بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

كيف تعمل الماركسية؟

« السابق التالي »

الفصل الثامن: كيف يمكن تغيير المجتمع؟

في بريطانيا، الأغلبية العظمى من الاشتراكيين والنقابيين ظلوا يؤكدون بشكل عام أنه يمكن تغيير المجتمع بدون ثورة عنيفة. كل ما نحتاجه، كما يقولون، هو أن يكسب الاشتراكيون الدعم الشعبي الكافي من أجل التحكم في المؤسسات السياسية التقليدية ـ البرلمان والمجالس المحلية.

عندئذ سيكون الاشتراكيون في وضع يسمح لهم بتغيير المجتمع عن طريق السيطرة على الدولة القائمة ـ الخدمة المدنية، السلطة القضائية، البوليس، القوات المسلحة لفرض قوانين في صالح الطبقة العاملة.

بهذه الطريقة تم الادعاء أن الاشتراكية يمكن أن تدخل حيز التنفيذ تدريجيا وبدون عنف ، عن طريق إصلاح الوضع الحالي.

هذه الرؤية دائما ما يشار لها بالإصلاحية، على الرغم من أنك مرارا ستستمع للكلمة مقرونة بكلمات أخرى هي ” المراجعة” (لأنها تتضمن مراجعة تامة لأفكار ماركس)، ” الديمقراطية الاجتماعية” (على الرغم من أنه حتى 1914 كان هذا يعني الاشتراكية الثورية)، أو الفابية ( إشارة إلى المجتمع الفابي الذي طالما دعت للرؤية الإصلاحية في بريطانيا). وهي رؤية يقبلها يسار وأيضا يمين حزب العمال البريطاني.

الإصلاحية، تبدو للوهلة الأولى، معقولة جدا. فهي تتفق مع ما قيل لنا في المدرسة، في الصحف والتليفزيون ، من أن ” البرلمان يدير البلاد” وأن ” البرلمان ينتخب طبقا للرغبات الديمقراطية للشعب”.

لكن على الرغم من أن كل محاولة لإدخال الاشتراكية من خلال البرلمان انتهت بالفشل: كانت هناك ثلاث حكومات عمال بالأغلبية في بريطانيا بعد الحرب ـ بأغلبيات ضخمة في 1945 و 1966 ـ بالرغم من ذلك كله نحن لسنا أقرب للإشتراكية عما كنا عليه في 1945.

التجربة خارج بريطانيا هي نفسها. في شيلي في 1970، تم انتخاب الاشتراكي سلفادور الليندي رئيسا.

وادعي الناس أن هذا كان ” طرريقا جديدا” للتحرك نحو الاشتراكية. بعد ثلاث سنوات، أطاح الجنرالات الذين طلب منهم الانضمام للحكومة بالليندي وتم تدمير حركة الطبقة العاملة الشيلية.

هناك ثلاث أسباب متصلة فيما بينها لضرورة فشل الإصلاحية دائما. أولا، بينما تقوم الأغلبيات الاشتراكية في البرلمانات بادخال الإجراءات الاشتراكية بالتدريج، تستمر القوى الاقتصادية الحقيقية باقية في أيدي الطبقة الحاكمة القديمة.

ويمكنهم أن يستخدموا هذه القوة الاقتصادية لإغلاق أقسام كاملة من الصناعة، لخلق بطالة، لرفع الأسعار من خلال المضاربة والاختزان، لإرسال النقود للخارج خالقين أزمة في ” ميزان المدفوعات”، لشن حملات صحفية تلوم الحكومة الاشتراكية على كل هذا.

لذلك أجبرت حكومة العمال ل ” هارولد ويلسون” في 1964 ـ ومرة أخرى في 1966 ـ على التخلي عن الإجراءات التي كان يمكن أن تفيد العمال بسبب حركة النقود للخارج بالجملة التي تقوم بها الشركات والأفراد الأثرياء. يصف ويلسون نفسه في مذكراته كيف حدث هذا:” لقد وصلنا الآن إلى الوضع الذي يقول فيه المضاربون الدوليون لحكومة جديدة منتخبة إن السياسة التي حاربنا على أساسها الانتخابات لا يمكن تطبيقها..الوزير الأول للملكة طلب منه اسدال الستار على الديمقراطية البرلمانية بقبول نظررية أن الانتخابات في بريطانيا هي كوميديا هزلية، وأن الشعب البريطاني لا يستطيع الاختيار بين سياستين”.

