بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

كيف تعمل الماركسية؟

« السابق التالي »

الفصل العاشر: الحزب الاشتراكي الثوري

الفرضية الأساسية للماركسية هي أن تطور الرأسمالية يدفع العمال للتمرد ضد النظام.

عندما تندلع مثل هذه التمردات ـ سواء في صورة مظاهرة حاشدة أو تمرد مسلح أو حتى إضراب كبير ـ يتحول وعي الطبقة العاملة بطريقة مذهلة. فكل الطاقة الذهنية التي بددها العمال سابقا في التسلية من سباق الخيول إلى مشاهدة التليفزيون يتم توجيهها فجأة إلى محاولة التعامل مع مشكلة كيف يمكن تغيير المجتمع، ملايين الناس محاولة التعامل مع مشكلة كيف يمكن تغيير المجتمع، ملايين الناس الذين يشتبكون مع مثل هذه الإشكاليات يبدعون حلولاً بارعة ومدهشة، بينما يصاب الثوريين المنظمين من ذوي التاريخ مثلهم مثل الطبقة الحاكمة بالحيرة والدهشة من خضم هذا التحول الكبير في مجرى الأحداث.

لذلك على سبيل المثال، في الثورة الروسية الأولى 1905 نما شكل جديد لتنظيم العمال، السوفييتات ( مجالس العمال ) من لجنة الإضراب التي أقيمت خلال إضراب طباعة، في البداية تعامل الحزب البلشفي ـ الأكثر نضالية بين الاشتراكيين الثوريين ـ مع السوفييتات بعدم ثقة: لم يصدقوا أنه من الممكن لجمهور العمال غير المسيسين سابقا أن يخلقوا أداة ثورية حقيقية.

مثل هذه التجارب موجودة في العديد من الإضرابات: حين يفاجأ العمال المسيسون بأن العمال الذين تجاهلوا نصائحهم ودعايتهم طويلا بدأوا في تنظيم عمل نضالي بأنفسهم.

هذه العفوية جوهرية. لكن من الخطأ الخروج باستنتاج ـ مثل الفوضويين ـ أنه بسب التلقائية لا توجد حاجة لحزب ثوري.

في وضع ثوري يغير الكثير من العمال أفكارهم بسرعة شديدة جدا لكنهم لا يغيرون كل أفكارهم مرة واحدة. داخل كل إضراب، كل مظاهرة، كل انتفاضة مسلحة، يوجد دائما نقاشات مستمرة. قليل من العمال سيرون بالفعل ما قاموا به بمثابة مقدمة لاستيلاء الطبقة العاملة على السلطة في المجتمع. آخرون سيكونون مترددين وضد القيام بأي عمل على الإطلاق، لأن هذا يشوش ” النظام الطبيعي للأشياء “. في المنتصف توجد جماهير العمال الذين تجذبهم أولا مجموعة تلو الأخرى من الأطروحات.

على أحد جانبي الميزان ستلقى الطبقة الحاكمة الموجودة كل ثقل آلة دعاية الصحف، لتدين أفعال العمال، وستلقي أيضا قواتها في كسر الإضراب، سواء الشرطة، الجيش أو منظمات الجناح اليميني.

وعلى جانب العمال يجب أن توجد منظمة من الاشتراكيين الذين يمكنهم استخلاص دروس الصراع الطبقي السابقة، ويمكنهم وضع الأطروحات والأفكار حول الاشتراكية فوق الميزان. يجب أن توجد منظمة يمكنها تجميع الفهم المتنامي للعمال في الصراع حتى يمكنهم العمل معا لتغيير المجتمع.

وهذا الحزب الاشتراكي الثوري يحتاج أن يكون موجودا قبل بدء الصراع، فالمنظمة لا تولد تلقائيا، الحزب يبني من خلال التفاعل المستمر للأفكار الاشتراكية وخبرة الصراع الطبقي لأن مجرد فهم المجتمع ليس كافيا، فقط بتطبيق هذه الأفكار في الصراع الطبقي اليومي: في الإضرابات، المظاهرات، الحملات، هنا سيصبح العمال مدركين لقوتهم وقدرتهم على تغير الأشياء ويكتسبون الثقة لفعل ذلك.

في نقاط معينة يمكن أن يكون تدخل الحزب الاشتراكي حاسما. يمكن أن يميل الميزان تجاه التغيير تجاه انتقال ثوري للسلطة في اتجاه العمال, تجاه المجتمع الاشتراكي.

