بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

كيف تعمل الماركسية؟

« السابق التالي »

الفصل الحادي عشر: الإمبريالية والتحرر الوطني

خلال تاريخ الرأسمالية، كانت الطبقة الحاكمة دائما ما تبحث عن مصدر إضافي للثروة: الاستيلاء على الثروة التي تنتجها الدول الأخرى.

جاء نمو الأشكال الأولى للرأسمالية مع نهاية العصور الوسطى مصاحبا لاستيلاء الدول الغربية على إمبراطوريات استعمارية كبيرة مثل إمبراطوريات إسبانيا والبرتغال، هولندا وفرنسا، وبالطبع بريطانيا العظمى.

لقد تم في تلك الأثناء ضخّ الثروة إلى أيدي الطبقات الحاكمة في أوروبا الغربية بينما تم تدمير مجتمعات كاملة لما يطلق عليه الآن بـ “العالم الثالث” ( دول أفريقيا، آسيا، وأمريكا الجنوبية).

وبالتالي، فلقد أدى “اكتشاف” الأوروبيين لأمريكا في القرن السادس عشر إلى تدفق واسع النطاق للذهب في أوروبا. أما الوجه الآخر لهذه العملة فقد تمثل في تدمير مجتمعات كاملة واستعباد مجتمعات أخرى.

فعلى سبيل المثال، في هاييتي، حيث أقام كولومبس أول مستوطنة، تم إبادة الهنود الـ “هاراواك” الذين كانوا يعيشون في موطنهم (تم إبادة ما يقرب من نصف مليون فرد) وذلك على مدار جيلين من البشر.

وفي المكسيك، انخفض عدد السكان الهنود من 20 مليون نسمة في عام 1520 إلى 2 مليون في عام 1607.

أما السكان الهنود الذين عاشوا في جزر الهند الغربية وأجزاء أخرى من القارة فقد تم استبدالهم بالعبيد الذين أُسروا في أفريقيا ونُقلوا عبر المحيط الأطلنطي تحت ظروف سيئة للغاية.

هناك ما يقدر بـ15 مليون عبد هم كل من بقوا أحياء بعد عبور الأطلنطي بينما مات 9 مليون خلال الرحلة.

وتم نقل حوالي نصف العبيد على سفن بريطانية، وهذا يعتبر أحد أسباب كون الرأسمالية البريطانية الأولى في توسع الصناعة.

لقد وفرت الثروة التي أتت من تجارة العبيد سُبل تمويل الصناعة.

وكما تعبر مقولة قديمة بأن ” حوائط مدينة بريستول مصنوعة من دم الزنوج”، ينطبق هذا القول على موانئ أخرى في إنجلترا.

وكما يقول كارل ماركس:
“إن العبودية المقنّعة للعامل الأجير في أوروبا تطلبت كقاعدة لها عبودية خالصة تماما وسهلة المنال في العالم الجديد.”

لقد تمت تجارة العبيد بطرق النهب الخالصة، مثلما غزا البريطانيون الهند.

كانت البنغال متقدمة جدا حتى أن الزوار الإنجليز الأوائل ذهلوا من روعة حضارتها.

ولكن هذه الثروة لم تبقى طويلا في البنغال؛ وكما كتب اللورد ماكولاي في سيرته الذاتية عن الغازي كلايف:
“تم التخلص من كثرة السكان بتقديمهم كفريسة.

ولذلك، فقد تم مراكمة ثروات هائلة في كالكاتا بينما كان 30 مليون من البشر يعيشون في منتهى البؤس.

لقد اعتادوا الحياة تحت نير الطغيان ولكنه لم يكن أبدا طغيانا مثل هذا.”

من هذه النقطة فصاعدا، أصبحت البنغال مشهورة ليس بثروتها ، ولكن بالفقر المدقع الذي كان يحصد كل عدة سنوات الملايين الذين ماتوا من الجوع بسبب المجاعات، وهو فقر مستمر حتى وقتنا هذا.