نحتاج فقط أن نضيف أنه على الرغم من ادعاء ويلسون السخط، إلا أنه على مدى الستة سنوات التالية اتبع بالفعل نوعية السياسات التي طالب بها المضاربون.

نفس الخلق المتعمد لأزمة ميزان المدفوعات أجبرت حكومة العمال المنتخبة في 1974 على إدخال ثلاث مجموعات متتالية من التخفيضات في الإنفاق العام في المستشفيات، المدارس والخدمات الاجتماعية.

حكومة الليندي في شيلي واجهت تفكك أكبر على يد المشروعات الكبيرة. مرتين تم اغلاق أقسام كاملة من الصناعة بسبب اضراب الرؤساء، حيث رفعت المضاربة الأسعار لمستوى ضخم وأدى تخزين رجال الأعمال للسلع إلى التزاحم في طوابير من أجل الحصول على ضروريات الحياة.

السبب الثاني لعدم إمكانية إصلاح الرأسمالية هو أن آلة الدولة القائمة ليست محايدة، لكن مصممة، من أعلى لأسفل، لحفظ المجتمع الرأسمالي. فالدولة تتحكم تقريبا في كل وسائل ممارسة الضغوط المادية ووسائل العنف. فإذا كانت مؤسسات الدولة محايدة، وتفعل أي شيء تطلبه منها أي حكومة بعينها، سواءا رأسمالية أو اشتراكية، إذن فالدولة يمكن أن تستخدم لوقف تخريب المشاريع الاقتصادية الكبرى. لكن أنظر للطريقة التي تعمل بها آلة الدولة ومن الذي يعطي الأوامر فعلا، وستستطيع أن ترى أنها ليست محايدة.

آلة الدولة ليست فقط الحكومة. انها تنظيم واسع له أفرع عديدة مختلفة ـ البوليس، الجيش، السلطة القضائية، الإدارة المدنية، الناس الذين يديرون الصناعات الوطنية وما إلى ذلك. الكثير من هؤلاء الذين يعملون في هذه الأفرع المختلفة يأتون من الطبقة العاملة ـ فهم يعيشون ويتلقون رواتبهم مثل العمال. لكن هؤلاء الناس ليسوا هم الذين يتخذون القرارات.

الجنود العاديون لا يقررون أين ستخاض الحروب أو إذا كانت الإضرابات سيتم كسرها، كاتب الشباك في مكتب الضمان الاجتماعي لا يقرر حجم الإعانات التي سيتم دفعها. آلة الدول كلها ترتكز على مبدأ أن هؤلاء الموجودين على إحدى درجات السلم يطيعون الموجودين على الدرجة الأعلى.

هذا هو بالضرورة الوضع في أقسام آلة الدولة التي تمارس عنف مادي. الجيش، البحرية، القوات الجوية والبوليس.

أول شيء يتعلمه الجنود بعد تجنيدهم ـ قبل السماح لهم بلمس الأسلحة بفترة طويلة ـ هو طاعة الأوامر. لهذا فهم يتعلمون عمل تمرنات عبثية. وإذا كانوا سيتبعون أوامر مجنونة على أرض العرض بدون تفكير فيها فمن المقدر أنهم سيطلقون النيران عندما يؤمروا بذلك بدون التفكير فيه هو الآخر.

وأفظع الجرائم في أي جيش هي رفض إطاعة الأوامرـ التمرد. وينظر لهذه الإساءة بشكل جاد جدا، حتى أن التمرد في بريطانيا خلال وقت الحرب ما زالت عقوبته الإعدام.

من يعطي الأوامر؟

إذا نظرت إلى سلسلة الأوامر في الجيش البريطاني والجيوش الأخرى فهي تسير حسب الرتب ( فريق ـ لواء ـ عميد ـ..الخ) وفي كل مراحل سلسلة الأوامر تلك لا ينظر فيها الممثلين المنتخبين أو المستشارين المحليين.فإطاعة مجموعة عساكر للعضو المحلي في البرلمان بدلا من ضابطهم يعد تمردا.

