بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النظريات البطريركية

« السابق

7. خاتمة

لا تعد النظريات البطريركية فى الواقع نظريات لتحرير المرأة, حيث أنها تبدأ بتفسير أوضاع الرجال والنساء بناء على إعتبارات بيولوجية فجة, بدلا من الإنطلاق من تقدير الوضع المادي للمرأة في المجتمع الرأسمالي. كما لا تشير هذه النظريات إلى طريق للامام لتحرير النساء.

فلماذا اذن أصبحت هذه النظريات تحظى بشعبية كبيرة؟

يجب البحث هنا بشكل شديد الإيجاز فى كيفية تطور حركة المراة منذ أواخر الستينيات.

نشأت الحركة النسائية فى نهاية الستينيات كنتاج لتغير دور المرأة فى المجتمع. فقد كان دخول النساء إلى قوة العمل وتزايد سيطرتهن على عملية الإنجاب يعنى أنه أصبح لديهن أفكارا جديدة حول الدور المناط بهن ومستقبلهن المهنى وتطلعاتهن. وأدى التوسع الكبير فى التعليم العالي إلى تغذية وتطوير مثل هذه الافكار. ورغم ان التعليم العالي شهد تمييزا ضد النساء فى العديد من المجالات, إلا انه كان يعنى أن النساء أصبحن للمرة الأولى قادرات على إحتراف مهن مرتفعة الأجر نسبيا, وذات أجر متساوى مع الأجر الذي يحصل عليه الرجل، ولو من الناحية الرسمية . وبالنسبة لغالبية النساء كان ذلك يمثل تطورا هائلا مقارنة بحياة أمهاتهن وجداتهن.

غير ان الافكار القديمة حول النساء ظلت متأخرة عن مجاراة الواقع. وفى الحقيقة فإن الأفكار الخاصة بالجنس والسلوك الجنسى تغيرت, لكن النظرة القديمة للمرأة كأم وزوجة ظلت ثابتة. إن كافة أنواع التشوهات القانونية السائدة، كانت تعنى أن النساء كن يعاملن عادة بشكل أفضل قليلا من الاطفال حينما يتعلق الأمر ببيع أو تأجير أو شراء السلع أو القيام بعمليات الرهن. وكذلك لازالت الإعلانات ترسم صورة نموذجية للمرأة داخل المنزل –لا توجد صلة كبيرة بينها وبين الواقع.

وكان نتيجة للصراع بين الواقع الاقتصادي والاجتماعي الجديد للمرأة، وبين الأنماط القديمة أن ظهرت أفكار تحرير المرأة. فبشكل ما شعرت النساء بأنهن جيدين مثلهم مثل الرجال، لأنهم كن بالفعل يقمن بأعمال تفوق تلك التى يقوم بها معظم الرجال، إضافة إلى الأعباء المنزلية.

وكان هناك شعور خلال السنوات الأولى من عمر حركة المرأة بأنه يمكن تغيير كل شئ, بل الأكثر من ذلك أن هذا التغيير كان يجري بالفعل. إن أحداث عام 1968 (هامش: هو عام تصاعد الحركة العمالية واليسارية وما ارتبط بهما من أفكار تحررية) أنتجت فئة واسعة مجذرة ومنفتحة تجاة أفكار الحركة النسائية. إن العديد من الأفكار التى طورتها نساء من داخل حركة المرأة –وغالبيتهن الساحقة من المهنيات المتعلمات— ضربت على بعض الأوتار لدى نساء الطبقة العاملة. ورغم صعوبة قياس التغير فى الوعى, لكن نظرة سريعة على التوزيع الكبير لمجلات المرأة خلال الخمسة عشر سنة الماضية سوف تبين الدرجة التى تم بها تناول شئون الجنس والبطالة والعديد من القضايا الاجتماعية الأخرى جنبا إلى جنب مع التقارير المعتادة حول نجوم السينما والعائلة المالكة. وكان هناك دوما هوة واسعة بين الحركة النسائية ونساء الطبقة العاملة, وكان الاتصال بينهما ضعيفا, لكن على الأقل تحدثت الحركة النسائية عن التنظيم داخل صفوف الطبقة العاملة.