في تلك الأثناء في ستينيات القرن السابع عشر، وفي وقت لم يتعدى إجمالي استثمار رأس المال في إنجلترا أكثر من 6-7 مليون جنيه إسترليني، كانت الجزية السنوية لإنجلترا من الهند تبلغ 2 مليون جنيه إسترليني.

وكانت نفس هذه المراحل تحدث في أقدم مستعمرة إنجليزية، وهي أيرلندا.

ففي أثناء المجاعة الكبيرة التي حدثت في أواخر أربعينيات القرن الثامن عشر عندما انخفض سكان أيرلندا إلى النصف بسبب الموت جوعا والهجرة، تم إرسال كميات من القمح كانت تزيد حتى عن إطعام السكان الذين يموتون جوعا من إنجلترا إلى ملاك الأراضي الإنجليز كإيجار.

واليوم، فمن المعتاد تقسيم العالم إلى دول متقدمة وأخرى متخلفة.

والانطباع السائد هو أن الدول “المتخلفة” كانت تسير في نفس اتجاه الدول المتقدمة لمئات السنين ولكن بإيقاع بطيء.

ولكن واقع الأمر هو أن أحد أسباب “تطور” الدول الغربية يكمن في أن الدول الأخرى قد نُهبت ثرواتها ودُفعت دفعاً نحو التخلف.

إن الكثير من الدول أفقر الآن عما كانت عليه منذ 300 سنة مضت.

وكما أشار مايكل بارات براون، “إن معدل الثروة للفرد في الدول المتخلفة حاليا، وليس فقط في الهند ولكن أيضا في الصين وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، كان أعلى من مثيله في أوروبا القرن السابع عشر، ثم انخفض بينما نمت الثروة في أوروبا الغربية.” لقد أتاح امتلاك بريطانيا للإمبراطورية أن تتطور لتصبح فيما بعد القوة الصناعية الأولى في العالم.

كانت بريطانيا في وضع يمكنها من منع الدول الرأسمالية الأخرى من وضع أيديهم على المواد الخام بالإضافة إلى أسواق ومناطق استثمارية مربحة داخل ثلث العالم الذي احتلته.

ولكن بنمو قوى صناعية أخرى مثل ألمانيا واليابان والولايات المتحدة، فقد أرادت هذه الدول أن يحصلوا على تلك المميزات لأنفسهم.
ولذلك، فلقد قاموا ببناء إمبراطوريات منافسة أو ما يمكن أن يطلق عليه بـ “مناطق نفوذ.” وبسبب مواجهتها لأزمات اقتصادية، فقد حاولت كل من القوى الرأسمالية الرئيسية حل مشاكلها عن طريق الاعتداء على مناطق نفوذ منافسيها.

وفي النهاية، أدت الإمبريالية إلى حرب عالمية.

أنتج هذا بدوره تغيرات ضخمة داخل النظام الداخلي للرأسمالية، وأصبحت أداة شنّ الحرب وهي الدولة أكثر أهمية.

فلقد عملت الدولة بقرب أكثر كثيرا عن ذي قبل مع الشركات العملاقة لإعادة تنظيم الصناعة بهدف المنافسة الخارجية والحرب.

بمعنى آخر، أصبحت الرأسمالية هي رأسمالية احتكار الدولة.

كما عني تطور الإمبريالية أن الرأسماليين لم يستغلوا فقط الطبقة العاملة في بلادهم، ولكنهم قاموا أيضا بالسيطرة المادية الملموسة على دول أخرى واستغلوا سكانها.

وبالنسبة لمعظم الطبقات المضطهدة في الدول المستَعمَرة، كان هذا يعني أنهم كانوا مستغَلين من قبل المستعمرين الأجانب بالإضافة إلى استغلال طبقتهم الحاكمة، أي كان استغلالهم مضاعفا.

وفي الدول المستعمِرة، عانت بعض أقسام الطبقات الحاكمة أيضا.