الجيش هو آلة قتل ضخمة.الأشخاص الذين يديرونه ـ ويملكون سلطة ترقية ضباط آخرين لمناصب قيادية ـ هم الجنرالات.

بالطبع، نظريا الجنرالات مسئولون أمام الحكومة المنتخبة. لكن الضباط مدربون على إطاعة الجنرالات وليس السياسيين. إذا اختار الجنرالات إعطاء أوامر لضباطهم تختلف مع رغبات حكومة منتخبة، لا تستطيع الحكومة ابطال هذه الأوامر.يمكنها فقط محاولة إقناع الجنرالات لتغيير رأيهم.

وعلى سبيل المثال فقد هدد الجنرالات الذين يقودون الجيش البريطاني في ايرلندا بالاستقالة ورفضوا تنفيذ تعليمات الحكومة المنتخبة بأن يحركوا قواتهم شمالا للتعامل مع هذه القوة، ونتيجة لهذا الموقف الذي عاده ما يطلق عليه ” تمرد ” لم تحظ أيرلندا، بشمالها وجنوبها، ببرلمان موحد في 1914 وبقيت أمة مقسمة حتى في 1974 تكرر سيناريو أحداث 1914 ولكن بشكل مصغر. فقد نظم الجناح اليميني الموالي للطائفية في أيرلندا الشمالية إضرابًا عامًا للصناعة مستخدما المتاريس لمنع الناس من الذهاب للعمل، وذلك احتجاجًا على تشكيل حكومة بروتستانتية ـ كاثوليكية ـ مشتركة في أيرلندا الشمالية للتحرك لإزالة المتاريس وإنهاء الإضراب، غير أن كبار المسئولين في الجيش وقادة الشرطة كانوا لهم رأيًا آخر وبالفعل لم تتحرك الشرطة ولا الجنود لتنفيذ التعليمات. وأجبرت الحكومة البروتستانتية ـ الكاثوليكية المشتركة على الاستقالة، وظهر واضحًا أمام الكافة من هو صاحب القرار الحقيقي، والإرادة النافذة.

إذا كان من الممكن أن يحدث هذا في 1914 و 1974 مع حكومات الوسط التي كانت تحاول أن تشق طريقا لإجراءات معتدلة، فتخيل ماذا يمكن أن يحدث إذا انتخبت حكومة اشتراكية صلبة. أي أغلبية إصلاحية جادة في البرلمان ستجبر سريعا على الاختيار: إما التخلي عن الإصلاحات من أجل التصالح مع من يملكون الصناعة ويتحكموا في الوظائف الرئيسية في الدولة، أو تستعد لصراع وجود ضاري مما سيعني في النهاية استخدام نوع من أنواع القوة ضد أصحاب المناصب وذوي النفوذ.

السبب الثالث لكون الإصلاح طريق مسدود هو أن الديموقراطية البرلمانية تحتوي على آليات داخلية لمنع أي حركة ثورية من أن تجد تعبيرا لها داخلها.

يجادل بعض الإصلاحيين إن أفضل طريقة للحصول على السلطة والتحكم في المناصب الرئيسية في الدولة هو أن يحصل اليسار على أغلبية في البرلمان أولا، غير أن هذه الأطروحة تسقط بسبب أن البرلمانات دائما ما تكون هناك فجوة كبيرة بينها وبين الوعي الثوري لدى جمهور السكان.

جمهور الشعب سيثقون أنهم يستطيعون إدارة المجتمع بنفسهم، فقط عندما يبدأون عمليًا في تغيير المجتمع خلال الصراع وعندما يقوم ملايين الناس باحتلال مصانعهم أو يشتركوا في الإضراب عن العمل تبدوا فجأة أفكار الاشتراكية الثورية واقعية.

لكن مثل هذا المستوى للصراع لا يمكن المحافظة عليه للأبد إلا إذا أزيحت الطبقة الحاكمة القديمة من السلطة لأنها إذا استمرت، سننتظر حتى تخفت موجة الإضرابات واحتلال المصانع، ثم تستخدم سيطرتها على الجيش والشرطة لإخماد الانتفاضة.

