بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

كيف تعمل الماركسية؟

« السابق التالي »

الفصل الرابع: الرأسمالية.. كيف بدأ النظام

إن واحدة من أكثر النقاشات هزلاً هي التي تسمعها تقول أن الأوضاع لم يكن لها أن تختلف عما هي عليه الآن. ولكن الأوضاع بالفعل كانت مختلفة، ليس في مكان بعيد على الكرة الأرضية، ولكن هنا في هذه الدولة وليس منذ زمنا طويلا.

فمنذ حوالي 250 عاما، ربما اتّهمك الناس بالجنون إذا ما وصفت لهم العالم الذي نعيش فيه اليوم بمدنه الضخمة ومصانعه الكبيرة وطائراته ورحلات فضائه، وحتى بنظم السكك الحديدية. كان كل ذلك سيفوق خيالهم. لقد عاش الناس قديما في مجتمع تهيمن عليه الزراعة، ولم يخطوا غالبيتهم عشرة أميال خارج قراهم حيث تَحدّد نمط الحياة – كما كان سائدا لآلاف السنوات – على تعاقب الفصول.

ولكن منذ 700 أو 800 سنة، حدث تطور في المجتمع كان من نتائجه مناهضة النظام القائم بأكمله. بدأت مجموعات من الحرفيين وأصحاب الأعمال التجارية بناء مستقبلهم في المدن؛ فهم لم يعودوا يقدمون خدماتهم مقابل لا شيء للسيد الإقطاعي كما فعل باقي السكان، ولكنهم كانوا يبادلون منتجاتهم مع السادة والأقنان على اختلافهم مقابل الطعام.

وبشكل متزايد، أصبحوا يستخدمون المعادن الثمينة كمعيار لهذا التبادل.

وبالتالي، فالنظر إلى كل نوع من المبادلة كفرصة للحصول على عدد أكثر قليلا من المعادن الثمينة وتحقيق الربح لم يعد يمثل خطوة كبيرة للأمام.

في البداية، استطاعت المدن أن تبقى على قيد الحياة من خلال تأليب السادة الإقطاعيين ضد بعضهم البعض.

ولكن بتحسّن مهارات من لديهم من حرفيين، استطاعوا تكوين ثروة أكبر، وبالتالي زاد نفوذهم كثيرا.

فـ “البرجوازية” أو “الطبقات الوسطى” قد بدأت تظهر كطبقة من ضمن نسيج المجتمع الإقطاعي في العصور الوسطى.

ولكنهم استطاعوا أن يحققوا ثراءهم بطريقة مختلفة تماما عن السادة الإقطاعيين والذين كانوا يسيطرون على المجتمع.

فلقد عاش السيد الإقطاعي مباشرة على الإنتاج الزراعي الذي أخرجه عبيده من أرضه بالقوة.

فالسيد قد استخدم قوته الشخصية ليجعلهم يقومون بهذا العمل بدون أن يكون مضطرا لدفع أي أجر لهم.

وعلى عكس ذلك الوضع، عاشت الطبقات الغنية في المدن على بيع السلع غير الزراعية.

كما أنهم كانوا يدفعون للعمال أجورا من أجل إنتاج تلك السلع، إما باليوم أو الأسبوع.

وهؤلاء العمال، وهم في غالبيتهم من العبيد الهاربين، كانوا “أحراراً” في الذهاب والعودة كما شاءوا طالما أنهم انتهوا من العمل الذي يأخذون عليه أجراً.

أما الشيء الإلزامي “الوحيد” بالنسبة لعملهم فهو أنهم كانوا سيموتون من الجوع إذا لم يجدوا عملا عند أحد.

أما الأثرياء فكانوا يزدادون ثراءً لأن ذلك العامل “الحر” اضطر – بدلا من الموت جوعا – إلى أن يقبل بأجر على عمله أقل من قيمة السلع التي كان ينتجها.

وسوف نرجع إلى هذه النقطة فيما بعد.

أما ما يهمنا الآن فهو أن طبقة البرجوازيين الوسطى والسادة الإقطاعيين قد حصلوا على ثرواتهم من مصادر مختلفة تمام الاختلاف.

وهذا جعل لديهم الرغبة في أن يروا المجتمع منظماً بطرق مختلفة.

