بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

كيف تعمل الماركسية؟

« السابق التالي »

الفصل الثالث: الصراع الطبقي

نحن نعيش في مجتمع منقسم إلى طبقات، يحظى فيه قليل من الناس بثروات خاصة هائلة في حين لا يملك معظمنا شيئا يذكر. ونحن نميل بالطبع لافتراض أن الأمور كانت دائما على هذا النحو. لكن في الواقع، وفي الجزء الأعظم من تاريخ الإنسان، لم تكن هناك طبقات ولا ملكية خاصة ولا جيوش أو شرطة.

كان ذلك هو الوضع خلال نصف مليون سنة من تطور الإنسان حتى 5000 أو 10000 سنة مضت. لم يكن ممكنا أن ينقسم المجتمع إلى طبقات قبل أن يكون بوسع الفرد الواحد أن ينتج من الطعام ما يفوق حاجته التي تجعله قادرا على العمل.

فما جدوى الاحتفاظ بعبيد إذا كانوا يحتاجون لاستهلاك ما ينتجونه للبقاء على قيد الحياة؟

إلا أنه بعد حدّ معين، فإن تقدم الإنتاج جعل الانقسامات الطبقية غير ممكنة فحسب بل ضرورية أيضا.

فقد صار بالإمكان إنتاج طعام يكفي لترك فائض بعد حصول المنتجين المباشرين على ما يكفيهم للبقاء على قيد الحياة.
كما توفرت وسائل تخزين هذا الطعام ونقله من مكان لآخر.

كان من الممكن ببساطة أن يأكل أولئك الذين أنتج عملهم كل هذا الطعام فائض الطعام الإضافي.

وحيث أنهم كانوا يعيشون حياة هزيلة بائسة إلى حد كبير، فإن الإغراء كان كبيرا.

إلا أن ذلك كان من شأنه إبقائهم بلا حماية إزاء تقلبات الطبيعة التي قد تأتي بمجاعة أو فيضان في العام التالي، أو القدرة على مواجهة الهجمات من القبائل الجائعة من خارج المنطقة.

في البداية، كانت هناك مصلحة كبيرة للجميع في أن تتولى جماعة خاصة من الناس مسئولية هذه الثروة الإضافية بحيث يخزنونها تحسبا للكوارث المستقبلية، ويستخدمونها لدعم الحرفيين وبناء وسائل الدفاع، ومبادلة جزء منها مع أناس بعيدين مقابل أشياء مفيدة. بدأ القيام بتلك الأنشطة في المدن الأولى حيث عاش الإداريون والتجار والحرفيون. وبدأت الكتابة تتطور من خلال العلامات على الألواح المستخدمة لحفظ السجلات الخاصة بمختلف أنواع الثروة.

تلك كانت الخطوات المتعسّرة الأولى لما نسميه “الحضارة”.

إلا أن ذلك كله كان قائما على السيطرة على الثروة المتزايدة بواسطة أقلية من السكان.

واستخدمت الأقلية الثروة لمصلحتها وكذلك لصالح المجتمع ككل.

كلما زاد الإنتاج تطورا كلما زادت الثروة التي تتركز في أيادي تلك الأقلية، وكلما زاد ما يتم استقطاعه من باقي المجتمع.

فالقواعد التي ظهرت كوسائل لإفادة المجتمع أصبحت “قوانين” وأصرت على أن الثروة والأرض التي أنتجتها كانت “الملكية الخاصة” للأقلية. لقد ظهرت الطبقات الحاكمة للوجود وكانت القوانين تدافع عن سلطاتها.

من الممكن أن تتساءل عما إذا كان ممكنا للمجتمع أن يتطور بشكل آخر بالنسبة لأولئك الذين كانوا يعملون في الأرض لكي يستطيعوا السيطرة على إنتاجهم؟

الإجابة هي لا، ليس بسبب “طبيعة الإنسان” لكن بسبب أن المجتمع كان لا يزال فقيرا للغاية.

كانت الغالبية من سكان الأرض مشغولة تماما في نبش التربة من أجل حياة هزيلة، فلم يكن هناك وقت لتطوير أنظمة القراءة والكتابة أو خلق أعمال فنية، أو بناء السفن للتجارة أو وضع خريطة لسير النجوم لاكتشاف مبادئ الرياضيات والاستعداد لوقت فيضان الأنهار، أو كيفية شقّ قنوات الري. هذه الأشياء كان يمكن لها أن تحدث فقط في حالة مصادرة بعضا من ضرورات الحياة من غالبية جمهور السكان واستخدامها للحفاظ على حياة أقلية متميزة والتي ليس عليها أن تشقى من شروق الشمس لغروبها.

