بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النظريات البطريركية

« السابق التالي »

6. ما الذي يحافظ على استمرار الأسرة؟

إذن فما الذى يحافظ على بقاء الأسرة اليوم؟ إذا لم نوافق على أن المصلحة المادية للرجال هي التى تقوم بذلك فماذا إذن؟

يعتمد وجود الأسرة على عاملين أساسيين, رغم مساهمة عديد من العوامل المساعدة أيضا. فيجب النظر اولا الى المصالح الاقتصادية لرأس المال فى الحفاظ على بقاء الأسرة. إن الدور الذى تلعبه الأسرة فى إعادة إنتاج القوى العاملة والأجيال التالية من العمال قد تم توضيحه بإستفاضة (24). ويسمح كل من وجود أجر الأسرة –حتى إذا كان هذا الأجر يكفي بالكاد عملية إعادة إنتاج الأسرة ويحتاج إلى الدعم عن طريق المنافع التى تقدمها الدولة وعبر عمل الزوجة لبعض الوقت— ووجود العمل المنزلى المجانى، بأن تكون تكلفة إعادة إنتاج النوع رخيصة للغاية.

وإذا كان النظام الراسمالي قادرا على تحقيق نموا متواصلا خلال عديد من العقود, فأنه يفترض إمكانية إحلال آليات أخرى محل الوظيفة الاقتصادية للأسرة. وكما أوضحت إيرين بروجيل بشكل قاطع فانه قد يكون ممكنا بالنسبة للنظام أن يرفع من من فائض القيمة الكلى إذا كان القيام بمعظم أو كل العمل المنزلى والاعتناء بالاطفال يجري بواسطةالعمل المأجور المنظم على أساس رأسمالى, على ان يتم تحرير جميع النساء من هذه الأعمال، لأجل إنتاج القيمة وفائض القيمة لمصلحة رأس المال (25). بيد أن تنظيم عملية إعادة إنتاج الأسرة بهذه الطريقة يتضمن إنفاق مصروفات هائلة تستثمر فى وضع تسهيلات جديدة للعناية بالأطفال، وهو ما يستحيل القيام به فى ظل المرحلة الراهنة من أزمة النظام الرأسمالي – خاصة وأن الجيش الإحتياطى من العاطلين أصبح وفيرا بما يكفى لتغطية حاجة النظام من قوة العمل المتوقعة.

ومن ثم فلازالت مسئولية إنجاب الأطفال ورعايتهم تترك للنساء، وهو ما يفسر لماذا تستمر الأسرة ويدوم قهر النساء. إن دور النساء كأمهات وراعيات للاطفال يتحكم فى كل حياتهن. وأن قيامهن بالعمل لبعض الوقت، بدلا من العمل المنتظم، هو نتاج لدورهن كأمهات, كما أن الأجر غير المتساوى والمنخفض بشكل عام الذى تتلقاه النساء هو بسبب عدم النظر إليهن كعوائل. فمنذ أن تولد المرإة فى المجتمع الرأسمالي يكون من المفترض أنها ستصبح مختلفة عن الرجل, حيث أن قمة الإنجاز بالنسبة لها هو الأمومة والزواج.

ومن الناحية النظرية, لا يوجد مبرر لوجوب إضطلاع المرأة برعاية الأطفال والقيام بالجزء الاكبر من العمل المنزلى لمجرد أنها تقوم بالانجاب. ولكن فى عالم يضطلع فيه الأفراد –وليس المجتمع — بتكاليف عملية إعادة إنتاج النوع, ويوجد به تقسيم جامد على أساس الجنس, ولا يكون معدلات الأجر للوظائف التى تشغلها المراة مساويا لمعدل أجر الرجل, لا يكون هناك بديل لهذا الوضع. حيث يصبح من المنطقى بالنسبة للمرأة أن تكون هى الطرف الذى يبقى فى المنزل.

إن الحديث عن المشاركة فى العمل المنزلى, وقبول الرجال القيام بدور “ربة المنزل” فى مثل هذا العالم يكون ممكنا فقط بالنسبة لأقلية ضئيلة من الناس، وذلك حينما توجد لدى المراة مهنة أو حرفة تمكنها من تحقيق كسب يساوى أو يزيد عما يحققه الرجل. وحتى آنذاك يكون من الصعب التغلب على الأفكار التى يتبناها المجتمع والقائمة على عدم مساواة المرأة للرجل. وبالنسبة لجماهير العمال تكون مثل هذه المشاركة فى الادوار بمثابة الأحلام التي لا اساس لها من الواقع.