إن المجتمع المثالي بالنسبة للسيد الإقطاعي كان مجتمعا يتحقق له فيه النفوذ المطلق على أراضيه الخاصة وبدون التقيد بالقوانين المنصوص عليها أو تدخّل أي شخص من الخارج، وأيضا ضمان عدم هروب عبيده. أراد ذلك السيد أن تبقى الأوضاع كما كانت عليه في أيام والده وجده، بحيث يقبل كل فرد الوضع الاجتماعي الذي ولد به.

أما طبقة البرجوازيين الغنية الحديثة، فقد رأت الأمور بشكل مختلف. لقد أرادوا فرض قيود على نفوذ الإقطاعيين أو الملوك لكي يتدخلوا في أمور تجارتهم أو ليسرقوا ثروتهم. كان عندهم حلماً بتحقيق ذلك من خلال منظومة مستقرة من القوانين المكتوبة، يتم تجهيزها وفرضها بواسطة ممثلين لهم. فلقد أرادوا أن يحرروا الطبقات الفقيرة من العبودية حتى يستطيعوا العمل في المدن (ويزيدون من ثروة البرجوازيين).

فبالنسبة لهم هم شخصيا، نال آباءهم وأجدادهم الكثير من المعاناة تحت حكم السادة الإقطاعيين، فهم بالتأكيد لم يرغبوا في استمرار ذلك الوضع.
باختصار إذن، أراد البرجوازيون إحداث ثورة في المجتمع.

ولم تكن صراعاتهم مع النظام القديم بسبب عوامل اقتصادية فقط، ولكن أيضا لدوافع أيديولوجية وسياسية.

وتعلق الخلاف الأيديولوجي أساسا بالعامل الديني – في مجتمع نسبة الأمية غالبة به – حيث كان المصدر الرئيسي للأفكار العامة عن المجتمع هو خطبة الكنيسة.

وحيث أن الكنيسة في العصور الوسطى كان يديرها الأساقفة والرهبان، والذين كانوا ينتمون هم أنفسهم لطبقة السادة الإقطاعيين، فقد حرضت الكنيسة على الأفكار المؤيدة لتلك الطبقة وهاجمت الكثير من ممارسات برجوازيي المدن باعتبارها “خطايا”.

ولذلك نجد أنه في ألمانيا، هولندا، إنجلترا وفرنسا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، قامت الطبقات الوسطى بالدعاية لدين خاص بهم:

البروتستانتية، وهي أيديولوجية دينية تدعو إلى حسن التدبير والاتزان والعمل الشاق (خاصة بالنسبة للعمال!)، وأيضا استقلالية الطبقات الوسطى عن نفوذ الأساقفة والرهبان.

لقد أبدعت الطبقة الوسطى إلهاً في خيالها، في مقابل إله العصور الوسطى.

واليوم، يُحكى لنا في المدرسة أو على شاشة التليفزيون عن الحروب الدينية العظمى أو الحروب المدنية لتلك الفترة كأنها كانت فقط نتاج للاختلاف الديني، وكأن الناس كانت تحارب وتموت لمجرد اختلافهم حول دور جسد أو دم المسيح في العشاء الربّاني.

ولكن كانت هناك الكثير من الأمور الخطيرة، خاصة الصراع بين نمطين للمجتمع مختلفين تمام الاختلاف ومبنيين على طريقين مختلفين لتنظيم إنتاج الثروة.
في بريطانيا، كسب البرجوازيون المعركة.

وعلى الرغم من كون ما حدث في تلك الأثناء يبدو مرعبا للطبقة الحاكمة اليوم، فإن أجدادهم وصلوا للسلطة بقطع رأس الملك وتبرير ذلك بما نصّ عليه لغو الأنبياء في التوراة.

ولكن في مناطق أخرى، كسب الإقطاعيون المعارك في الجولة الأولى. ففي فرنسا وألمانيا، تم سحق الثوريين البرجوازيين البروتستانت بعد سلسلة من الحروب المدنية الفظيعة (على الرغم من أن الديانة التي بقيت في شمال ألمانيا كانت نموذج إقطاعي للبروتستانتية).

واضطر البرجوازيون أن ينتظروا قرنين أو أكثر قبل أن يحرزوا النصر، وذلك في الجولة الثانية التي لم تلبس عباءة الدين في باريس 1789.