على أية حال، إن هذا لا يعني أن الانقسام لطبقات ما زال ضروريا اليوم.

فلقد شهد القرن الماضي تطورا للإنتاج يفوق الخيال في تاريخ الإنسانية السابق كله.

لقد تم التغلب على الندرة الطبيعية – وما هو موجود الآن يعتبر ندرة مصطنعة تنتج بسبب أن الحكومات تدمر مخزون الغذاء.
إن المجتمع الطبقي اليوم يعود بالإنسانية للخلف ولا يقودها للأمام.

لم يكن هذا مجرد تغيرا أولياً من المجتمعات الزراعية النقية إلى مجتمعات المدن الصغيرة والكبيرة والتي أنتجت بالضرورة الانقسامات الطبقية الجديدة.

فنفس العملية كانت تُعاد كل مرة بظهور طرق جديدة لإنتاج الثروة.

وهكذا، ففي بريطانيا ومنذ آلاف السنين، تألفت الطبقة الحاكمة من البارونات الإقطاعيين الذين كانوا يسيطرون على الأرض ويعيشون على كواهل العبيد.

لكن بمجرد أن بدأت التجارة تتطور بشكل كبير هناك، بدأ في نفس الوقت نمو طبقة متميزة جديدة من التجار الأغنياء في المدن.

وعندما بدأت الصناعة تتطور على مستوى كبير، بدأ أصحاب المشروعات الصناعية ينافسوهم في قوتهم.

وفي كل مرحلة من تطور المجتمع، كانت هناك طبقة مضطَهَدة، ومن خلال قوة عملهم خُلقت الثروة ومعها طبقة حاكمة سيطرت على هذه الثروة.

لكن لأن المجتمع يتطور، فإن كل من المضطَهَدين والمضطَهِدين خضعوا للتغيير.

في المجتمع العبودي لروما القديمة، كان العبيد ملكية شخصية للطبقة الحاكمة.

كان مالك العبيد يملك السلع التي ينتجها العبد لأنه يملك العبد نفسه، بنفس الطريقة بالضبط التي كان يملك بها اللبن الذي تنتجه البقرة لأنه يملك البقرة.

في المجتمع الإقطاعي في العصور الوسطى، كان لدى الأقنان أراضيهم الخاصة بهم وكانوا يملكون ما ينتج منها.

لكن في مقابل حيازة تلك الأرض، كان عليهم أن يقوموا بعدد من الأعمال في أيام محددة خلال السنة في الأرض المملوكة من قِبل السيد الإقطاعي.

وبذلك، فإن وقتهم كان يتم تقسيمه – ربما نصف وقتهم كانوا يخصصونه للسيد ونصف الوقت الآخر لأنفسهم؛ وإذا رفضوا القيام بالعمل للسيد الإقطاعي فقد كان يستطيع معاقبتهم إما بالجلد أو السجن أو ما هو أسوأ من ذلك.

في المجتمع الرأسمالي الحديث، لا يملك المدير العامل جسديا ولا هو مخوّل بمعاقبته جسديا إذا ما رفض العامل أن يقوم بعمل غير مدفوع الأجر من أجله.

لكن المدير يملك المصانع حيث يضطر العامل أن يجد وظيفة لو أراد أن يبقى على قيد الحياة.

ولذلك، فمن السهل تماما بالنسبة للمدير أن يجبر العامل على أن يتحمل الأجر الذي يُدفع له وهو أقل بكثير من قيمة السلع التي يصنعها العامل في المصنع.

وفي كل حالة من تلك، تسيطر الطبقة المستغِلة على الثروة المتبقية بمجرد سدّ الاحتياجات الأساسية جدا للعمال.

كان مالك العبد يهدف إلى أن يُبقي ملكيته في حالة جيدة، ولذلك فهو يغذي عبده تماما بنفس الطريقة التي تزود سيارتك بالبنزين.
لكن كل شيء يفيض عن الحاجات المادية للعبد يستخدمها المالك لمتعته الخاصة.

أما بالنسبة لعبد الإقطاعي، فكان يُطعم نفسه ويوفر ملبسه من خلال العمل الذي يبذله في جزء الأرض الذي يملكه.
ولكن فيما يتعلق بالعمل الإضافي الذي يبذله في أرض السيد فإن ثماره تذهب إلى السيد.

أما العامل في العصر الحديث فيحصل على أجر. وكل الثروة الأخرى التي ينتجها تذهب للطبقة الحاكمة كربح أو فائدة أو إيجار.