وتستخدم الاعتبارات الأيديولوجية فى تعزيز الأهمية المادية التى تمثلها الأسرة بالنسبة للرأسمالية. لا أقصد بذلك أن الراسماليين هم متعصبين ذكوريين يريدون الإبقاء على النساء فى منزلة أدنى من الرجال –رغم انهم عادة ما يكونوا كذلك. ولكننى أعنى أن الأسرة تقدم بعض الدعامات الأيديولوجية التى تحافظ على تماسك النظام مع بعضه البعض.

ففى كل مرحلة من تطور النظام الرأسمالى كان على هذا النظام أن ينشئ أبنية تربطه بأولئك الذين يقوم باستغلالهم. وتستمر هذه الأبنية فى الوجود فى المراحل اللاحقة من تطور النظام حينما تتطلب حركته الاقتصادية أبنية جديدة. وتندمج الأسرة مع شبكة معقدة من هذه الأبنية التى تستفيد من اقتناع ربات البيوت –المعزولين فى المنزل والمقطوعى الصلة عن التجمعات الأكبر التى تتشكل حول الإنتاج الصناعي— بالأفكار الجامدة الخاصة بوضعيتهن فى المجتمع. فنتيجة لاعتماد النساء على الأزواج فى المعيشة, يمكن إقناعهن بأن أى نوع من التغير الاجتماعى هو بمثابة تهديد لأسرهن وأمنهن. ومرة أخرى, تعتمد هذه الأبنية التى يكون العامل فى ظلها قلق على سلامة زوجته وأطفاله ونفسه أيضا, على تردد العامل قبل المشاركة فى أى إضراب أو احتلال مصنعي أو تمرد . ويستخدم شعار “الدفاع عن الأسرة” في تعبئة العمال للدفاع على الوضع الراهن.

ومن ثم فحتى عندما لا تصبح الرأسمالية فى حاجة مباشرة لبعض العناصر المتعلقة بالأبنية المرتبطة بالأسرة والتى تعود الى الماضى (فمثلا لم تعد تحتاج الى تشريع منع الاجهاض الان) فإنها تتخلى عن هذه العناصر فقط تحت ضغوط هائلة، وذلك نظرا لأنها لاتتحمل تدمير أبنية تساعد على ربط العمال بالمجتمع الحالي حتى لو كانت هذه الأبنية هامشية بالنسبة لمصالحها المحورية فى تلك اللحظة.

وبفرض حدوث توسع إقتصادى غير محدود لفترة طويلة من الزمن, فإن النظام يمكنه تطوير أبنية أيديولوجية جديدة لتحل محل تلك الخاصة بالحفاظ على بقاء الأسرة بشكلها الحالى. غير أن تلك ليست هى حالة النظام الذى يتمسك اليوم بأية وسائل للدعم يجدها فى متناوله –وذلك يفسر عدم قدرة جنوب ايطاليا وأيرلندا الشمالية على الإستغناء عن أبنية عتيقة مثل نظام المافيا أو الأورنج.

وبالتالى فالنظام الرأسمالى يكون أقل إستعدادا لدراسة التخلى عن بناء كالأسرة التى لازالت تمده بخدمات إقتصادية معينة.

وتحاول النظرية الماركسية للأسرة تفسير إستمرار قهر النساء فى سياق دورهن فى إنجاب ورعاية الاطفال. وتزعم هارتمان أن الماركسية تغفل أهمية اختلاف النوع، أو بمعنى آخر أن الماركسية يمكن أن تفسر لماذا يوجد الناس فى أوضاع بعينها دون أن تستطيع تفسير لماذا هؤلاء الناس هن نساء. لكن الحقيقة هي أن النظرية الماركسية تقوم بذلك بشكل دقيق، وتضع قهر النساء فى سياقه التاريخي، وتفسر إستمرار وجود هذا القهر في ظل المسئولية الفردية للنساء عن إعادة أنتاج النوع, والتى بدورها تحكم حياة النساء بأكملها. وكذلك تضع الماركسية الحل لهذه المشكلة وهو الاشتراكية التى سوف تكون البداية لتحطيم الشروط المادية التى تسبب إضطهاد النساء، والأفكار التى تظهر بناء على هذه الشروط –تلك الأفكار التى نعرفها جيدا حول أن وجود الأسرة واضطلاعها برعاية الأطفال هى من المسائل الطبيعية, وأن بقاء المرأة فى المنزل هو أمر طبيعى. ويمكن للنظرية الماركسية أن تقوم بذلك عبر نقل مسئولية العناية بالأطفال من الفرد إلى الجتمع ككل.

ويمكن لذلك ان يفتح المجال أمام عالم جديد لملايين النساء والسماح لهن بالتصرف كأنداد فى مجتمع جديد.

« السابق التالي »