وما أن تبدأ الإضرابات في التراجع حتى يقل تدريجيًا شعور العمال بالوحدة والثقة، وتنهار روحهم المعنوية وحتى أن العناصر الأفضل منهم يتسرب غليها الإحساس بأن تغيير المجتمع كان مجرد حلم، ولهذا السبب يفضل أصحاب الأعمال دائما أن يصوت العمال على قرار الإضراب في منازلهم، وهم يتلقون البرامج التي يبثها التليفزيون والمقالات التي تنشرها الصحف والتي يسيطر عليهما رجال الأعمال، وليس عندما يكونوا متحديين في لقاءات جماعية وقادرين على سماع أطروحات غيرهم من العمال.

ولهذا أيضا تحتوي القوانين المضادة للاتحادات، دائمًا تقريبًا على جملة تجبر العمال على إنهاء الإضرابات بينما يتم أخذ الأصوات بشكل سري بالبريد، مثل هذه الجمل تدعي بدقة ” فترات تهدئة “، وهي مصممة لصب ماء بارد على ثقة وتضامن العمال.

النظام الانتخابي البرلماني يحتوي في داخله على اقتراعات سرية وفترات تهدئة فعلى سبيل المثال، إذا قدمت إحدى الحكومات استقالتها بسبب إضراب ضخم، فمن المحتمل أن تقول: ” حسنا ” انتظروا ثلاثة أسابيع حتى نستطيع إجراء انتخابات عامة تستطيع حل المشكلة ديمقراطيا وتأمل في أثناء ذلك أن ينتهي الإضراب، وعندها ستخفت وحدة وثقة العمال بأنفسهم، وسيتمكن أصحاب الأعمال من وضع المناضلين في قائمة سوداء، في حين ستعود الصحافة الرأسمالية والتليفزيون للعمل بشكل طبيعي مرة أخرى مرددين الأفكار الموالية للحكومة، علاوة على هذا فسيتمكن البوليس من القبض على “صانعي المتاعب”.

وعندئذ تحدث الانتخابات، ولن يعكس التصويت بطبيعة الحال أعلى نقطة وصل إليها العمال في الصراع الطبقي، ولكنه سيعكس النقطة الدنيا بعد إنهاء الإضراب.

في فرنسا سنة 1968، لجأت حكومة الجنرال ديجول إلى ذات الطريقة بالضبط، فقد طلبت الأحزاب العمالية الإصلاحية والنقابات من العمال إنهاء إضراباتهم، ليتم إجراء انتخابات نجاح خلالها ديجول في الاحتفاظ بالسلطة.

حاول رئيس الوزراء البريطاني إدوارد هيث اللجوء إلى نفس الخدعة عندما واجه إضراب ضخم وناجح لعمال المناجم في 1974 ولكن العمال لم ينخدعوا هذه المرة، وواصلوا إضرابهم وخسر هيث الانتخابات.

الخلاصة: إذا انتظر العمال الانتخابات لتقرير موقف من القضايا الرئيسية في الصراع الطبقي، فلن يصلوا أبدا لهذه النقطة العالية من الوعي والثقة في النفس التي تتسرب إليهم أثناء رفعهم راية الاحتجاج داخل مواقع العمل.

دولة العمال
حدد كل من ماركس في كراسته 0 الحرب الأهلية في فرنسا ) و لينين في ( الدولة والثورة ) رؤية مختلفة تماما لكيف يمكن أن تنتصر الاشتراكية، لم يتوصل أيا منهم إلى هذه الأفكار عبر التفكير المجرد فكلا منهم طور وجهات نظره بالانخراط في أحداث كبرى في تاريخ الصراع الطبقي ـ رأى ماركس كوميونة باريس، ولينين السوفيتات الروسية ( مجالس العمال ) في 1905، 1917.

لكن ماركس ولينين أصرا على أن الطبقة العاملة لا يمكن أن تبدأ في بناء الاشتراكية إلا بعد أن تكون أولا قد قامت بتدمير آلة الدولة القديمة المرتكزة على سلاسل الأوامر البيروقراطية، وتكون ثانيا قد خلقت دولة جديدة على مبادئ جديدة تماما، وأكد لينين كيف يجب أن تختلف هذه الدولة بشكل كامل عن القديمة بأن أطلق عليها دولة كوميوتة، دولة تكف عن أن تكون دولة؟

قال ماركس ولينين أن هناك احتياج لدولة جديدة لكي تستطيع الطبقة العاملة أن تفرض هيمنتها وأوامرها على بقايا الطبقات الحاكمة والمتوسطة القديمة، هذه الدولة هي ” ديكتاتورية العمال “، وبواسطتها تحدد الطبقة العاملة أن كيف يجب أن يدار المجتمع، وعليها أيضا لكي تستطيع أن تدافع عن ثورتها ضد هجمات طبقتها الحاكمة وكذا الطبقات الرأسمالية في شتى أنحاء العالم أن تشكل قواتها المسلحة كشكل من أشكال ضبط أمن المجتمع، وأن يكون لديها محاكم وحتى سجون.