لقد شاهدوا كيف أن الكثير من فرصهم لاستغلال السكان المحليين كانت تُسرق منهم من قبل الإمبريالية.

وبنفس الطريقة، عانت أيضا الطبقات الوسطى في المستعمرات والتي كانت ترغب في رؤية توسع سريع للصناعة التي تدار محليا مما كان سيخدمهم في خلق فرص مستقبلية جديدة.

لقد شهدت الـ60 سنة الأخيرة نهوض كل هذه الطبقات المتنوعة في المستعمرات والدول المستعمِرة سابقا ضد تأثيرات الإمبريالية.
فلقد تطورت بعض الحركات التي حاولت توحيد كل السكان ضد حكم الإمبريالية الأجنبية؛ وتضمنت مطالبهم الآتي:
” طرد قوات الاحتلال الأجنبية الإمبريالية.
” توحيد البلد تحت راية حكومة وطنية واحدة وذلك لتجنب تقسيمه بين قوى إمبريالية متعددة.
” إعادة توطيد مكانة اللغة الأصلية في الحياة اليومية وذلك لمقاومة اللغات التي فرضها الحكام الأجانب.
” استخدام الثروة التي تنتجها البلاد في توسيع الصناعة المحلية من أجل “تطوير” و “تحديث” البلد.

تلك كانت مطالب حركات ثورية متعاقبة في بلاد مثل الصين (1912، 1923-1927، وفي 1945-1948)؛ إيران (في 1905-1912، 1917-1921، و1941-1953)؛ تركيا (بعد الحرب العالمية الأولى)؛ جزر الهند الغربية (من 1920 وما بعد ذلك)؛ الهند (في سنوات 1920-1948)، أفريقيا (بعد 1945)؛ فيتنام (حتى هزيمة الأمريكيين في 1975)؛ وحتى الآن في جنوب أفريقيا.

وفي أغلب الأحيان، قاد هذه الحركات أقسام من الطبقات العليا أو الوسطى المحلية.

ولكن كان هذا يعني أن الطبقات الحاكمة في الدول المتقدمة تواجه خصم إضافي مثله في ذلك مثل الطبقة العاملة في بلادهم. لقد تحدّت الحركة الوطنية فيما يسمى بـ”العالم الثالث” الدول الرأسمالية الإمبريالية في نفس الوقت الذي تحركت فيه طبقاتهم العاملة ضدهم.

لقد كان لهذا أهمية كبرى بالنسبة لحركة الطبقة العاملة في الدول المتقدمة، حيث عني ذلك أنه في نضالها ضد الرأسمالية كان لها حليف في حركات التحرر في “العالم الثالث”.

وهكذا، فإن عاملا في شركة “شل” البريطانية – على سبيل المثال – له اليوم حليفا في قوات التحرير في جنوب أفريقيا والتي تناضل من أجل الحصول على الممتلكات التي في حوزة شل في بلادهم.

فإذا استطاعت شل أن تخيب آمال حركات التحرر في “العالم الثالث”، فهي ستصبح أكثر قوة عندما يتعلق الأمر بمقاومة مطالب العمال في بريطانيا

هذه هي الحقيقة حتى إن لم يكن هناك لحركة التحرر في بلد من بلاد العالم الثالث قيادة اشتراكية.

سوف يحدث هذا بالفعل حتى لو أرادت قيادتها استبدال الحكم الأجنبي بحكم الرأسمالية المحلية أو طبقة رأسمالية الدولة.

إن الدولة الإمبريالية التي تحاول تحطيم حركة التحرر هذه هي نفس الدولة الإمبريالية التي تعد العدو الأكبر للعامل في الغرب.

ولهذا، أصر ماركس على أن:
“أي أمة تضطهد الآخرين لا تستطيع هي نفسها أن تكون حرة”؛ ولهذا أيضا فقد طرح لينين مسألة التحالف بين عمال الدول المتقدمة والشعوب المضطهدة في العالم الثالث حتى لو كان لديها قيادة غير اشتراكية.

