان: “البديل الجبار للعمل وللعمال, اى الالة, كانت تتحول بدرجة سريعة الى وسيلة لزيادة اعداد العمال الاجراء, عبر الايقاع بكل أفراد أسرة العامل تحت النفوذ المباشر للراسمالية, دون تفرقة عل اساس من السن او الجنس.”

ان هذه الاوضاع التى يصفها ماركس فى “رأس المال” وأنجلز فى “حالة الطبقة العاملة الانجليزية”, (8) تبين كيف كان نظام المصنع مرعبا فى مرحلته المبكرة. إن أثر هذا النظام الجديد كان تفسخ الاسرة نتيجة إلى تحول كل عضو فيها الى عامل اجير. ومن ثم فقد وضع الإستغلال الرأسمالي, رغم قسوته, أسس المساواة بين رجال ونساء الطبقة التى لا تملك، اى البروليتاريا. فكلاهما أصبح مضطرا للإعتماد على العمل الماجور وفقد الرجال وضعية المالك الذي يتحكم في الزوجة والأطفال. ولهذا السبب وضع انجلز مثل هذه التفرقة بين الأسرة البرجوازية والأسرة البروليتارية. وكان انجلز محقا آنذاك عندما اشار الى وجود اتجاه نحو فناء أسرة الطبقة العاملة.

ولكن ما لم يقدرة انجلز التقدير الصحيح هو أثر نظام المصنع على عملية إعادة إنتاج النوع نفسها. ففى مانشستر التى كانت ربما أكثر مراكز الانتاج المصنعى تقدما, بلغ عدد وفيات الاطفال 26،126 لكل 100،000 طفل عمرهم اقل من سنة واحدة (9) وهو ما يعادل ثلاثة أمثال نظيره فى بعض المناطق غير الصناعية. ومن ثم فإن العناصر الابعد نظرا بين الطبقة الحاكمة كان بإستطاعتهم أن يدركوا أن النظام الذي يضمن إمداد الرأسمالية بقوة العمل المسبقبليه كان جارى تدميره.

وكان نتيجة لتلك الأوضاع أن ظهرت المطالبة بتشريعات حمائية وبأجر يناسب الأسرة. وقد تناسبت هذه المطالب مع الحاجات المتغيرة للرأسمالية ولكنها نتجت أيضا جزئيا من حرص رجال ونساء الطبقة العاملة الفعلي على تحقيق مستوى معيشة أفضل وظروف إنجاب أكثر أمنا ومنازل أكثر نظافة.

جادل منظرو البطريركية مثل هارتمان بأن الرجال تحالفوا مع رأس المال لإستبعاد النساء من بعض الوظائف. وفي حقيقة الأمر، كانت هناك محاولات بهذا الصدد، حيث قام العمال الحرفيون المهرة بإستخدام نقاباتهم من أجل إستبعاد النساء من بعض الحرف. لكنهم لم يستبعدوا النساء فحسب, فلم يكن متاحا لأبناء العمال غير المهرة والعمال المهاجرين فرصة للتدريب على هذه الحرف أكثر من تلك الفرصة المتاحة للنساء. ومن ثم فقد تم إستبعاد أى شخص لم يتتلمذ فى هذه الحرف. إن ما تطرحة هارتمان إذن هو مد لمفهوم البطريركية لحدود عبثية بهدف إعطاء معنى لما تسميه “تفوق الذكر الأبيض”. ولعلنا نتجاوز العبثية إذا ما حاولنا أن نواءم بين مفهوم البطريركية والحقائق التاريخية فنقول “تفوق الذكر الأبيض الماهر” الذى لا يمارس التمييز فقط ضد جميع النساء وجميع المهاجرين ولكن ضد غالبية العمال الوطنيين أيضا بسبب كونهم عمال غير مهرة.

والاكثرمن ذلك إن بعض المجالات التى تم إستبعاد النساء منها لم تكن بها إتحادات نقابية أو كانت لها اتحادات ضعيفة، وفى حالة لا تتيح لها إستبعاد اى فرد. إن إقرار التشريعات التى تستبعد النساء من بعض الصناعات قد تم بواسطة البرلمانات البرجوازية نتيجة للإعتقاد بأن ظروف العمل فى هذه الصناعات كانت مضرة لعملية خلق الجيل القادم من العمال – سواء حدث ذلك بشكل مباشر حيث كانت النساء الحوامل تقمن بأعمال تضر بالجنين, او بشكل غير مباشر حيث لم تسمح لهن ساعات العمل بأن يلعبوا الدور المناط بهم لتنشئة الاطفال. اذن فلم يكمن الدافع لاستبعاد النساء في “الرجل البطريركى” وانما ارتبط هذا الاستبعاد برؤية الرأسمالية لإحتياجاتها المستقبلية.

