بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النظريات البطريركية

« السابق التالي »

5. هل طبيعة الأسرة لا تتغير؟

تشترك جميع النظريات البطريركية فى الإعتقاد بأن سيطرة الذكر ظلت على حالها بغض النظر عن التغيرات الاخرى فى المجتمع. إذا فالبطريركية تدوم ويتم النضال ضدها بمعزل عن النضال ضد الرأسمالية. وفى النظريات البطريركية البيولوجية, تعزى المشكلة إلى الإختلافات الجسمانية بين الرجال والنساء. ومن الناحية المنطقية يكون الحل في هذه الحالة هو إستئصال او إزالة هذه المخلوقات. غير أن هذه المقولات من السهل ضحدها، وهي لا تحظى إلا بتأثير محدود فى بريطانيا على أية حال
.
أما المقولات الاكثر نفوذا فهى من النوع الذى يطرحه أشخاص مثل هارتمان, التى ترى الرأسمالية والبطريركية بمثابة قوتين مختلفتين تتحالفان ضد النساء. وتقول لنا ان “الماركسيين يبخسون بتأثير القوى الإجتماعية البطريركية الموجودة من قبل والتى يجب على الرأسمالية الناهضة ان تتحداها وتتكيف معها فى نفس الوقت.” غير أن هذا الرأي يفترض أن الأسرة بشكلها القديم السابق على الرأسمالية إنتقلت إلى الرأسمالية دون أن يلحق بها أى تغير.

وهكذا فان هذه المقولة تعد جزءا من مقولتها الأكثر عمومية بشأن وجود شكلين للانتاج فى المجتمع الطبقى هما العمل والاسرة, ويتضمن أحدهما نمطا للانتاج والآخر نمطا لإعادة انتاج النوع أو التناسل.

وتقوم هارتمان بتبرير هذا الزعم عبر نقل جزء من مقدمة أنجلز الاولى فى أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة(16): “ان العنصر الحاسم فى التاريخ هو الانتاج وإعادة إنتاج الحياة المباشرة من جانب، أي انتاج وسائل الوجود كالمأكل والملبس والمأوى والأدوات الضرورية للقيام بهذا الإنتاج، ومن جانب آخر إنتاج البشر انفسهم, أي إنتشار النوع. ويتحدد التنظيم الإجتماعى الذى يعيش فى ظله الناس خلال حقبة تاريخية بعينها طبقا لهذين النوعين من الإنتاج.”

ترى هارتمان أن النمطين المذكورين للانتاج متساويا في الأهمية، منتقد بذلك الماركسيين الذين يشيرون إلى الانتاج الاقتصادى بإعتباره نمط الإنتاج الوحيد. وتجادل بأنه :”يبدو أنه ليس هناك إرتباطا ضروريا بين التغيرات فى أحد جانبى الإنتاج والتغيرات فى الجانب الاخر.”(17) بمعنى آخر “يمكن ان يتغير كل من نمطى الإنتاج بشكل مستقل عن الآخر, فيمكن محو الرأسمالية مع بقاء السيطرة الذكورية كما هى دون تغير.

إلا أن الماركسسبن دائما ما تبنوا مقولات مختلفة كثيرا عن ذلك. فقد أستطرد أنجلز فى مقدمته لـ “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة” قائلا أنه مع تطور المجتمعات الطبقية، لا تصبح القضية هى تعايش نمطى الانتاج، وإنما يظهر “مجتمع تكون فية العلاقات العائلية خاضعة كلية لعلاقات الملكية”.(18) فمع تطور الراسمالية كنظام عالمى, أي ككلية, فانها تغلف وتغير كافة الأبنية التي كانت موجودة في العصر السابق على الرأسمالية، بما فيها العائلة.

إن طبيعة الأسرة تتغير,ولا يمكن أن يكون الأمر خلاف ذلك. فلم يكن فى إستطاعة الاسرة أن تحافظ على بقائها خلال الإنتقال من الاقطاع إلى الرأسمالية، دون أن تشهد تغيرات جوهرية. ذلك أن هذا الانتقال لم يكن يعبر عن تغير سلمي, وإنما كان بمثابة إضطراب ثورى فى حياة الناس، يتضمن تدميرا لطرق الحياة القديمة, ولكافة الأشكال العتيقة للإنتاج المنزلى, وللوضع التى كانت المراة فى ظله تعتمد فى معاشها على الرجل, وإستبدال هذه الأوضاع بالعمل الماجور المعمم (هامش: أى المفروض على الرجال والنساء دون قصره على أيهما). وبالطبع فان الأسرة تدوم على مر التاريخ وذلك بمعنى بقاء العمليات البيولوجية كما هى وإستمرار إعادة انتاج الحياة. لكن علاقات الإنتاج الإجتماعية تتغير بشكل تام، حيث تخلق الطبقة الحاكمة نوعا جديدا من الأسرة لخدمة مصالحها, ومن ثم فلا يمكن أن توجد الأسرة الجديدة التى خلقتها الرأسمالية بشكل مستقل عن نمط الإنتاج الرأسمالى.

