بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإستراتيجية الكبرى للإمبراطورية الأمريكية

من الواضح الآن أنه من قبيل التبسيط المخل اعتبار أن خطط الإدارة الأمريكية الحالية هي محض جنون وتهور، مثلما فعل الباحث الاجتماعي التاريخي ايمانويل وولرستاين عندما ندد ببوش واصفا إياه ’سياسي مبتدئ وغير كفء، حيث سمح بحفنة من الصقور بدفعه لتبني غزو العراق وهو موقف يصعب على بوش انتشال نفسه منه ولن يكون له سوى آثار سلبية على الولايات المتحدة وعلى العالم بأسره‘ (94)

وكما حاولت أن أوضح فإن خطة فريق بوش تقوم على قراءة دقيقة للمخاطر الطويلة الأمد-لاقتصادية والجيو-سياسية- التي تهدد الرأسمالية الأمريكية، وهي تتضمن القرار باستغلال أحداث 11 سبتمبر والتفوق العسكري الحالي للولايات المتحدة بغرض تغيير التوازن الكوني للقوة السياسية والاقتصادية لصالحها بدرجة أكبر. ولو كانت تلك الاستراتيجية تحتوي على عناصر لاعقلانية ومتهورة – بالذات تلك الناتجة عن تعاظم الصلة بين الولايات المتحدة وبين اليمين الإسرائيلي- فهذا لا يعني مباشرة أن التوجه بكامله جنوني ومغامر (مثل د. سترانجلوف في فيلم سيدني بولاك الشهير). ورغم بعض المعارضة التي تواجهها مثل هذه الاستراتيجية في أوساط الطبقة الحاكمة الأمريكية، إلا أنها تمثل توجها عمليا لدفع المصالح العالمية للرأسمالية الأمريكية.

وبنفس الدرجة، فإن مخاطر الحرب القادمة مع العراق عالية بدرجة كبيرة. فبالمعايير السياسية الضيقة، فالفشل في تلك الحرب- أو ربما حتى التراجع عنها- سوف يخسف ببوش سياسيا ويحوله لقمة سائغة لخصومه. وكذلك بلير، الذي خرج عن طريقه لتأييد الحرب حتى أن أي انهيار عسكري يمكن أن يسقطه وحكومته. وبالمعايير الأوسع يكتب أناتول ليفين ’إن الحرب مع العراق هي .. جزء من استراتيجية تهدف في الأساس لاستخدام القوة العسكرية الأمريكية لضمان استمرار تحميل باقي العالم التكاليف البيئية للاقتصاد الأمريكي- دون الحاجة لأي تضحيات قصيرة الأمد تقع على عاتق الرأسمالية الأمريكية أو النخب السياسية الأمريكية أو الناخب الأمريكي‘.(95)

إن استراتيجية إدارة بوش تلخص بدرجة كبيرة الأسباب التي دفعت بالملايين إلى حركة مناهضة الرأسمالية منذ بداياته في مظاهرات سياتل في نوفمبر 1999- وبالدرجة الأولى، التوسع الإمبريالي للنظام الرأسمالية بدرجة تهدد بدمار الكوكب عبر الحرب وتدمير البيئة. ولكن، وكما رأينا، فإن الاندفاع للحرب قد شق صف الطبقة الحاكمة الأمريكية وعزل الولايات المتحدة عن باقي القوى الكبرى في العالم. وهذا انقلاب مذهل عن الوضع الذي ساد في أعقاب سبتمبر والهجمات على نيويورك وواشنطن، عندما خرجت جريدة لوموند الفرنسية، صاحبة التاريخ الطويل في انتقاد السياسة الخارجية الأمريكية، معلنة “كلنا أمريكيون”. وعلى المستوى الشعبي، فمعاداة أمريكا اليوم أقوى بدرجة كبيرة مما كانت عليه قبل 11 سبتمبر – ونقصد بمعاداة أمريكا هنا ليست الكراهية ضد المواطنين الأمريكيين أو ضد الثقافة الأمريكية، بل مناهضة السياسات الأمريكية الكونية القائم على دفعها وتنفيذها الدولة الأمريكية والشركات الكبرى الأمريكية.

حتى في داخل الولايات المتحدة نفسها نجد أن منهج بوش العسكري الفردي يتمتع بتأييد ضعيف، ففي مسح للرأي العام الأمريكي مؤخرا وجد أن 65% يؤيدون الحرب ضد العراق بشرط أن يكون ذلك بموافقة الأمم المتحدة وحلفاء أمريكا، كما أيد 77% تقوية وتدعيم دور الأمم المتحدة. 17% فقط أيدوا مقولة أن ’الولايات المتحدة بوصفها القوة العظمى الوحيدة عليها أن تلعب الدور الأساسي كزعيمة للعالم في حل المشاكل الدولية.(96)

وقد يدفع هذا الانقسام لنوعين من ردود الأفعال الخاطئة. رد الفعل الأول نجده عند والدين بيلو – وهو أحد أهم منتقدي العولمة الرأسمالية- حيث يرحب بالانقسام بين الولايات المتحدة وأوروبا بوصفه:

خطوة إيجابية للعالم بأسره. فهو يفتح إمكانية أن الأوربيين سيبدءون في التعامل الإيجابي مع مشاكل الظلم الاجتماعي والفقر في الدول النامية عبر التفاعل مع بنى () الهيمنة الغربية المسؤولة عن تلك المشاكل بدرجة كبيرة. الأمر الذي سيمهد الطريق لتحالفات دولية خلاقة من الممكن أن تكون مفيدة لمعظم دول العالم، وصولا في النهاية لنشأة تحالف أوروبا-أفريقيا-أمريكا اللاتينية-أسيا في مواجهة الهيمنة الأمريكية.