الصراع الطبقي والدولة
نادرا ما يتقبل العمال نصيبهم من العمل بدون مقاومة أو صراع.

فلقد كان هناك ثورات للعبيد في مصر القديمة وروما وثورات فلاحية في الصين الإمبريالية، وحروب أهلية بين الأغنياء والفقراء في المدن اليونانية القديمة وروما وأوروبا في عصر النهضة. كان هذا هو سبب أن بدأ كارل ماركس منشوره البيان الشيوعي مؤكدا على:
“إن تاريخ كل مجتمع موجود إلى يومنا هذا هو تاريخ الصراع الطبقي.” اعتمد نمو الحضارة على استغلال إحدى الطبقات لأخرى، وبالتالي على الصراع فيما بينهما.

فمهما وصلت قوة الفرعون المصري أو الإمبراطور الروماني أو أمير العصور الوسطى، ومهما بلغت الرفاهية التي كانوا يعيشون فيها، ومهما كانت روعة قصورهم، فإنهم كانوا لا يستطيعون فعل أي شيء إلا إذا ضمنوا أن المنتجات المتوفرة بواسطة الفلاحين البؤساء والعبيد تنتقل إلى ملكيتهم. وهم يستطيعون فعل ذلك فقط إذا كان هناك بجانب هذا الانقسام الطبقي نموا لشيء آخر – وهو السيطرة على وسائل العنف بأنفسهم وبواسطة مؤيديهم.

في المجتمعات المبكرة، لم يكن هناك جيش أو شرطة أو أجهزة حكومية منفصلة عن غالبية الناس. وحتى منذ 50 أو 60 سنة مضت – على سبيل المثال – كان لا يزال هناك في مناطق في أفريقيا إمكانية لوجود مجتمعات من هذا النوع. فالعديد من المهام التي تقوم بها الدولة في مجتمعنا كانت تتم ببساطة وبشكل غير رسمي بواسطة جميع السكان أو من خلال اجتماعات لممثلين من بينهم.

كانت تلك الاجتماعات تقيّم سلوك أي فرد إذا ما كسر قاعدة اجتماعية هامة، وكانت العقوبة تطبق بواسطة المجتمع ككل.

فعلى سبيل المثال، ربما يكون الحكم أن يُجبر المخطئين على الرحيل.

وبما أن كل الأفراد قد وافقوا على العقوبة اللازمة، لم يكن هناك احتياج لوجود قوات شرطة منفصلة لتنفيذ العقوبات.

وإذا اندلعت الحرب، فكل الرجال من الشباب يشاركون فيها تحت قيادة يتم اختيارها مخصوص للقيام بهذه المهمة، ومرة أخرى بدون أي هيكل منفصل للجيش.

لكن بمجرد أن يكون لديك مجتمع تسيطر فيه أقلية على معظم الثروة، تصبح هذه الطرق البسيطة للحفاظ على “القانون والنظام” وتنظيم الحرب غير فعالة.

ويصبح أي اجتماع للممثلين أو أي تجمع للشباب المسلح من المرجّح أن ينقسم بناء على الفروق الطبقية.

تستطيع المجموعة ذات الامتيازات أن تحيا فقط من خلال احتكارها لِسَنّ وتنفيذ العقوبات والقوانين وتنظيم الجيوش وإنتاج الأسلحة.

وهكذا، نجد أن الفصل بين الطبقات كان مرتبطا بظهور جماعات القضاة ورجال الشرطة والبوليس السري والجنرالات والبيروقراطيين، بحيث يحصل كل منهم على جزء من الثروة التي في يد الطبقة صاحبة الامتيازات في مقابل حماية حكمها أو سلطتها.

إن أولئك الذين خدموا في صفوف هذه “الدولة” كانوا مدربين على طاعة أوامر قادتهم بدون تردد، كما كانوا مفصولين عن أية روابط اجتماعية عادية مع الجماهير المستغَلة.

وهكذا، تطورت الدولة كآلة للقتل في يد الطبقة المتميزة واستطاعت أن تكون آلة فعالة للغاية.

بالطبع، أراد الجنرالات الذين يديرون هذه الآلة أن يوقعوا بالإمبراطور أو الملك المعين لكي ينصّبوا أنفسهم في مكانه.

أما الطبقة الحاكمة التي سلحت هذا الوحش فلم يكن في مقدورها في الكثير من الأحيان أن تسيطر عليه. ولكن لأن الثروة المطلوبة لإبقاء آلة القتل دائرة تأتي من استغلال مجاميع العمال، فإن أي تمرد كان يتبعه استمرار للمجتمع الذي كان موجودا في السابق.