إلا أن الأمر اليوم قد اصبح جد مختلف. فقد أدى انخفاض حدة الصراعات الاقتصادية العامة خلال الخمسة أعوام الماضية، والإفتقار إلى الثقة السياسية لدى الطبقة العاملة, إلى حالة واسعة النطاق من الإحباط لدى قطاعات من اللاتي تم تجذيرهن فى الستينيات و بداية السبعينيات. ويبدو أن الحركة النسائية قد عانت أيما معاناة من هذا الوضع. فالآن لم تعد صفحات مجلة Spare Rib هى المكان الذى ستعرف من خلاله عن آخر الإضرابات التى شاركت فيها النساء, وإنما المكان الذي يناقش مشكلات الجنس والعزوبية. كما ان المجلات الخاصة بالحركة النسائية قد تجاهلت بدرجة كبيرة نضالات العمال مثل إحتلال 200 إمراة لمصانع لي جينز.

إن الشعور بعدم إمكانية القيام بأى شئ لتغيير الواقع, يجعل من إنتقاء الأفكار الشئ الوحيد المتاح، وهو ما يتبعه إستبدال المقولات بشأن تغيير المجتمع، بأكلمه بنصائح حول تغيير أسلوب الحياة الخاص بالبعض منا. وبدلا من الفعل فان الحركة النسائية تواجهنا بنزعة أخلاقية مجردة تطالب العدد القليل من الرجال والنساء الذين يقبلون بأفكار تحرير المرأة، بأن “يطهروا” أنفسهم من “الانحرافات” وذلك كبديل عن تغيير المجتمع. أن المنطق المتبع هنا هو أنه اذا إستطعنا تغيير سلوك الرجال فإنه يمكن تغيير المجتمع –كما لو أن الرجل هو المشكلة وليس الرأسمالية. إن النظرية البطريركية قد تطورت إنطلاقا من هذة الافكار وهى بدورها تقوم بدعم هذه الأفكار.

وكما أوضحت سابقا، فإن النظرية البطريركية لا تدلنا بأية حال على كيفية تحرير أنفسنا, ولكنها تطالب القليلين منا بإجراء تصحيحات نظرية بينما تقبل سلبية الكثيرين. وتقوم بعض النساء اليوم بمد النظرية الى نهايتها وتدعون إلى وجود نمطين للحياة منفصلين فى داخل النظام الرأسمالى –منازل مختلفة ومدارس منفصلة للجنسين وحياة إجتماعية منفصلة لهما. ولاتفشل مثل هذه الحلول فى رؤية الصلة بين الوضع المادى والوعى, وكيف يتغير الوعى فحسب, ولكنها أيضا حلول نخبوية بشكل عميق. فهى تفترض وجود مستوى معين للدخل، بما يعنى مستوى معين للسكن وحرية إختيار مكان المعيشة ومدارس الأطفال إلى آخره.

ولا يكون مثل هذا الاختيار متاحا بالنسبة لغالبية النساء. وعندما تتحدث هارتمان عن تساو نسب الطلاق بين الطبقات فإنها لا تأخذ في الاعتبار مدى بؤس الحياة التى كانت تعيشها الأجيال من نساء ورجال الطبقة العاملة، والذين لم يكن بمقدورهم الحصول على الطلاق. والان حيث أصبح من السهل نسبيا الحصول على الطلاق, فلا بد أن هناك آلاف الزيجات التى تستمر نتيجة لعوائق مادية مثل عدم إمكانية إيجاد مكانين للسكن وعدم توفر لوازم المعيشة الرخيصة للأفراد. وتكون مثل هذه الحلول طوباوية بالنسبة لجماهير الطبقةالعاملة ومما يدفع الى قبول الواقع كما هو.

لايجب علينا رفض النظرية اليطريركية وكل ما يرتبط بها من طروحات مثالية فحسب, لكن يجب علينا أيضا أن نؤكد أننا كماركسيين لدينا نظرية لتحرير المرأة قابلة للتحقق ويمكن أن تؤدى إلى تحرير البشرية جمعاء من الاستغلال الرأسمالي والاغتراب. ولكي نقوم بذلك فإن علينا أن نرفض المفهوم المتضمن فى نظرية البطريركية, المفهوم القائم على التحليل الذى تصفه جوان سميث بأنه يصور “المراة بجانب المدفأة والرجل فى ساحة المعركة”. لم تكن هذه الصورة أبدا حقيقية بالنسبة لكافة قطاعات الطبقة العاملة بل أنها فى الواقع تتعلق بشكل أكبر بنموذج عائلات “المصرفى والمدير المتوسط ورجل الصناعة والكتبة والعمال المهرة الذين يعملون لدى هؤلاء أكثر مما تعبر عن عائلة العامل الموسمى وعامل الصيانة والعامل الوافد”(27)

