بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النظريات البطريركية

« السابق التالي »

4. لكن هل كان ذلك الفعل هو البديل المطروح؟

فأولا لم يكن العمال الذكور يمثلون طبقة موحدة ومنظمة بوعي كما تدعى هارتمان. فلم يكن غالبية العمال حتى اعضاء فى النقابات, وظلوا لفترة طويلة عقب انهيار التشارتية (هامش: الحركة الميثاقية وهي حركة إصلاحية تبنتها الطبقة العاملة الريطانية في النصف الأول من القرن التاسع عشر وطالبت بتعميم حق الانتخاب والترشيح للرجال وبسرية الاقتراع) عازفين تماما عن الانخراط فى نظالات ذات طبيعة عامة. كما قبل هؤلاء العمال أفكار وأطر الرأسمالية ومنها الأيدولوجية السائدة بشأن المرأة. ومن ثم يصعب على المرء ان يتوقع قيامهم بالنضال من اجل تنشئة افضل للاطفال طالما أحجموا عن خوض نضالات من أجل اشياء أخرى.

وثانيا كانت هناك مشكلة بالنسبة لنساء الطبقة العاملة اللاتى يعملن, وهى الخطرعلى الحمل وعلى معدل إنجاب الاطفال. أما الآن, فالنساء فى أى من الدول الرأسمالية المتقدمة, ترفضن إنجاب العديد من الأطفال – إذا قبلن الإنجاب من الاساس. إن إمكانية حصولنا على موانع للحمل, حتى لو كانت غير كافية, لم تكن متخيلة إطلاقا بالنسبة للأجيال الماضية. فبالنسبة لهؤلاء النساء لم يكن هناك بديل لقضاء الحياة فى انجاب الأطفال, غير المرغوب فيهم عادة, سوى الإمتناع عن ممارسة العلاقة الجنسية. ومن ثم فبانسبة لرجال ونساء الطقة العاملة، كان إنجاب الاطفال أمرا واقعا. وفى ظل هذه الظروف، عادة ما يرغب كلاهما فى تحقيق الحماية النساء. ويفسر ذلك –بطريقة افضل من نظرية المؤامرات ذكورية— لماذا كانت النساء تتركن العمل عند الزواج, ولماذا كان الرجال يحصلون على أجر الأسرة.

غير أنه لا زالت هناك حقيقة أن هذه الخطوات الخاصة بأجر الأسرة واستبعاد النساء من بعض الأعمال قد وجهت لطمة لفرص النساء فى التغلب على وضعهن الإجتماعى المتدنى. فقد قدمت الرأسمالية الشروط الكامنة للمساواة بين النساء والرجال, لكن هذه المساواة لم تكن لتتحقق فعليا داخل هذا النظام. فلصالح اعادة انتاج قوة العمل, تم عزل النساء فى المنزل وبالتالي تفتيت وحدتهن. وكان يعتقد أن وظيفتهن تتمثل فى خدمة أزواجهن وأسرهن, وبالتالي فقد حرموا من الاستقلال المالى. إلا ان هذا “النموذج المثالى” لم يعبر ابدا عن واقع حال كل نساء الطبقة العاملة, حيث أن العديد منهن ظللن منخرطات فى العمل المأجور بشكل دائم.

غير ان الافكار السائدة التى كانت تروج لمفهوم الاسرة باعتبارة مفهوما مقدسا, كانت تسعى لإسقاط نموذج العائلة البرجوازية على الطبقة العاملة من أجل ضمان اعادة انتاج النوع. و كان أن قبل رجال ونساء الطبقة العاملة هذا النموذج للاسرة باعتبارة النموذج “الطبيعى”, حتى لو لم يكن متوافقا مع واقع حياتهم الشخصية.

وحتى فى يومنا هذا , حيث أدى تطور الرأسمالية إلى دفع غالبية النساء الى سوق العمل, فان الصورة التقليدية للمراة لم تختف, وان كانت قد تآكلت بدرجة حادة. إن سلوك المجتمع تجاه المراة وكذلك سلوك النساء نحو انفسهن قد تطور بدرجة هائلة تحت التاثيرالمزدوج لسيطرتهن على الانجاب بسبب ظهور موانع الحمل، ودخولهن سوق العمل. ان الطريقة التى اثر بها تغير الاوضاع المادية على تغير السلوك تجاة المراة تعد فى حد ذاتها ردا على المقولة التى تعتبر قهر المرأة نتاجا لسيطرة أيديولوجيا ذكورية غامضة غير قابلة للتغير.