ولكي يضمن العمال أن يخضع هذا الجيش الجديد والشرطة أو النظام القانوني لسيطرتهم، ولا ينقلبوا ضد مصالحهم، فلا بد من الانطلاق من مبادئ مختلفة تماما عن تلك التي كانوا يعملون وفقًا لها في ظل الدولة الرأسمالية، يجب أن تكون هذه المؤسسات أدوات في يد العمال لإرشاد بقية المجتمع، وليس ديكتاتورية موجهة ضد أغلبية الطبقة العاملة، وهذه هي الاختلافات الرئيسية بين الدولتين العمالية والرأسمالية:
الدولة الرأسمالية تخدم مصالح أقلية صغيرة من المجتمع بينما دولة العمال يجب أن تخدم مصالح الأغلبية الساحقة، القوة في الدولة الرأسمالية تمارسها أقلية مأجورة، مقطوعين عن باقي المجتمع ومدربين على إطاعة تعليمات ضباط الطبقة العليا، لكن في دولة العمال، سيكون هناك احتياج للقوة فقط حتى تستطيع الأغلبية حماية نفسها ضد التصرفات التي تقوم بها بقايا الطبقات المحظوظة القديمة ضد المجتمع. فأعمال البوليس والجندية في دولة العمال يمكن أن يقوم بها العمال العاديين، الذين يختلطوا بحرية مع زملائهم العمال، يتشاركوا نفس الأفكار ويعيشون نفس الحياة، ولضمان إلا تتطور مجموعات الجنود والشرطة بانفصال عن جمهور العمال، يجب أن يكون الجنود والشرطة عمال مصنع ومكتب عاديين يقومون بهذا بالدور بالتناوب.

وبدلاً من أن يدير القوات المسلحة والشرطة مجموعة صغيرة من الضباط ستتم إدارتها عن طريق ممثلين من جمهور العمال “منتخبين مباشرة ” الممثلون البرلمانيون في الدولة الرأسمالية يمررون قوانين، لكن يتركون للبيروقراطيين المتفرغين، رؤساء الشرطة والقضاة تطبيقها هذا يعني أن أعضاء البرلمان والمستشارين يمكن دائما الاختباء وراء مليون عذر عندما لا يتم تطبيق وعودهم. ممثلين العمال في دولة العمال سيكون عليهم الانتباه إلى وضع قوانينهم موضع التنفيذ، هم وليست نخبة من صفوة البيروقراطيين، سيكون عليهم التفسير لعمال الخدمة المدنية، الجيش وما إلى ذلك، كيف يجب أن تنجز الأشياء وسيكون على ممثلي العمال المنتخبين تفسير القوانين في المحاكم.

الممثلون البرلمانيون في الدولة الرأسمالية ينفصلوا عن الذين انتخبوهم بسبب الرواتب الكبيرة في الدولة، في حين أن ممثلي العمال لن يحصلوا على أكثر من متوسط أجر العامل. نفس الشيء ينطبق على هؤلاء الذين يعملون وقت كامل في مناصب رئيسية مطبقين قرارات ممثلي العمال ( تساوي العاملين في الخدمة المدنية في هذه الأيام ).

ممثلو العمال وكل هؤلاء المختصين بتطبيق قرارات العمال لن يكونوا مثل أعضاء البرلمان محصنين ضد العزل من المناصب لمدة خمس سنوات ( أو مدى الحياة في حالة المسئولين في الخدمة المدنية ) ولكنهم سيكونون عرضة على الأقل لانتخابات سنوية ولاستدعاء فوري من الذين انتخبوهم إذا لم ينفذوا رغباتهم.

