بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

كيف تعمل الماركسية؟

« السابق التالي »

الفصل التاسع: كيف يصبح العمال ثوريين؟

من أجل تغيير المجتمع، توجهت أنظار معظم العمال البريطانيون خلال هذا القرن في اتجاه حزب العمال والبرلمان. بينما أيدت أقلية كبيرة الأفكار الرجعية لحزب المحافظين وبقى مؤيدو الاشتراكية الثورية بشكل عام قليلي العدد.

ولم تكن لا مبالاة العمال أو حتى معارضتهم للأفكار الاشتراكية الثورية مفاجأة على الإطلاق، فقد نشأنا كلنا في مجتمع رأسمالي يسلم بأن الكل أنانيون، وتخبر فيه الصحف والتليفزيون الشعب باستمرار أن هناك فقط أقلية محدودة هي التي تملك القدرة لاتخاذ القرارات الرئيسية في الصناعة والدولة؛ مجتمع يتعلم فيه جمهور العمال ـ في أول يوم يلتحقون فيه بالمدرسة إطاعة الأوامر ـ التي يعطيها لهم “الأكبر والأفضل منهم”.

كما أوضح ماركس فإن ” الأفكار الحاكمة هي أفكار الطبقة الحاكمة ” وأعداد واسعة من العمال تقبل هذه الأفكار.

لكمن بالرغم من هذا، فإن تاريخ الرأسمالية يشير باستمرار إلى أ، الحركات الثورية للطبقة العاملة هزت أركان دولة بعد أخرى. فرنسا في 1871، روسيا في 1917، ألمانيا والمجر في 1919؛ إيطاليا في 1920؛ أسبانيا وفرنسا في 1936؛ المجر في 1956، فرنسا في 1968، شيلي في 1972؛ البرتغال في 1975؛ إيران في 1979.

ويمكن تفسير هذه الاضطرابات في طبيعة الرأسمالية نفسها، فهي نظام ينتج أزمات بشكل مستمر، وعلى المدى الطويل لا يمكن للرأسمالية أن توفر التوظيف كامل، ولا يمكنها توفير الرخاء للجميع، ولا يمكنها ضمان استقرار مستويات معيشتنا في ظلا لازمة التي ستنتجها غدا. لكن العمال خلال فترات رخاء الرأسمالية يبدءون في توقع هذه الأشياء.

لذلك على سبيل المثال، في الخمسينات وبداية الستينات بدأ العمال في بريطانيا يتوقعون توظيف كامل دائم، دولة رفاه، وتحسينات تدريجية ولكن حقيقة في مستويات المعيشة. ولكن في المقابل، على مر العقدين الماضيين، سمحت حكومات متتالية بزيادة أعداد العاطلين عن العمل إلى 4 مليون، وانتهت دولة الرفاهية أو كادت، وتم تخفيض مستويات المعيشة مرات ومرات.

ولأن وسائل الأعلام البرجوازية قد هيأتنا لقبول أفكار رأسمالية عديدة، فنتقبل في أحيان عديدة الأسباب التي تطلقها الحكومة لتبرير هجماتها على حقوقنا، ولكن في النهاية يصل العمال لنقطة يجدون فيها أنهم لا يستطيعون التحمل أكثر من هذا، فجأة، غلابا عندما لا يتوقع أحد، يشتعل غضبهم ويتحركون ضد أصحاب العمل أو الحكومة، ربما يكون ذلك عن طريق القيام بإضراب أو تنظيم مظاهرة.

عندما يحدث هذا، يبدأ العمال في فعل أشياء تتعارض مع كل الأفكار الرأسمالية التي قبلوها سابقا، يبدأون في التصرف بتماسك وتعاضد مع بعضهم البعض، كطبقة، في مواجهة ممثلي الطبقة الرأسمالية.

وحينئذ تبدأ الأفكار الاشتراكية الثورية، التي اعتادوا رفضها، ملاءمة، مع ما يفعلونه، بعض العمال على الأقل يبدأ في أخذ هذه الأفكار بجدية ـ بافتراض أن الوصول لهذه الأفكار سهل.

حدود حدوث ذلك تتسع وتضيق مع نطاق الصراع، وليس مع الأفكار الموجودة في رؤوس العمال منذ البداية، فالرأسمالية تجبرهم على دخول صراع رغم أنهم قد يبدأون بأفكار موالية لها، ثم يجعلهم الصراع بعد ذلك يتشككون في هذه الأفكار.

تعتمد قوة الرأسمالي على محورين أساسيين: التحكم في وسائل الإنتاج والتحكم في الدولة. والحركة الثورية الحقيقية تبدأ بين جمهور العمال الضخم عندما تقودهم الصراعات حول مصالحهم الاقتصادية الحالية إلى الاصطدام مع دعامتي الحكم الرأسمالي.

فلنأخذ على سبيل المثال مجموعة من العمال كانوا يعملون في نفس المصنع لسنوات، ويعتمد نظام حياتهم الطبيعي الممل كله على وظائفهم هناك، وفي أحد الأيام يعلن صاحب العمل غنه سيغلق المصنع، حتى الذين صوتوا للمحافظين بين العمال يصيبهم الهلع ويرغبون في فعل شيء. وفي غمار بأسهم يقررون أن الطريقة الوحيدة للاستمرار في المعيشة بنفس نمط الحياة الذي عملتهم الرأسمالية توقعه، هو احتلال المصنع ـ أو تحدي سيطرة صاحب العمل على وسائل الإنتاج.

وهكذا ربما يجدون أنفسهم بسرعة يقفون أيضًا ضد الدولة، عندما يطلب صاحب العمل البوليس ليعيد له سيطرته على ممتلكاته، وحتى يكون لهم أي فرصة في الاحتفاظ بوظائفهم، يصبح على العمال الآن أن يواجهوا البوليس، آلة الدولة، مثلها مثل صاحب العمل.

لذلك فالرأسمالية نفسها تخلق شروط التصادم الطبقي التي تفتح عقول العمال لأفكار معارضة للأفكار التي لقنها لهم النظام، هذا يفسر لماذا كان تاريخ الرأسمالية موسوما باندفاعات دورية للشعور الثوري لدى ملايين العمال، حتى إذا كان العمال معظم الوقت يقبلون الأفكار التي يمدهم بها النظام.

نقطة أخيرة. إن أحد أهم الأشياء التي تمنع العمال من تأييد الأفكار الثورية هو عدم ثقتهم من تضامن عمال آخرين معهم إذا تحركوةا للمطالبة بحقوقهم، ولكن عندما يكتشفون إن عمالا آخرين يتحركون بالفعل، يفقدون تراخيهم فجأة. بنفس الطريقة فإن جماهير العمال التي تعتقد إنها غير قادرة على إدارة المجتمع، تتعلم فجأة إن العكس صحيح عندما تكتشف عبر الصراعات الضخمة ضد المجتمع القائم أنهم يتولون إدارة جزء هام منه وبكفاءة.

وبسبب هذا، ما إن تبدأ الحركات الثورية حتى تتضاعف قوتها وتأثيرها بسرعة مذهلة.

« السابق التالي »