الاستغلال وفائض القيمة
في مجتمعات العبودية والإقطاع، كان على الطبقات العليا أن تخلق القوانين التي تسيطر بها على الجماهير العاملة.فإذا لم تفعل ذلك، كان يمكن لأولئك الذين يعملون لدى السيد الإقطاعي أو مالك العبيد الهرب، تاركين الطبقة المتميزة بدون أفراد يعملون في خدمتها.

ولكن الرأسمالي عادة لا يحتاج إلى مثل تلك السيطرة القانونية على الفرد العامل.

إنه لا يحتاج لأن يمتلكه ولكنه يجب أن يتأكد من أن العامل الذي يرفض العمل لدى الرأسمالي سوف يموت من الجوع. فبدلاً من امتلاك العامل يمكن للرأسمالي أن يزدهر ويتقدم لأنه يملك ويسيطر على مصدر عيش العامل: أي الآلات والمصانع.

فالاحتياجات المادية للحياة كانت تُنتَج بواسطة عمل البشر.

ولكن يصبح هذا العمل غير مفيد على الإطلاق بدون آلات تحرث الأرض وتصنّع المواد الخام. ويمكن أن تتنوع هذه الآلات تنوعا كبيرا، بداية من الآلات الزراعية البدائية مثل المحراث والفأس، وانتهاء بالآلات المعقدة والتي تجدها في المصانع الحديثة. وهكذا، فبدون الآلات لا يستطيع حتى أكثر العمال مهارة أن ينتجوا الأشياء التي يحتاجها البشر للبقاء على قيد الحياة.

لقد كان تطور تلك الآلات – والتي عادة ما يطلق عليها “وسائل الإنتاج” – هو العامل الذي يفصل بين إنسان العصر الحديث وأسلافنا القدامى في العصر الحجري.

فالرأسمالية تعتمد على امتلاك وسائل الإنتاج هذه بواسطة قلة من الأفراد. وفي بريطانيا اليوم، على سبيل المثال، يمتلك 1% من السكان حوالي 84% من الأسهم والسندات في الصناعة.

كما تتركز في أياديهم آليات التحكم الفعال في الغالبية العظمى من وسائل الإنتاج – مثل الآلات، المصانع، حقول البترول، وأفضل الأراضي الزراعية.

ويستطيع غالبية الجماهير أن يحصلوا على وسائل عيشهم فقط إذا سمح لهم الرأسماليون بالعمل في وبوسائل الإنتاج تلك. إن هذا يعطي الرأسماليين قوة هائلة لاستغلال عمل البشر الآخرين، حتى إذا كان “الكل متساوي” أمام القانون.

لقد مكث الرأسماليون عدة قرون لكي يشيدوا نظم احتكارهم وسيطرتهم على وسائل الإنتاج.

ففي إنجلترا، على سبيل المثال، كان على البرلمان في القرنين السابع والثامن عشر أن يمرّر أولا سلسلة من اللوائح الصارمة والتي قضت على الفلاحين بالطرد من أراضيهم التي حرثوها لقرون عديدة، أي وسائل إنتاجهم.

وأصبحت الأرض ملكاً لقسم من الطبقة الرأسمالية، وتم إجبار سكان الريف على بيع عملهم للرأسماليين أو أن يموتوا من الجوع.

وعندما حقق الرأسماليون هذا الاحتكار على وسائل الإنتاج، منحوا الجماهير الحرية والمساواة الشكلية في ممارسة الحقوق السياسية معهم.

فمهما بلغت “الحرية” بالعمال، كان عليهم أن يعملوا للبقاء على قيد الحياة.

ونجد لدى الاقتصاديين المساندين للرأسمالية تفسيرا بسيطا لما حدث في تلك المرحلة. فهم يقولون أنه بدفعه للأجور، يشتري الرأسمالي عمل العامل.

ويجب عليه أن يدفع ثمنا منصفا له، وإلاّ سوف يتركه العامل ليعمل عند آخر.

فالرأسمالي يعطي “أجر يومي منصف” وفي المقابل يجب أن يعطي العامل “عمل يومي منصف” .