تجادل هارتمان بأن الرجال يستفيدون من عمل النساء داخل المنزل وتتساءل: “من يستفيد من عمل النساء؟ بالتاكيد الرأسمالية, ولكن بالتاكيد ايضا الرجال, الذين بصفتهم أزواج وآباء, يتلقون خدمات شخصية من النساء داخل المنزل. إن مضمون وحجم هذه الخدمات قد يتغير بحسب الطبقة أو الجماعة الإثنية او العنصرية, لكن حقيقة أنهم يستفيدون من عمل النساء لا تتغير. فالرجال يتمتعون بمستوى حياة أعلى مقارنة بالنساء فيما يتعلق بالإستهلاك الترفيهى وأوقات الفراغ والخدمات الشخصية”.

أنه لمن الحقيقى بالطبع أن النساء يتحملن الآن الجانب الأعظم من عبء رعاية الاطفال والاعمال المنزلية. ولكن هل ينتج من ذلك أن الرجال يستفيدون من عمل النساء؟ إن تقسيم العمل يعنى قبل كل شئ أن الرجال يقومون بأعمال مختلفة فى المصنع عن تلك التى يقومون بها فى المنزل . ولكن القول بان عمل اللحام هو افضل او أسوء العمل المنزلى يعنى النظر إلى كل من نوعى العمل بطريقة ذاتية تماما وغير قابلة للقياس. وينطبق ذلك أيضا على وقت الفراغ, حيث يحظى الرجال بأوقات فراغ محددة من حيث الساعات، يميلون إلى قضائها فى أنشطة إجتماعية (مثل كرة القدم)، بنفس درجة نزوعهم إلى الحصول على ساعات عمل أكثر تحديدا. ولكن لا يمكن القول ببساطة ان هذه الساعات اكثر من تلك المتاحة للنساء.

إن العمل المنزلى, وفقا لتعريفة, هو عمل لا يخضع لايقاع مفروض من قبل الاستغلال الرأسمالى, فى المصنع أو مكان العمل. فهو لا يتضمن القيام بمجهود مكثف لعدد محدد من الساعات يتبعها فترة من الاستجمام تسمح بالعودة إلى القيام بهذا المجهود المكثف المحدد زمنيا. ولذلك فأنه لا توجد طريقة لقياس وقت العمل المنزلى ومقارنته بوقت العمل فى نظام المصنع. إن كل ما يمكن قولة بتيقن هو أن كل من عمل المصنع والعمل المنزلى عملان مضنيان يؤدى أحدهما إلى امراض ناتجة عن العمل – وهو ما يفسر لماذا تظهر أعراض أمراض مثل التهاب الشعب الهوائية لدى الرجال بدرجة اكبر منها لدى النساء وكذلك إصابات العمل المفجعة والارهاق الحاد والموت المبكر عادة— بينما يؤدى الآخر إلى تحطيم الروح المعنوية والعزلة وعدم الإحساس بالأمن والعديد من العلل التى عادة ما يتجاهلها الأطباء. إن الضرر الهائل الذى تعانيه النساء ليس إستغلال الرجال لهم بدرجة ما, ولكن عزلتهن وبعدهن عن المشاركة فى العمل الجماعى والتى يمكن أن تعطيهن الثقة لأجل النضال ضد النظام.

وفى الحقيقة فإن مشكلة المنافع التى يحصل عليها الرجال، يمكن ان تظهر فقط بشكل حقيقى فى حالة الخروج عن تقسيم العمل النمطى بين “الذكر العامل” و”الأنثى ربة المنزل”. فإزاء الاندفاع المتزايد للنساء المتزوجات إلى سوق العمل, تجد الكثير منهن أن عليهن القيام بتسيير أمور المنزل عقب إنتهاء يوم العمل المأجور الكامل. ومن ثم يكون لديهن وقت للاستجمام أقل بكثير من ذلك المتاح لأزواجهن، حيث يجب عليهن الجمع بين الاعمال المنزلية والعمل خارج المنزل. غير انه حتى فى هذه الحالات فمن المشكوك فيه أن تزيد منافع الأزواج عن كونها منافع هامشية. إن الجوانب المضنية والأكثر إرهاقا فى العمل المنزلى هى تلك المتعلقة برعاية الاطفال، حيث ان “العالة” الكبير على عمل النساء المنزلى هو الطفل. غير أنه ليس الزوج هو المستفيد من وجود الطفل, وإنما رأس المال الذى يضمن وجود مصدر مستقبلى لفائض القيمة. إن مجرد معاناة النساء من عبء مزدوج يتمثل فى فائض القيمة المباشر الذى ينتجونه فى المصنع أو المكتب، وإعادة إنتاج مصادر مستقبلية لفائض القيمة فى المنزل لا يعني أن العبء المفرد الواقع على الرجل هو أقل من ذلك الواقع على المرأة.

وعلى ذلك أريد أن أقول أن الرجال لا يستفيدون من عمل المراة فى الأسرة –حيث يحصل النظام الارسمالى على الفائدة بأكملها— وأنه ليس حقيقيا أن الرجال ورأس المال يتآمرون لأجل منع النساء من المشاركة فى الناتج الاقتصادى .