وعلى مدار التاريخ، نجد أن البشر الذين أرادوا بالفعل تغيير المجتمع للأفضل قد وجدوا أنفسهم في مواجهةمع – ليس فقط الطبقة صاحبة الامتيازات – ولكن أيضا تلك الآلة المسلحة: الدولة التي تخدم مصالحها.

لقد نشأت في الأساس الطبقات الحاكمة ومعها القساوسة والجنرالات ورجال الشرطة والنظم القانونية التي دعمتها لأنه بدونهم لم تكن للحضارة أن تتطور. لكن بمجرد أن يثبّتوا أقدامهم في السلطة، يصبح لديهم مصلحة في إعاقة تطور الحضارة.

فسلطتهم تعتمد على قدرتهم على إخضاع أولئك الذين ينتجون الثروة بحيث يقدمونها لهم في النهاية.

كما أنهم يفقدون الاهتمام بالطرق الحديثة لإنتاج الثروة – حتى لو كانت اكثر كفاءة عن القديمة – خشية أن يفقدوا السيطرة عليها.
إنهم يخافون أي شيء يمكن أن يقود الجماهير المستغَلة إلى نمو مبادراتهم أو استقلاليتهم.

كما أنهم يخافون من نشأة مجموعات جديدة ذات امتيازات وثروة كافية تجعلهم قادرين على شراء الأسلحة وتسليح الجيوش الخاصة بهم.
وعند نقطة معينة، فإنهم يبدءون في تعويق تطور الإنتاج بدلا من مساعدته على التقدم للأمام.

على سبيل المثال، في فترة حكم الإمبراطورية الصينية، استند نفوذ الطبقة الحاكمة على ملكيتها للأرض وسيطرتها على القنوات والسدود التي كانت ضرورية للري من أجل تجنب الفيضانات.

ولقد مهّد هذا النفوذ الأساس لحضارة امتدت إلى حوالي 2000 سنة.

ولكن في نهاية تلك الفترة، لم يكن الإنتاج متقدم كثيرا عن البداية، على الرغم من ازدهار الفن الصيني واكتشاف الطباعة والبارود.
كل هذا في وقت كانت فيه أوروبا واقعة تحت نير العصور المظلمة.

وكان السبب في ذلك أنه عندما بدأت تظهر أشكال جديدة للإنتاج، حدث ذلك في المدن من خلال مبادرات التجار والحرفيين.

ولقد خشيت الطبقة الحاكمة هذا النمو في سلطة جماعة اجتماعية معينة والتي لم تكن تخضع لسيطرتها بشكل كامل. ولذلك، وبطريقة دورية، اتخذت السلطات الإمبريالية إجراءات صارمة لسحق الاقتصاد المتنامي في المدن ودفع الإنتاج لأسفل وتحطيم سلطة الطبقات الاجتماعية الجديدة.

إن نمو قوى جديدة للإنتاج – أي طرق جديدة لإنتاج الثروة – قد اصطدم مع مصالح الطبقة الحاكمة القديمة.

لقد تصاعد الصراع وكانت النتيجة هي التي حددت مستقبل المجتمع كله.

وفي بعض الأحيان، كانت النتيجة – كما في الصين – هي عدم السماح لأنماط جديدة من الإنتاج في الظهور، وظل المجتمع في حالة ركود لفترات طويلة من الزمن.

وفي بعض الأحيان الأخرى، كما في الإمبراطورية الرومانية، كان معنى عجز الأنماط الجديدة للإنتاج من التطور أنه في آخر الأمر لم تعد هناك ثروة كافية تُنتَج لإبقاء المجتمع قائما على قواعده القديمة.

ثم انهارت الحضارة وتحطمت المدن، فارتدّت الشعوب إلى نمط المجتمع البدائي الزراعي.

وفي أحيان أخرى، قامت طبقة جديدة على أساس نمط جديد للإنتاج واستطاعت تنظيم صفوفها، وبالتالي إضعاف ثم التخلص نهائيا وهزيمة الطبقات الحاكمة القديمة مع نظامها القانوني وجيوشها وأيديولوجيتها ومؤسساتها الدينة. بعد ذلك، استطاع المجتمع أن يتطور ويتقدم للأمام.

وفي كل حالة من تلك، وعندما كان أي من تلك المجتمعات في تقدم للأمام أو للخلف، اعتمد ذلك على الفريق الذي كسب الحرب بين الطبقات.

وكما هو الحال في أي حرب، لم يكن أبدا النصر محددا منذ البداية، ولكنه اعتمد على التنظيم والتماسك وقيادة الطبقات المتصارعة.

« السابق التالي »