كيف إذن يفسرون الربح؟
يقولون إن الربح يعتبر “مكافأة” للرأسمالي على “تضحيته” في السماح باستخدام وسائل إنتاجه (رأسماله).

وتعتبر هذه الأطروحة غير مقنعة لأي عامل يفكر في الأمر لمدة دقيقة واحدة.

خُذ مثلا شركة تعلن عن “معدل ربح صافي” 10%. فهي تقول أنه إذا كانت تكلفة الآلات والمصانع كلها وغيرها التي تمتلكها تبلغ 100 مليون جنيه إسترليني، فسيتبقى لهم 10 مليون إسترليني كربح بعد دفع الأجور وتكلفة المواد الخام وإحلال الآلات المتهالكة في السنة.

وأنت لا تحتاج أن تكون عبقريا لترى أنه بعد عشرة أعوام ستكون الشركة قد حققت إجمالي ربح 100 مليون جنيه إسترليني – أي التكلفة الكلية لاستثماراتهم في البداية.

فإذا كانت “التضحية” هي التي تُكافَأ، فبالتأكيد بعد العشرة أعوام الأولى ستكون كل الربحية قد انتهت.

وعند هذه النقطة، سيكون الرأسماليون قد حصلوا على المبلغ الكامل الذي وضعوه كرأسمال في البداية. ولكن في الواقع، أصبح الرأسمالي الآن أكثر ثراء عن السابق بالضعف.

فهو يمتلك استثماره الأصلي و الأرباح المتراكمة.

أما بالنسبة للعمال في هذه الأثناء، فهم قد ضحّوا بمعظم طاقتهم التي تعينهم على الحياة وذلك بالعمل في المصنع لمدة 8 ساعات يوميا، أي 48 ساعة أسبوعيا.

هل أصبحوا أكثر ثراء بالضعف في نهاية الأعوام العشرة عن البداية؟ بالطبع لا.

وحتى إذا كان العامل يدّخر بشكل متصل، فهو لن يستطيع أن يشتري أكثر من تليفزيون ملون مثلا أو سيارة مستعملة، أو ما شابه ذلك.

فالعامل لن يتمكن أبدا من أن يدخر المال الذي يجعله قادرا على شراء المصنع الذي يعمل به.

وهكذا، “فالعمل اليومي المنصف مقابل الأجر اليومي المنصف” قد ضاعف من رأسمال الرأسمالي بينما ترك العامل بدون رأسمال وبدون بديل غير أن يستمر في العمل بنفس الأجر تقريبا.

فـ “الحقوق المتساوية” للرأسمالي والعامل قد تزايدت بشكل غير متساوي.

إن واحدة من أعظم اكتشافات كارل ماركس هو تفسيره لهذا التناقض الواضح. فليس هناك أي آلية تفرض على الرأسمالي أن يدفع لعماله القيمة الكاملة لعملهم.

فالعامل الذي يعمل في الصناعات الهندسية اليوم، على سبيل المثال، يمكن أن ينتج ما قيمته 400 جنيه إسترليني في الأسبوع الواحد.

ولكن هذا لا يعني أنه سيحصل على نفس هذا المبلغ كأجر، ففي 99% من الحالات، يحصل العامل على أقل بكثير من هذا المبلغ.

أما البديل بالنسبة للعامل فهو أن يجوع (أو يعيش على المبالغ التعيسة التي يقدمها له الضمان الاجتماعي).

ولذلك فالعمال يطالبون ليس بالقيمة الكاملة لما ينتجون، ولكن ما يكفي لتوفير ظروف معيشية محتملة. فالعامل يأخذ أجرا يكفيه فقط لكي يستطيع بذل كل مجهوده وكل قدرته على العمل يوميا (وهو ما أطلق عليه ماركس قوة عمله) لحساب الرأسمالي.

ومن وجهة نظر الرأسمالي، إذا تم دفع أجر للعمال يكفيهم لمواصلة العمل وتنشئة أطفالهم كجيل جديد من العمال، فهم بذلك يحصلون على مبلغ منصف لقوة عملهم.

ولكن قيمة الثروة التي يحتاجونها للحفاظ على مواصلة العمال للعمل أقل كثيرا جدا من قيمة الثروة التي ينتجونها من خلال عملهم – أي قيمة قوة عملهم أقل كثيرا جدا من القيمة التي حققوها من خلال عملهم.