أننا نعيش فى حقبة يزيد خلالها عدد النساء العاملات فى الدول الأكثر تقدما عن مثيلة فى أى فترة تاريخية سابقة، كما تختلف الوظائف التى يقمن بها عن تلك التى يقوم بها الرجال. وبهذا المعنى يظل تقسيم العمل على أساس النوع باقيا كما كان من قبل.

كما تكون أجور الرجال والنساء بعيدة عن التساوي نتيجة لأن النساء عادة ما يقطعن فترات العمل بالإنجاب –وان كان ذلك يحدث بمعدل أدنى بكثير مما كان علية الحال منذ جيلين. ولا يزال متوقعا منهن أن يلعبن الدور الأكبر فى العناية بالاطفال إلى جانب العمل.

غير أن طبيعة الوظائف التى تشغلها النساء يرتبط كثيرا بالتطور الراسمالى فى الحقبة التى شهدت دخول النساء قوة العمل – وبخاصة التوسع فى قطاع الخدمات— أكثر من كونه مرتبطا بوجود مؤامرة ذكورية تريد حصر النساء في مهن بعينها. ويصبح ذلك واضحا بشكل خاص إذا ما قارنا وظائف النساء بتلك التى يشغلها المهاجرون من الجنسين. ذلك أن عمل كلاهما يتركز فى أعمال النظافة والنقل والمطاعم والصناعات الخفيفية وصناعات الأعذية— مع وجود إستثناءات قليلة مثل العمل فى المسابك. ويعود هذا التشابة بين المهن التي يشغلها كل من المهاجرين والنساء إلى أن كلاهما قد دخلا قوة العمل فى أوقات متقاربة. ومن ثم فإن عزل النساء في وظائف بعينها لا علاقة له بالدور الذى يقمن به فى المنزل.

وأحيانا ما يقال أن وظائف النساء تمثل إنعكاسا للأمومة والعمل المنزلى, ولكن صناعة تعليب الخضروات لا يمكن بأية حال إعتبارها إمتدادا لنوع العمل الذى تقوم به النساء فى المنزل. ونفس الشئ بالنسبة لوظيفة صرافة البنك وكاتبة الملفات وأمينة الخزينة وعاملة التليفون. وفى المكاتب تلعب النخبة من السكرتيرات المميزات فقط دور الزوجة البديلة للمديرين, أما غالبية النساء العاملات فى وظائف كتابية لا يلعبن هذا الدور بالتأكيد.

وحتى الكساد الحالى لم يؤد إلى طرد النساء بالجملة خارج قوة العمل. وتزعم هارتمان أن “من أعراض سيطرة الرجال ان تعطل النساء لم ينظر إليه أبدا بإعتباره مشكلة. وفى الثلاثينيات, تم التعامل مع البطالة واسعة النطاق عبر إستبعاد النساء من كافة أنواع الوظائف، وتم أتباع نظام أجر واحد للعائلة, وكانت الوظيفة للرجل.”(12).

إن ما تقوله هارتمان هو ببساطة تصور خاطئ، حيث تثبت أحدى الدراسات حول العمل فى الولايات المتحدة إن النساء دخلن قوة العمل خلال عقد الثلاثينيات بصورة أكبر منها فى أى وقت سابق فى التاريخ الامريكى, وذلك رغم الخطاب الذى كان يتبناه آنذاك بعض الرجال ومن ضمنهم بيروقراطيو إتحادات العمال مثل صامويل كومبرس, والذى كان انعكاسا لتاثير الازمة. ونفس الشئ ينطبق على فترة الكساد العظيم فى المانيا. فبالرغم من تأييد جميع الأحزاب –باستثناء الحزب الشيوعى— ترك النساء المتزوجات لوظائفهن، فإن نسبة مشاركة النساء فى قوة العمل إرتفعت فى الفترة من 1928 إلى 1935 من 35,3% الى 37.3%. وكان ذلك بسبب تزايد عمل النساء المتزوجات. وحينما كان يلقى بالرجال خارج الصناعات التقليدية, كان النساء يجبرن على الدخول إلى سوق العمل وفقا لأى أجر.

ويمكننا أن نرى اليوم نزوعا مشابها. ولايعنى ذلك بالطبع إن رأس المال قد أصبح منحازا للمراة ضد الرجل, ولكنه يعنى أن رأس المال سوف يستخدم الأيديولوجيا التى ترى أن مكان المراة هو المنزل لأجل فرض أجور منخفضة, وإضعاف إتحادات العمال ووضع ظروف أسوأ للعمل. إن السؤال الذى يجب أن تجيب عليه النظرية البطريركية هو أنه إذا كان رأس المال والرجال قد تحالفا بالفعل فلماذا لم يتم القذف بالنساء خارج سوق العمل وإحلال العمال المتعطلين فى قطاعات المناجم والصلب والسفن محلهن؟

« السابق التالي »