ومن ناحية أخرى، فإن النظرية التى تقول أن أجر الأسرة – أي الاجر الذى يعطى للرجل لا لكى يكفيه فحسب وإنما يكفى لمعيشة اسرته ايضا- كان نتاج مؤامرة رأسمالية بطريركية لإبقاء النساء خارج العمل، هي نظرية لا تستطيع الصمود. ذلك أن أجر الأسرة أصبح فى مصلحة رأس المال, بمجرد أن سمح تطور قوى الانتاج بخلق القيمة التى تكفى لتغيطة تكلفة اعادة انتاج الاسرة بكاملها، وإمداد الراسماليين بربح كاف في نفس الوقت. ويصبح إذن بإستطاعة نساء الطبقة العاملة المتزوجات أن يكرسن أنفسهن للأعمال المنزلية وتربية الأطفال, مما يضمن حالة إنتعاش وإنتاجية افضل لرجال الطبقة العاملة, وظروف صحية وتنشئة أفضل للجيل التالى من العمال. ومع ذلك فلم يشمل أجر الأسرة أبدا الطبقة العاملة بأكملها, وظل هناك عدد متزايد من النساء المتزوجات اللاتى يعملن باجر – حتى لو كان عدد هؤلاء النساء أقل نسبيا من الرجال. كما كان على الأبناء الأكبر سنا الخروج للعمل من أجل الأسرة.

لكن أجر الأسرة لم يحقق فائدة مادية للرجال, حيث لم يكن يكفي سوى لتغطية الحد الأدنى المطلوب لإعادة إنتاج الأسرة، أى القدرالمطلوب للحفاظ على حياتها. فلم يسفر هذا الأجر بالتاكيد عن رفع مستوى إستهلاك العامل الذكر, حيث أنه كان بشكل عام أدنى بدرجة كبيرة من الدخل المشترك للعائلة الذى كان سيتم الحصول عليه فى حالة عمل الزوجة والاطفال. وفي الحقيقية فأن العامل كان يحصل على دخل متضمن أجر العائلة, إلا أن كافة الضغوط القانونية والايديولوجية الممكنه قد استخدمت لتشجيع انفاق هذا الدخل لأجل الحفاظ على حياة الأسرة بكاملها لا على متع الرجل الشخصية.

ومن ثم فإن افتراض أن إرتفاع أجر العامل ليشمل اجر الاسرة، يحقق ميزة للرجل يعنى عدم فهم نظام الأجر فى كليته, كما يعبر عن الاهتمام بشكل هذا النظام لا مضمونه, وعن التشوش في فهم الطريقة التى تظهر عليها الأشياء فى الرأسمالية, حيث يبدو صاحب الأجر كما لو كان السيد المستهلك الذى له حرية إستخدام الدخل الذى يملكه, بدلا من إدراك أن هذا الدخل يجب إنفاقه فى إعادة انتاج الأجيال القادرة على خدمة رأس المال. وفى ظل نظام أجر الأسرة, تعانى المرأة المتزوجة طالما كانت مستبعدة من اامشاركة فى الانتاج الرأسمالى المباشر, ومن ثم فإن مثلها مثل العاطلين عن العمل, تحرم حتى من الظهور بمظهر المستهلك المتحكم. ويعد ذلك جانبا مهما مما نعنيه عند قولنا أن الزوجات اللاتى بلا عمل مقهورات بينما العمال مستغلون. لكن ذلك لا يعنى بأي حال أن الرجال يستفيدون من قهر النساء.

وبالطبع كان هناك بديل للمطالبة بأجرالأسرة يتمثل فى النضال من أجل تسهيلات كافية لرعاية الأطفال, وأوقات مخصصة لانصراف الامهات من العمل, وأجر متساوى. وتبين هارتمان أنه: ” بدلا من النضال من أجل أجور متساوية لكل من الرجال والنساء, أراد العمال الذكور الحصول على أجر يكفى للعائلة, حيث أرادوا الحفاظ على الخدمات التى تقدمها لهم الزوجات داخل المنزل. فقد كان من الممكن فى حالة عدم وجود البطريركية أن تقوم طبقة عاملة موحدة بالتصدى للرأسمالية, لكن العلاقات الإجتماعية البطريركية قسمت الطبقة العاملة وسمحت برشوة احد طرفيها (الرجال) علىحساب الطرف الاخر (النساء)”.(10)

« السابق التالي »