وهذا لا يعني أن الاشتراكيين سيتفقون مع الطريقة التي يقود بها غير الاشتراكيين في دولة مضطهدة صراع التحرر الوطني (أكثر من اتفاقنا مثلا مع الطريقة التي يقود بها قائد نقابي إضراب ما).

ولكن يجب أن نوضح قبل أي شيء آخر أننا نؤيد هذا الصراع وإلاّ سوف نصبح جميعا مؤيدين لطبقتنا الحاكمة ضد الشعوب التي تظلمها.
يجب أن نؤيد النضال من أجل التحرر بدون شروط قبل أن يكون من حقنا انتقاد الطريقة التي يُقاد بها هذا النضال.

ومع ذلك فإن الاشتراكيين الثوريين في دولة تقهرها الإمبريالية لا يمكن أن يتركوا الأمور تسير هناك ضدهم، بل يجب عليهم أن يناضلوا يوما بعد يوم مع أفراد آخرين حول كيفية شنّ الصراع من أجل التحرر الوطني.

وحول هذه القضية، نجد أن أهم النقاط المتعلقة بها مذكورة في نظرية الثورة الدائمة التي طرحها تروتسكي. لقد بدأ تروتسكي أطروحته من خلال إدراكه أن الحركات ضد الاضطهاد غالبا ما يبدأها الأفراد ذوي أصول الطبقة الوسطى أو حتى الطبقة العليا.

ويدعم الاشتراكيين مثل هذه الحركات لأنهم يهدفون إلى إزالة أحد الأعباء التي تثقل كاهل معظم الطبقات والجماعات المضطهدة في المجتمع.

ولكن يجب علينا أيضا أن ندرك أن أبناء الطبقات الوسطى والعليا أولئك لا يمكنهم الاستمرار في قيادة مثل هذه الصراعات لأنهم سوف يكونون خائفين من إطلاق العنان لصراع جماهيري حقيقي، وذلك في حالة أن يتحدى هذا الصراع ليس فقط الاضطهاد القادم من الخارج ولكن أيضا قدرتهم هم ذاتهم على الحياة عن طريق استغلال الطبقات المستغَلة.

فعند لحظة معينة سنجدهم يفرون من الصراع الذي بدءوه هم أنفسهم، كما أنهم سوف يتّحدون -إذا كان هذا ضروريا – مع المضطهِد الأجنبي من أجل سحق الصراع.

وعند هذه اللحظة ذاتها، إذا لم تأخذ قوات الطبقة العاملة الاشتراكية زمام قيادة التحرر الوطني فسوف تُهزم.

لقد أشار تروتسكي أيضا إلى حقيقة أخيرة وهي كون الطبقة العاملة في معظم دول العالم الثالث مجرد أقلية من السكان، وغالبا أقلية ضئيلة.

ولكن، على الرغم من ذلك، فهي تعتبر كبيرة أيضا بمعنى ما (على سبيل المثال تمثل الطبقة العاملة قوة تقدر بعشرات الملايين في دول مثل الهند والصين)، وهي غالبا ما تنتج قسم ضخم من الثروة القومية مقارنة بحجمها. كما أنها تتركز بأعداد كبيرة جدا في المدن التي تعتبر مفتاح الحكم في البلد.

ولذلك، ففي فترات الاضطراب الثوري، تستطيع الطبقة العاملة قيادة كل الطبقات الأخرى المضطهدة والأخذ بزمام الأمور في البلد كلها. والثورة يمكن أن تصبح دائمة بداية من مطالب التحرر الوطني وانتهاء بالمطالب الاشتراكية. لكن هذا يمكن أن يحدث فقط في حالة تنظيم الاشتراكيين للعمال منذ البداية في الدولة المضطهدة على أساس طبقي مستقل، وهم في ذلك يدعمون بشكل عام حركة التحرر الوطني ولكن عليهم أن يكونوا على حذر دائما من الوثوق في قادتها من الطبقات الوسطى أو العليا.

« السابق التالي »