بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

كيف تعمل الماركسية؟

« السابق التالي »

الفصل السادس: كارثة اقتصادية

“تراكم الثروة من ناحية، والفقر من ناحية أخرى”.

هكذا لخص ماركس اتجاه الرأسمالية. كل رأسمالي يخشى المنافسة من الآخرين، لذلك يشغل موظفيه بأقصى طاقة ممكنة، ويدفع أقل أجور يمكن أن يفلت بها.

النتيجة هي عدم تناسب بين النمو الكبير لوسائل الإنتاج من ناحية، والنمو المحدود في الأجور وعدد العمال الموظفين ( المستخدمين) على الناحية الأخرى. هذا، كما أصر ماركس كان السبب الرئيسي لكارثة اقتصادية.

أسهل طريقة للنظر لهذا هو أن نسأل:

من يشتري كمية البضائع المتزايدة بكثرة؟

الأجور المنخفضة للعمال تعني أنهم لا يستطيعون تحمل شراء البضائع التي أنتجها عملهم هم. والرأسماليون لا يستطيعون زيادة الأجور، لأن هذا سيدمر الربح، القوة الدافعة للنظام.

لكن إذا كانت الشركات لا تستطيع بيع البضائع التي تنتجها، يكون عليهم إغلاق المصانع وطرد العمال.

بهذا ينخفض الإجمالي الكلي للأجور أكثر، وبالتالي لا تستطيع المزيد من الشركات بيع بضائعها. تبدأ ” كارثة إفراط في الإنتاج”، حيث تكدس البضائع في السوق، ولا يستطيع الناس تحمل شراؤها.

كان هذا ملمح متواتر للمجتمع الرأسمالي خلال ال 180 عاما الماضية.

لكن أي فهم سريع وفطن للنظام سيشير بسرعة إلى أنه يجب أن يكون هناك طريق سهل للخروج من الكارثة.

كل ما نحتاجه هو أن يستثمر الرأسماليون أرباحهم في مصانع وآلات جديدة.

هذا سيوفر وظائف للعمال، الذين بدورهم سيكونون وقتها قادرين على شراء البضائع غير المباعة. هذا يعني أنه طالما يوجد استثمار جديد يمكن بيع كل البضائع المنتجة ويمكن للنظام أن يوفر توظيف كامل.

لم يكن ماركس غبيا وأدرك هذا.

بالفعل كما رأينا، لقد أدرط أن ضغط المنافسة على الرأسماليين ليستثمروا، كان جوهريا للنظام.

لكنه تسائل، هل هذا يعني أن الرأسماليين سيستثمرون كل أرباحهم، كل الوقت؟

الرأسمالي سيستثمر البضائع فقط إذا أعتقد أنه يضمن تحقيق ربح معقول.

إذا لم يكن يعتقد أنه يمكن تحقيق مثل هذا الربح، فلن يخاطر بأمواله في استثمار. سيضعها في البنك ويتركها هناك.

إذا كان الرأسمالي سيستثمر أم لا يعتمد على كيفية تقديره للوضع الاقتصادي عندما يبدو ملائما، وقتها يسرع كل الرأسماليين للاستثمار في نفس الوقت.

يتصارعون معا بحثا عن مواقع للإنشاءات، يشترون الآلات، يطوفون الأرض بحثا عن مواد خام، يدفعون أكثر من أجل العمالة الماهرة. عادة ما يسمى هذا الوضع بالرواج.

لكن المنافسة المجنونة على الأرض، المواد الخام والعمالة الماهرة ترفع أسعار هذه الأشياء.

وفجأة يتم الوصول إلى نقطة تكتشف عندها بعض الشركات أن تكاليفها قد ارتفعت كثيرا مما جعل كل أرباحهم تختفي.

وهكذا يهوي الرواج الاستثماري في الحال إلى كساد استثماري. لا أحد يريد آلات جديدة فتدخل صناعة المعدات والآلات في أزمة.
لا أحد يريد كل الحديد والصلب الذي يتم إنتاجه ـ فجأة تصبح صناعة الصلب تعمل بأقل من قدرتها وتصبح غير مربحة، ينتشر الإغلاق والإقفال من صناعة لصناعة، مما يدمر الوظائف ـ ومعها قدرة العمال على شراء منتجات صناعاتهم.

تاريخ الرأسمالية هو تاريخ مثل هذه الترنحات الدورية التي تؤدي إلى جنون جوع العمال العاطلين خارج المصانع الفارغة، بينما يتعفن مخزون البضائع غير المرغوب فيها.

تخلق الرأسمالية أزمات الإفراط في الإنتاج هذه دوريا، لأنه لا يوجد تخطيط، لذلك لا توجد طريقة لوقف فرار رأس المال من وإلى الاستثمار كله مرة واحدة.

اعتاد الناس الاعتقاد أن الدولة لا تستطيع وقف هذا عن طريق التدخل في الاقتصاد، زيادة استثمار الدولة عندما كان الاستثمار الخاص منخفضا، وبالتالي خفضه عندما يلحق به الاستثمار الخاص. الدولة ستستمر في الإنتاج على ….