وإذا كانت وجهة النظر البطريركية تلك غير صحيحية بالنسبة لوضع المرأة في الماضي، فقد أصبح من الواضح اليوم أنها تمثل رؤية عبثية للمرأة. فالنموذج السائد للمرأة اليوم هو تلك التى تعمل بأجر خلال الفترة الأكبر من حياتها كبالغة. ومن النمطى أيضا انها تترك العمل لفترة إلى أن يدخل الأبناء المدرسة ثم تعود الى العمل المنتظم. بل أن 20% من النساء اللاتى لديهن أطفال تحت سن الخامسة يعملن لجزء من الوقت. إن نموذج المرأة التى تكرس كل وقتها للمنزل هو خرافة، حيث أن النساء تمثلن 40% من قوة العمل, كما ان معدل دخول المرأة الى العمل أعلى منه بالنسبة للرجل.
إن تلك الخرافة تحقق لرأس المال عددا من الفوائد, حيث تمكنه من أن يفرض على النساء أجور إقل وأوضاع وساعات عمل أسوأ. كما تجعل هذه الخرافة النساء يشعرن بأن الوظيفة ليست المهمة الحقيقية بالنسبة لهن، وهو ما يجعلهن أقل ميلا للعمل المنتظم وأكثر ميلا للإذعان لحالة البطالة. وهذه الخرافة أيضا تزيد من العبء المزدوج للعمل المأجور والمنزلى الواقع على عاتق النساء. لكنها مع ذلك تظل خرافة.

وعندما نرى النساء كعاملات لا كربات بيوت منعزلات, فإن رد الفعل لدينا يكون مختلفا. فآنذاك سوف نعتقد أن النساء بإعتبارهن جزءا من الطبقة المنتظمة فى أماكن العمل, تكون لديهن القدرة على بناء التماسك والثقة لأجل تحدي الرأسمالية والإطاحة بها أخيرا.

يجب أن يكون ذلك هو هدفنا. وعندما نكون بصدد عملية بناء حزب ثورى يمكن أن يقود إلى الإطاحة بالرأسمالية, يجب أن تكون لدينا صورة عن الطبقة العاملة التى تشمل النساء كجزء لا يتجزء من قوة العمل. غير انه عادة ما يقال ان ذلك لا يحل مشكلة التحيز الجنسى للرجال حتى فى داخل الحزب وحتى بعد الثورة. لا يمكن لأحد ان ينكر ان ذلك حقيقي, الا ان الحل الذى نقدمه لهذه المشكلة يتوقف على ما اذا كنا نرى محاربة التحيز الجنسى كشئ منفصل عن الصراع الطبقى أو كجزء لا يتجزأ منه. اذا اخترنا الاجابة الثانية فيجب الا تكون استراتيجيتنا هى وجود حركة مستقلة للمرأة منفصلة عن الحزب. بل يجب ان نجعل الحزب والثورة الاشتراكية معبران عن تطلعات ومطالب المرأة كجزء من مطالب الطبقة العاملة. ويعنى ذلك الاعتراف بحقيقة قهر المرأة، والتى تجعل من الأصعب على النساء الانخراط فى كافة مستويات الحياة السياسية, والتى تضع على عاتقهن العبء المزدوج المتعلق بالمهام المنزلية ورعاية الأطفال إضافة إلى العمل المأجور.

وخلال محاولاتنا التغلب على هذه العقبات التى تعانى منها كافة النساء, فإننا نحتاج إلى آليات خاصة كصحيفة للمرأة, وإجتماعات للنساء, والى جعل عضوات الحزب يأخذن دورا نشيطا وقياديا فى كافة نواحى العمل. إن كل هذه الآليات تدرك المشكلات الحقيقية التى تواجهها النساء، وتحاول التغلب عليها بطريقة مادية لا بتقديم النصح. وانه لمن الواضح أن تقديم التنازلات لأى من النظريات البطريركية, أو لفكرة أن الرجال هم الأعداء، لا يعد فقط غير قابل للتطبيق ولكنه يحدد المشكلة بطريقة خاطئة, ويشير إلى المظهرلا إلى جذورة. إن الثورة الاشتراكية والتخلص من المجتمع الطبقي وحدهما يقدمان لنا إجابة على كيفية الفوز بحريتنا.

« السابق