واذا إقترحنا شيئا مختلفا عن ذلك نكون قد أنكرنا أن الأوضاع المادية تستطيع تغيير الأفكار والأبنية الإجتماعية. وترتكب شيلا روبوثام نفس الخطأ حينما تقول أن الأسرة الرأسمالية تحوى عناصر من أشكال الإنتاج الإقطاعي, وبذلك فهى “نمط داخل النمط” (19). غير أن بقايا المجتمعات ما قبل الرأسمالية التى تدوم خلال الرأسمالية لا تظل على الإطلاق كما كانت فى السابق. فعلى سبيل المثال، تعد الملكية أحدى بقايا المجتمع الإقطاعى ولكنها قد تغيرت كلية بواسطة الرأسمالية الى الحد الذى لم يعد لوجودها علاقة بدورها السابق. ونفس الأمر بالنسبة للعائلة التى قد تبدو كما هى –وإن ذلك مشكوكا فيه— ولكن دورها ووظائفها وأسسها قد شهدت تحولا على يد رأس المال. إن إعادة انتاج النوع عن طريق الاسرة ليس نمطا منعزلا، ولكنه جزءا من البناء الفوقى للرأسمالية. إن الغاء النظام الرأسمالى –أى الإطاحة الثورية بالمجتمع – تعنى أن نظام إعادة انتاج النوع، والذى يعتمد على الأسرة, لا يمكن ان يظل على حاله دون تغيير.

تزعم هارتمان أن “مجتمعا ما يمكن أن يشهد على سبيل المثال تحولا من الرأسمالية إلى الإشتراكية بينما يظل مجتمعا أبويا.” (20) لكن ذلك غير ممكن, لأنه مع إلغاء المجتمع الطبقى يتم تحطيم الأساس المادى للأسرة الرأسمالية، عبر إضطلاع المجتمع بمهام بتربية الأطفال وأداء الاعمال المنزلية. ولا يعنى ذلك أنه لن تكون هناك مشاكل غداة حدوث الثورة, فالمشكلات التى واجهت الطبقة العاملة الروسية عندما حاولت أن تنجز هذه الأعمال كانت جسيمة.

كانت للثورة والحرب الأهلية آثارا كبيرة على حياة الرجال والنساء. وفى النهاية ضاعت الثورة نتيجة فشل الطبقة العاملة فى البلدان الرأسمالية المتقدمة فى إتباع الطريق الروسى، وهذا بدوره أدى إلى إنتكاسات قاسية فيما يتعلق بوضع المرأة. ولكن فى السنوات الأولى للثورة، وبفضل الإطاحة بالمجتمع القديم, شهدت النساء بصيصا من فرص الأجر المتساوى ومشاركة المجتمع فى إنجاز الأعمال المنزلية والمزيد من الحرية الجنسية.

أن القهر الواضح للنساء والذي كان موجودا فى البلدان المسماة بالإشتراكية، لم يكن دليلا على السيطرة الذكورية، وإنما كان دليلا على عدم وجود الإشتراكية. فليس مستغربا أن مجتمعا مبنيا على التراكم، لا يسمح بالقيام بأى إنفاق لأجل إضطلاع المجتمع بعملية رعاية الأطفال. فبدلا من ذلك, كان العبء الواقع على النساء ثقيلا كمثيلة فى الغرب. كانت دور الحضانة متاحة بالفعل فى روسيا بدرجة واسعة, إلا أن النموذج الأكثر إنتشارا للعناية بالأطفال كان الجدة أو بعض الأشخاص المناط بهم القيام بهذا العمل. ولم يكن ذلك بالطبع يتطلب إستثمارا من جانب الطبقة الرأسمالية. إن القبول نظريا بأن هذه البلدان هى بدرجة ما أفضل من الغرب الرأسمالي هو الذى أدى إلى قبول النظريات البطريركية: فاذا كان من الواضح أن المرأة غير مساوية للرجل فى هذه البلدان المسماة بالاشتراكية، فلا بد أن يكون الخطأ خطأ الرجل لا النظام الإقتصادى.