الممثلون البرلمانيون ينتخبوا عن طريق كل الناس الذين يعيشون في منطقة معينة ـ طبقة عليا، طبقة متوسطة، طبقة عاملة، ملاك المساكن في الأحياء الحقيرة وأيضا المستأجرين، سماسرة الأسهم مثلهم مثل العمال. في دولة العمال الانتخاب سيكون لمن يعملون فقط، وسيأتي التصويت فقط بعد مناقشات مفتوحة حول كافة القضايا ومن أجل تحقيق ذلك فإن مجالس العمال التي ترتكز على المصانع، المناجم، المرافئ، المكاتب الكبيرة ستكون العمد الفقري للدولة العمالية، في حين سيكون لمجموعات مثل ربات البيوت، المحالين على المعاش، طلاب المداس، والطلبة، الممثلين الخاصين بهم.

بهذه الطريقة كل قسم من الطبقة العاملة سيكون له ممثله الخاص، ويكون قادرا على الحكم مباشرة إذا كان هو أو هي يتبعون مصلحتهم أم لا بهذه الطرق، لا يمكن أن تصبح الدولة الجديدة سلطة منفصلة عن أغلبية الطبقة العاملة ضدها كما كانت في دولة الكتلة الشرقية التي أطلقت على نفسها ” الشيوعية “.

في نفس الوقت، نظام مجلس العمال يوفر وسيلة يمكن من خلالها للعمال تنسيق جهودهم في إدارة الصناعة طبقا لحظة قومية مقررة ديمقراطيا، ولا ينتهي بهم الأمر إلى إدارة مصانعهم في منافسة مع بعضهم البعض. من السهل رؤية كيف ستسمح تكنولوجيا الكومبيوتر الحديثة بإعطاء كل العمال معلومات حول الخيارات الاقتصادية المختلفة المتاحة أمام المجتمع ولتوجيه ممثليهم لاختيار ما تظنه أغلبية العمال أفضل مجموعة خيارات، على سبيل المثال هل تنفق الموارد على تصنيع طائرات كونكورد أم على نظام مواصلات عامة رخيص ويمكن الاعتماد عليه، هل نبني قنابل نووية أم آلات حديثة لعلاج مرض الكلى وما إلى ذلك.

ذبول الدولة

لأن سلطة الدولة لن تكون شيئا منفصلا عن جماهير العمال فستكون مسألة القمع أقل بكثير مما هو الوضع في ظل الرأسمالية وباستسلام بقايا المجتمع القديم التي كان هذا القمع موجها ضدها لنجاح الثورة سيكون هناك احتياج أقل وأقل للقمع، حتى لا يحتاج العمال في النهاية لاقتطاع وقت من العمل لصف الشرطة والجيش.

هذا ما عناه ماركس ولينين عندما قالوا أن الدولة ستذبل وبدلا من ممارسة القمع ضد الناس ستصبح الدولة مجرد آلية في يد مجالس العمال لتقرير كيفية إنتاج وتوزيع المنتجات.

لقد ظهرت مجالس العمال للوجود بشكل أو بآخر كلما وصل الصراع بين الطبقات في ظل الرأسمالية إلى مستوى عالي فعلا فكانت “السوفيت” هي الكلمة التي استخدمها الروس لمجالس العمال 1905 و 1917 وفي 1918 في ألمانيا كانت مجالس العمال باختصار القوة الوحيدة في البلاد، وفي أسبانيا في 1936 كانت الإضرابات العمالية المختلفة والنقابات موحدة في ” لجان الميليشيات ” التي إدارة المحليات وكانت شبيهة جدا بمجالس العمال. وفي المجر 1956 انتخب العمال مجالس لتدير المصانع والمحليات أثناء محاربتهم القوات الروسية، وفي تشيلي في 1972 و 1973 بدأ العمال في تنظيم كوردونات وهي لجان عمالية أوقفت عمال المصانع الكبيرة.

يبدأ مجلس العمال الحياة كهيئة يستخدمها العمال لتنسيق صراعهم ضد الرأسمالية ويمكن أن يبدأ بوظائف بسيطة مثل جمع أموال للإضرابات لكن لأن هذه الهيئات ترتكز على الانتخاب المباشر من العمال، ويكون ممثلي العمال عرضة للاستدعاء يمكنهم في أعلى درجات الصراع أن ينسقوا جهود كل الطبقة العاملة.. يمكنهم وضع أساس سلطة العمال.

« السابق التالي »