متساوية، لكن الأيام الحالية استثمار الدولة أيضا هو جزء من الجنون.

انظر إلى الصلب البريطاني.منذ سنوات مضت، عندما كانت الشركة مازالت قطاع عام، قيل لعمال الصلب أن وظائفهم تتقلص لإفساح الطريق للقمائن الأوتوماتيكية الحديثة المصممة لإنتاج المزيد من الصلب بأسعار أكثر رخصا.

الآن يقال لهم إنه مازال هناك المزيد من العمال الذين يجب أن يفقدوا وظائفهم ـ لأن بريطانيا لم تكن الدولة الوحيدة التي أقدمت عتلى هذه الخطط الاستثمنارية الضخمة.

فرنسا، ألمانيا، الولايات المتحدة، البرازيل، أوربا الشرقية وحتى كوريا الجنوبية، كلهم فعلوا نفس الشيء. الآن يوجد فائض عالمي من الصلب ـ أزمة زيادة في الإنتاج.يتم تخفيض الاستثمار الحكومي وبالطبع عمال الصلب يعانون في كلا الحالتين.

هذا هو الثمن الذي ما زالت الإنسانية تدفعه لنظام اقتصادي يتم فيه التحكم في إنتاج الثروة الضخمة عن طريق مجموعة صغيرة محظوظة مهتمة فقط بالربح.

لا يهم إذا كانت هذه المجموعات الصغيرة المحظوظة هذه تمتلك الصناعة مباشرة، أو تتحكم فيها بشكل غير مباشر من خلال تحكمها في الحكومة ( كما في حالة الصلب البريطاني).

بينما تستخدم هذا التحكم للمنافسة مع بعضهم البعض على أكبر نصيب من الأرباح، سواء محليا أو عالميا، فإن العمال هم الذين يعانون على الناحية الأخرى.

الجنون الأخير للنظام هو أن أزمة الإفراط في الإنتاج، ليست إفراطا في الإنتاج على الإطلاق. كل هذا الصلب الفائض، على سبيل المثال، يمكن أن يساعد على حل مشكلة الجوع في العالم.

الفلاحون حول العالم يضطرون لحرث الأرض باستخدام أسلحة خشبية للمحاريث ـ الأسلحة الصلب يمكن أن تزيد إنتاج الطعام. لكن الفلاحين لا يملكون نقودا على أية حال، لذلك النظام الرأسمالي ليس مهتما ـ لا يوجد ربح يمكن تحقيقه.

لماذا تنحو الأزمة لأن تصبح أسوأ؟
الأزمة لا تحدث فقط بانتظام رتيب.تنبأ ماركس كذلك بأن الأزمات ستزداد سزءا بمرور الوقت.حتى إذا حدث الاستثمار بمعدل متساوي، بدون عدم انتظام، هذا لا يمكن أن يوقف الاتجاه العام تجاه الكارثة.هذا بسبب أن المنافسة بين الرأسماليين (والدول الرأسمالية) تجبرهم على الاستثمار في المعدات التي توفر العمالة..

في بريطانيا اليوم تقريبا كل الاستثمارات الجديدة مصممة لتخفيض عدد العمال الذين يتم توظيفهم..

لهذا يوجد عمال أقل في الصناعة البريطانية اليوم عن 10 سنوات مضت، حتى على الرغم من أن الإنتاج زاد خلال هذا الوقت..

فقط عن طريق ترشيد الإنتاج، بزيادة الإنتاجية، وتخفيض قوة العمل يمكن للرأسمالي الحصول على نصيب أكبر من الكعكة بالمقارنة بغيره..

لكن النتيجة بالنسبة للنظام ككل مدمرة..

لأن هذا يعني أن عدد العمال لا يزداد بنفس سرعة الاستثمار..

ومع ذلك فإنه عمل العمال هو مصدر الأرباح، الوقود الذي يبقي النظام مستمرا. إذا قمت بعمل استثمارات أكبر وأكبر، بدون زيادة مقابلة في مصدر الأرباح، فأنت تتجه نحو انهيار ـ بنفس التأكيد كما لو أنك توقعت قيادة سيارة جاجوار بنفس كمية البترول الكافية لقيادة سيارة صغيرة..

لهذا السبب جادل ماركس منذ 100 سنة مضت أن نجاح الرأسمالية نفسه في تكويم استثمارات ضخمة في معدات جديدة أدى إلى اتجاه معدل الربح للانخفاض مما يعني كارثة تزداد سوءا..

أطروحة ماركس يمكن تطبيقها ببساطة على الرأسمالية اليوم..

بدلا من الصورة القديمة للأوقات السيئة التي تتحول لأوقات جيدة، للركود الذي يتحول لرواج، يبدو أننا في ركود لا ينتهي أبدا..
أي فترة صعود، أي انخفاض في البطالة يكون محدودا وقصير الأجل..