ولا تعد الأسرة، التى تتم خلالها إعادة أنتاج النوع، بمثابة مسلمة تاريخية, ولكنها تتغير مع تطور قوى الانتاج. وليس الأمر كذلك فحسب, بل أنه حتى من فترة إلى أخرى فى الرأسمالية لم تظل الأسرة ثابتة.

لقد تم تدمير أسرة ما قبل الرأسمالية مع صعود علاقات الإنتاج الرأسمالية التى خلقت طبقة من العمال الأجراء الأحرار غير المالكين. إن هذا الوضع خلق على الأقل إمكانية لتحقيق المساواة فى العلاقة بين المرأة والرجل. ولعل هذا هو ما أشار إليه أنجلز فى كتاباته المثيره للجدل فى هذا الموضوع. ففى فترة الرأسمالية المبكرة, وقبل سيادة نظام المصنع, كان نظام العمل يتضمن أن يعمل الجنسين كمنتجين مشتركين. ولعله من الخطأ إعتبار هذه الفترة نموذجية، لأنه من الواضح أنها لم تكن عصرا ذهبيا بأى معنى لكنها بالفعل منحت المرأة حرية نسبية مقارنة بالمستويات السابقة من السيطرة الأقتصادية والجنسية للرجل. لكن ظهور نظام المصنع لم يكن يعنى فقط أن العامل الأجير الفرد, رجلا كان أم أمراة, لم يعد مسيطرا على عمله, ولكن ايضا أًصبح نظام إعادة أنتاج النوع بأكمله معرضا للخطر كما بين بوضوح كل من ماركس وأنجلز(22).

ومن هنا كان تحسن مستويات المعيشة وظهور التشريعات الحمائية ونظام أجر الاسرة, وهى كلها تطورات تلبى مصلحة الرأسمالية. ولكن من الحقيقى أيضا أن الطبقة العاملة من الجنسين رحبت بابتعاد المراة عن العمل فى المصانع.

ومنذ الحرب العالمية الثانية, تغيرت الأسرة بقوة أيضا، حيث أدى تزايد مشاركة المرأة فى قوة العمل، مع تصاعد قدرتهن على السيطرة على أجسادهن عبر وسائل منع الحمل وإقرار الإجهاض قانونا، إلى نمو عدد من السلوكيات الجديدة. فلم يضمحل الزواج، ولكن تزايدت عدد حالات الطلاق بشكل عنيف. ذلك أن الرجال والنساء لم يرفضوا مؤسسة الزواج لكنهم لم يعدوا يشعرون بضرورة أن تكون هذه المؤسة أبدية. كما أن سيطرة المرأة على الإنجاب, ودرجة الإستقلال الإقتصادى التى أصبحت تتمتع بها يعنى أن أحد الخيارات المطروحة هو تغيير شريك الحياة، أو إختيار عدم وجود شريك على الإطلاق – لاحظ تزايد حجم العائلات التى ترعاها الأم غير المتزوجة).(23)

ان معدل إنجاب الأطفال فى البلدان الرأسمالية المتقدمة –بما فيها أوروبا الشرقية— قد هبط بالفعل بشكل حاد, مما يدل على أنه أينما يتاح للمراة الاختيار, فأنها لا تنفق حياتها فى إنجاب الأطفال. وتمثل الهجرة أيضا ملمحا من ملامح الرأسمالية. فمع إندثار الصناعات القديمة, يكون على العمال فى الرأسماليات المتقدمة ترك أسرهم طلبا للعمل. ومع توسع صناعات بعينها, يؤتى بالعمال من جنوب أوروبا وآسيا إلى معاقل الصناعة لتلبية الطلب على قوة العمل الرخيصة والراضخة. ويكون لمثل هذه الحركة آثارا ضخمة على الأفكار التقليدية بما فيها تلك المتعلقة بالأسرة. إلا أن الأسرة تظل مكانا خانق وأحمق يتم فية تعلم وتدريس السلوكيات والأدوار, ويجرى خلالها نقل القيم والتحيزات عبر الأجيال. وتتغير الأسرة لتناسب حاجة الرأسمالية لكنها لا تختفى, حيث يتطلب الأمر إنقلابا خارج الاسرة حتى يتم البدء فى تحقق ذلك.

« السابق التالي »