والفرق يذهب إلى جيوب الرأسمالي. أطلق ماركس على ذلك “فائض القيمة”.

التوسع الذاتي للرأسمال
إذا قرأت كتابات المتعاطفين مع النظام القائم، فسوف تلاحظ أنهم يشتركون في اعتقاد من نوع غريب.

فالمال بالنسبة لهم له خاصية سحرية، ويمكن أن ينمو مثل النبات أو الحيوان.

فعندما يضع الرأسمالي أمواله في البنك، فهو يتوقع أن قيمتها ستزيد.

وعندما يستثمرها في شراء أسهم شركة ما مثل يونيليفر مثلا، فهو يتوقع أنه سيُكافأ بمبالغ طازجة من الأموال كل عام على هيئة فوائد.

لاحظ كارل ماركس هذه الظاهرة والتي أطلق عليها “التوسع الذاتي للرأسمال” وشرع في تفسيرها.

فكما شهدنا سابقا، لم يبدأ ماركس من نقطة النقود بل من العمل ووسائل الإنتاج.

في مجتمعنا الحالي، أولئك الذين يملكون ثروة كافية يمكنهم شراء وسائل الإنتاج، ثم يفرضون على الأشخاص الآخرين أن يبيعوا لهم العمل الذي يحتاجونه لتوظيف وسائل الإنتاج.

إن سر “التوسع الذاتي للرأسمال”، أو القدرة الإعجازية للنقود على النمو لأولئك الذين يملكون الكثير منها يكمن في بيع وشراء هذا العمل.

دعنا نأخذ مثالاً بعامل، وسوف نطلق عليه جاك.

يجد جاك وظيفة عند أحد الرأسماليين وليكن مثلا السيد براوننج براون.

إن العمل الذي يستطيع جاك أن ينتجه في ثماني ساعات من العمل سوف يحقق قيمة أكبر من الثروة – ربما تبلغ 48 جنيه إسترليني.

ولكن جاك سيكون مستعدا للعمل في مقابل قيمة أقل من ذلك لأن البديل هو الاعتماد على الضمان الاجتماعي.

فجهود أعضاء البرلمان من المناصرين للرأسمالية سوف تحاول بأي طريقة أن يحصل جاك على 12 جنيه إسترليني فقط في اليوم الواحد من الضمان الاجتماعي لكي تضمن أنه سوف يعيش بالكاد على هذا المبلغ هو وأسرته.

وهم يفسرون ذلك بأنهم إذا أعطوه مبلغا أكبر فسوف “يحطم حافزه للعمل”.

وإذا أراد جاك أن يحصل على أكثر من 12 جنيه إسترليني في اليوم فعليه أن يبيع قوة عمله حتى إذا كان سيحصل على أقل من 48 جنيه إسترليني كقيمة للثروة التي ينتجها في 8 ساعات عمل.

وربما يكون جاك مستعدا لأن يعمل في مقابل متوسط الأجر الذي يبلغ 28 جنيه إسترليني في اليوم.

أما الـ20 جنيه إسترليني الفارق بين المبلغين فسيذهب إلى جيب السيد براوننج، حيث يعتبر هذا فائض القيمة الذي تحقق للسيد براوننج.

فلأن لديه ما يكفي من الثروة لشراء السيطرة على وسائل الإنتاج في المقام الأول، فإن السيد براوننج براون يمكنه ضمان أن يصبح أكثر ثراء من خلال الـ20 جنيه إسترليني التي يستخلصها يوميا من كل عامل لديه. وهكذا، فإن أمواله تنمو ورأسماله يتوسع، ليس بسبب قانون ما في الطبيعة، ولكن لأن سيطرته على وسائل الإنتاج تسمح له بأن يحصل على عمل شخص آخر بثمن أرخص.

وبالطبع، فإن السيد براوننج ربما لا يحصل بالضرورة على مبلغ الـ20 جنيه بكامله لنفسه، حيث أنه يمكن أن يكون مؤجّراً للمصنع أو الأرض، أو ربما يكون قد اقترض بعض من رأسماله في البداية من أعضاء آخرين في الطبقة الحاكمة. وبذلك فهم يطالبونه بأن يقتطع من فائض القيمة ليسدد لهم ما اقترضه.