المدافعون عن النظام يقولون إن هذا بسبب أن الاستثمار ليس عاليا بما يكفي. بدون استثمار جديد لا توجد وظائف جديدة، بدون وظائف جديدة لن توجد نقود لشراء بضائع جديدة..

حتى الآن، يمكن أن نتفق معهم ـ لكننا لا نتفق مع تفسيرهم للماذا يحدث هذا..

هم يلومون الأجور. الأجور عالية جدا، كما يقولون، مما يخفض الأرباح إلى أبعد حد..

الرأسماليون يخشون من الاستثمار لأنهم لن يحصلوا على ” مقابل كافي”..

لكن الأزمة استمرت طوال سنوات طويلة، خلال هذه السنوات أدت السياسات الحكومية في الأجور إلى تخفيض مستويات معيشة العمال وإلى رفع الأرباح..

شهدت سنوات 75-1978 أكبر خفض لمستويات معيشة العمال هذا القرن، بينما ازداد الأغنياء غنى ـ رفع ال 10% الموجودين على القمة نصيبهم من الكعكة القومية من 57.8% في 1974 إلى 60% في 1976.

مازال لا يوجد استثمار كافي لإنهاء الأزمة ـ وينطبق هذا ليس فقط على بريطانيا، لكن على دول أخرى تم فيها خفض الأجور، على فرنسا واليابان وألمانيا. من الأفضل إذن لنا أن نستمع لما قاله كارل ماركس منذ 100 سنة مضت، عن الاستماع لهؤلاء الذين يدافعون عن الرأسمالية اليوم.

تنبأ ماركس أنه كلما طال عمر الرأسمالية ، ستصبح أزمتها أسوأ لأن مصدر الربح، العمل، لا ينمو تقريبا بنفس السرعة مثل الاستثمار المطلوب لتشغيل العمال.

كتب ماركس ذلك عندما كانت قيمة الآلات والمعدات اللازمة لتشغيل كل عامل منخفضة نوعا ما. وقد ارتفعت من وقتها لتصل اليوم من 20 ألف إلى 30 ألف استرليني.

المنافسة بين المشروعات الرأسمالية أجبرت الرأسماليين على استخدام آلات أكثر كبرا وأكثر تكلفة.

لقد تم الوصول لنقطة في كل الصناعات عندها أصبح من المسلم به أن الآلات الجديدة تعني عمالا أقل.

تنبأت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أن التوظيف في الاقتصادات الرئيسية في العالم سيهبط حتى إذا حدثت معجزة وخلقت الاستثمارات وهو ما لن يحدث.

لأن الرأسماليين يهتمون بأرباحهم، وإذا زاد استثمارهم أربعة أضعاف بينما زادت أرباحهم ضعفين فقط فهم يصبحون فعلا مستاءين.
ومع ذلك فهذا هو ما يجب أن يحدث إذا نمت الصناعة أسرع من مصدر الربح، العمل.

كما أوضح ماركس، سيتجه معدل الربح للانخفاض.

وتنبأ أنه في النهاية سيتم الوصول لنقطة سيبدو فيها أي استثمار جديد مجازفة خطيرة. نطاق الإنفاق المطلوب لشراء معدات وآلات جديدة سيصبح مهولا، لكن معدل الربح سيكون أقل من أي وقت مضى.

عندما يتم الوصول لهذه النقطة، كل رأسمالي أو دولة رأسمالية يحلم ببرامج استثمار جديدة وضخمة ـ ولكن يخشى تطبيقها خوفا من الانسحاق.

اقتصاد العالم اليوم مماثل لهذا بشدة. يخطط روفر لخطوط إنتاج جديدةـ لكن يخشى أنها ستخسر نقودا.

الصلب البريطاني يحلم بهذه المصانع الكبيرة التي خططوا لها لكنهم يضطرون لتجميدها لأنهم لا يستطيعون بيع إنتاجهم الحالي.

توقف بناة السفن اليابانيون عن الاستثمار في أحواض جديدة ـ وبعضا من الأحواض القديمة يتم غلقها.

نجاح الرأسمالية نفسه في بناء آلات أضخم وأكثر إنتاجا أوصل النظام لنقطة تبدو فيها الأزمة الدائمة واضحة.

كانت المجتمعات العبودية للعالم القديم والمجتمعات الإقطاعية للعصور الوسطى قد وصلت للنقطة التي فيها إما أن تقوم ثورة بتغيير المجتمع أو يدخل في أزمة دائمة يمكن أن تدفع للخلف. في حالة روما، افتقاد الثورة أدى بالضبط لتدمير الحضارة الرومانية وللعودة للعصور المظلمة.

في حالة بعض المجتمعات الإقطاعية ـ بريطانيا وفيما بعد فرنسا ـ الثورة دمرت النظام القديم وجعلت حدوث تقدم اجتماعي جديد ممكنا، في ظل الرأسمالية.الآن الرأسمالية نفسها تواجه الاختيار بين أزمة دائمة، ستؤدي أخيرا إلى إغراق البشرية مرة أخرى في البربرية من خلال الفقر والحرب، أو ثورة اشتراكية.

« السابق التالي »