حزب.. من أي نوع؟
يحتاج الحزب الاشتراكي الثوري أن يكون ديمقراطيا. ولإنجاز دوره, يجب أن يكون الحزب متصلا بالصراع الطبقي باستمرار وهذا يعني التواجد مع أعضائه ومؤيديه في أماكن العمل حيث يجري هذا الصراع. يحتاج أيضا أن يكون ديمقراطيا لأن علي قيادته أن تعكس دائما الخبرة الجماعية للصراع.

في نفس الوقت هذه الديمقراطية ليست مجرد نظام للانتخاب لكنها جدل دائم داخل الحزب – تفاعل مستمر للأفكار الاشتراكية التي يقوم عليها الحزب مع خبرة الصراع الطبقي.

لكن الحزب الاشتراكي الثوري يجب أيضا أن يكون مركزيا . لأنه حزب نشط وليس جماعة للنقاش. فهو يحتاج أن يكون قادرا علي التدخل بشكل جماعي في الصراع الطبقي, وأن يستجيب بسرعة للأحداث, لذلك يجب أن يمتلك قيادة قادرة علي اتخاذ قرارات بشكل يومي باسم الحزب.

إذا أمرت الحكومة علي سبيل المثال باعقتال المضربين فعلى الحزب أن يتحرك مباشرة دون الحاجة إلى عقد مؤتمرات لإتخاذ القرارات بشكل ديمقراطي, ويتم آخذ القرار بشكل مركزي ويتم التحرك علي أساسه. تأتي الديمقراطية بعد ذلك عندما يناقش الحزب إذا ما كان القرار صحيحاً أم لا ومن الممكن أن يغير قيادة الحزب إذا كانت غير منسجمة مع احتياجات النضال.

يحتاج الحزب الاشتراكي الثوري أن يحافظ علي توازن دقيق بين الديمقراطية والمركزية وجوهر المسألة هو أن الحزب ليس موجودا من أجل ذاته ولكن كوسيلة لتحقيق التغيير الثوري نحو الاشتراكية وهذا يحدث فقط من خلال الصراع الطبقي.

إذا فالحزب عليه دائما أن يكيف أوضاعه مع النضال. عندما يكون مستوى النضال منخفضا وعدد العمال المؤمنين بإمكانية التغيير الثوري قليلون سيكون الحزب صغيرا وعليه أن يقبل ذلك, فليس هناك معنى من أن يخفف من أفكاره السياسية من أجل مضاعفة عضويته. ولكن عندما يتصاعد النضال تغير أعداد كبيرة من العمال الذين اكتشفوا قدرتهم علي التغيير عبر النضال أفكارهم, وفي هذه الحالة علي الحزب أن يكون قادراً علي فتح أبوابه وإلا سيصبح مهمشا.

لا يمكن للحزب أن يستبدل نفسه بالطبقة العاملة عليه أن يكون جزءا من الصراع الطبقي محاولا دائما توحيد أكثر العمال وعيا لخلق قيادة في النضال. ولا يجب علي الحزب أن يملي القرارات علي العمال. أو أن يعتبر نفسه قيادة لها, بل عليه أن يكسب هذا الموقع واثبات صحة الأفكار الاشتراكية في الممارسة والانخراط في كل التحركات التي تبدأ من إضراب صغير الي الثورة نفسها.

يرى البعض الحزب الاشتراكي الثوري وكأنه شكل جنيني من الاشتراكية وهذه فكرة خاطئة تماما, فالاشتراكية لن تأتي إلا عندما تسيطر الطبقة العاملة نفسها علي وسائل انتاج الثروة وتستخدمها لتغيير المجتمع.

لا يمكنك بناء جزيرة اشتراكية في بحر من الرأسمالية ومحاولات مجموعات صغيرة من الاشتراكيين أن يعزلوا أنفسهم ويعيشوا علي أساس أفكار اشتراكية دائما ما تنتهي بالفشل الذريع علي المدى الطويل , فمن جانب تبقى الضغوط الاقتصادية والايديولوجية. ومن جانب آخر عندما يعزل هؤلاء أنفسهم عن الرأسمالية فهم يعزلون أنفسهم أيضا عن القوة الوحيدة القادرة علي تحقيق الاشتراكية وهي الطبقة العاملة.

يناضل الاشتراكيون بالطبع ضد الآثار السيئة للرأسمالية كل يوم.. ضد العنصرية واضطهاد المرأة والاستغلال وكل أشكال الوحشية ولكننا نستطيع فعل ذلك فقط من خلال أخذ قوة الطبقة العاملة كأساس لنضالنا.

« السابق التالي »