وهكذا، فربما أنه يسدد لهم 10 جنيه كقيمة للإيجار أو الفائدة أو الأسهم المالية، تاركا لنفسه الـ 10 جنيه فقط الأخرى كربح.

إن أولئك الذين يعيشون على عوائد الأسهم والسندات غالبا لم يروا جاك أبدا في حياتهم. وعلى رغم ذلك، لم تكن أبدا القوة الروحية للجنيه هي التي وفرت لهم الدخل، بل القوة البدنية لجاك هي التي فعلت ذلك.

فعوائد الأسهم والفوائد والأرباح قد أتت كلها من فائض القيمة.

فما الذي يحدد على كم يجب أن يحصل جاك كمقابل لعمله؟

إن صاحب العمل سوف يحاول أن يدفع أقل ما يمكن، ولكن في الواقع هناك حدود لا يستطيع أن يتعداها.

أحد هذه الحدود هي القدرة البدنية – فهو لن يستفيد شيئا إذا أعطى العمال أجورا سيئة جدا تجعلهم لا يستطيعون العيش أصحاء ويعانون من سوء التغذية وانعدام القدرة على العمل.

فالعمال يجب أيضا أن تكون لديهم المقدرة البدنية للذهاب والعودة من وإلى العمل يوميا، وأن يكون لديهم مكانا يستريحون فيه في الليل حتى لا ينامون في الصباح على آلاتهم في المصنع.

وانطلاقا من وجهة النظر هذه، فربما يكون من الأفضل دفع أجور تتيح للعمال “بعض من الترفيه” – مثل شرب بعض البيرة في المساء، أو مشاهدة التليفزيون، أو الإجازات الموسمية.

إن هذه الأشياء تجعل العامل أكثر نشاطا وأكثر قدرة على العمل؛ فهي تعمل على تزويده بالوقود لرفع قوة عمله.

وإنها لحقيقة هامة معرفة أنه إذا “انخفضت الأجور كثيرا” فهذا يؤدي إلى انخفاض إنتاجية العمل، كما أن الرأسمالي لديه أمرا آخر يقلقه.

فشركته سوف تظل في السوق لسنوات طويلة، أي أطول من العمر الافتراضي للطابور الحالي من العمال.

وستصبح الشركة في حاجة إلى عمل أطفالهم، ولذلك فعلى أصحاب العمل أن يدفعوا أجورا للعمال تكفيهم لتنشئة أطفالهم. ويجب عليهم أيضا أن يتأكدوا من أن الدولة توفر لهؤلاء الأطفال مهارات معينة (مثل القراءة والكتابة) من خلال النظام التعليمي.

ومن واقع الممارسة، هناك شيء آخر هام أيضا: وهو ما يعتقد العامل نفسه أنه “أجر معقول”.

فالعامل الذي يحصل على أقل بكثير مما يعتقد أنه أجرا معقولا ربما يهمل عمله ولا يهتم بضياعه حيث أنه أصبح بالنسبة له “غير مُجدي”.

إن كل هذه العوامل التي تحدد أجر العامل يوجد بينها شيء مشترك، فهي كلها تتجه نحو التأكد من أن العامل لديه الطاقة الكافية، أو قوة العمل، التي يشتريها الرأسمالي بالساعة.

والعمال يحصلون على الأجور التي تمكنهم وأسرهم من البقاء على قيد الحياة وتكون لديهم القدرة على العمل.

ففي المجتمع الرأسمالي الحالي، هناك نقطة يجب التركيز عليها.

إن هناك مبالغ ضخمة من الثروة تنفق على أشياء مثل قوات البوليس والأسلحة، حيث تستخدم هذه الأشياء لصالح الطبقة الرأسمالية من قبل الدولة. وفي الحقيقة فهي تنتمي للطبقة الرأسمالية على الرغم من أنها تعمل بواسطة الدولة.

والقيمة التي يتم إنفاقها على تلك الأشياء تنتمي للرأسماليين وليس للعمال. ولذلك، فهي تعتبر أيضا جزء من فائض القيمة.

فائض القيمة = الربح + الإيجار + الفوائد + الإنفاق على البوليس والجيش وغيرهما.

« السابق التالي »