هذا لا ينفي حقيقة أن أوروبا لها سياساتها الظالمة الخاصة بها- مثل السياسية الزراعية المشتركة، والتي تعد السبب الأساسي وراء تعثر السياسات الزراعية في العالم النامي. ولا تقل الشركات الأوربية الكبرى استغلالا عن مثيلتها الأمريكية، كما أن القيود التي تفرضها أوروبا ضد المهاجرين أكثر وحشية من تلك الأمريكية. لكن الحاجة لإيجاد حلفاء في مواجهة الهيمنة الأمريكية يمكن أن تلعب دور الحافز (الذي يدفع المناضلين) للبدء في إصلاح تلك المؤسسات (الأوروبية). (97)

إن اعتقاد بيلو أن الاتحاد الأوروبي يمكن أن يصير حليفا ضد الإمبريالية الأمريكية يجد صدى واسعا في ذلك الجناح في حركة مناهضة الرأسمالية – ذلك الجناح المتمثل بدرجة رئيسية في قيادة أتاك فرنسا- والذي يريد إعادة بناء الدولة القومية كمركز ثقل مضاد لعملية العولمة الرأسمالية.

إلا أن مثل هذه الاستراتيجية تقبل في الأساس العالم على أنه عالم منقسم إلى دولة قومية متنازعة ومتنافسة. وسواء قصد أصحاب هذه التوجه ذلك أم لم يقصدوا، فهذه الاستراتيجية تفترض أن منطق التنازع الإمبريالي هو أمر لا يمكن الفكاك منه، وبالتالي تسعى لبناء قطب آخر في مواجهة القطب المهيمن الحالي، وحسب تعبير بيلو: ’تحالف أوروبا-أفريقيا-أمريكا اللاتينية -أسيا في مواجهة الهيمنة الأمريكية‘

ولكن مشكلة عالمنا المعاصر ليست في أن الولايات المتحدة تسيطر عليه. ولو نجح الاتحاد الأوروبي في تحدي التفوق الأمريكي فلن يحسن ذلك من الوضع العالمي، بل أن تحويل جزء أكبر من المصادر والإمكانيات المتاحة لصالح الإنفاق العسكري والبدء في سباق تسلح جديد، كفيل بأن يجعل العالم أكثر ظلما وخطورة مما هو عليه الآن.

الاتجاه الثاني نجده عند بيري أندرسون، حيث يصل عبر تحليله للفكر الاستراتيجي الأمريكي -تحليل شبيه بدرجة كبيرة بذلك الذي طرحناه هنا- إلى أن الانقسام داخل الطبقات الحاكمة الغربية، وتصاعد المعارضة للعسكرية الأمريكية هو أمر قليل الأهمية ولا يزيد عن فوران للغضب من جانب الانتلجنسيا الأطلسية (الأمريكية والأوربية). وهو يؤكد على أن هناك استمرارية لسياسة التدخل العسكري بدعاوى المجتمع الدولي وحقوق الإنسان الذي سار عليها جورج بوش الأب، وكلينتون وبلير من بعده، وبين الحرب التي يعد لها بوش الابن وفقا لمنهجه الجديد:

يريدون من أن نقبل بأن حرب الخليج والبلقان وأفغانستان كانت أمرا، والحرب الحالية أمر آخر. فتلك كانت حملات قوبلت بتأييد نسبي من الانتلجنسيا الغربية.. والآن نفس الأصوات تصرخ بأن الحرب ضد العراق أمر مختلف تماما، فهي لا تمتع بنفس مستوى التأييد من المجتمع الدولي، كما أنها تقدم منطق جديد غير مقبول وهو منطق الردع. إلا أن هذا الاعتراض يسهل على الجمهوريين (في الولايات المتحدة) الرد عليه بأن الحرب ضد العراق هي فقط خطوة أبعد ولكنها ضرورية. فإذا قبلنا بأن التدخل العسكري في كوسوفو ورغم مخالفته للقانون الدولي ولميثاق الأمم المتحدة كان مقبولا لدرء خطر التطهير العرقي وفقا لرؤية حلف شمال الأطلنطي (الناتو)، فإن التدخل العسكري في العراق- بموافقة الأمم المتحدة أو بدونها- هو أمر مقبول لدرء خطر أسلحة الدمار الشامل في العراق.

إن المبدأ واحد، فمن حق الدول المتحضرة -لوفقا لهذا المنطق-، بل من الواجب عليها استئصال أسوأ أنواع الشر والبربرية أينما وجود دون اعتبار أو احترام للحدود والسيادة القومية وذلك حتى يكون العالم أكثر سلاما وأمانا. (98)

ويستمر أندرسون في السجال مع أصحاب منطق الاعتماد على الأمم المتحدة:

إن شهر أو اثنين من التلاعب الإعلامي بالرأي العام على جانبي الأطلسي سيكون له فعل السحر (في تدعيم التأييد للحرب). فرغم المظاهرات الحاشدة ضد الحرب في لندن هذا الخريف (2002) فإن ثلاثة أرباع الشعب البريطاني سوف يؤيد الهجوم على العراق بشرط أن يكون ذلك تحت الغطاء الواهي للأمم المتحدة. وساعتها لن يتوانى الضبع الفرنسي على الاشتراك في الصيد ليكون له نصيبه في الفريسة. في الواقع فإن التواطؤ الأوروبي مع الحرب المنتظرة هو أمر مضمون للإدارة الأمريكية. (99)

وهذا المنهج نهائي ومطلق بدرجة لا تتناسب مع مثقف عميق مثل أندرسون. بالفعل منطق الحروب الإمبريالية في الخليج والبلقان الذي يرى أن السيادة القومية يمكن إهدارها من أجل قيم أكثر سموا لليبرالية الرأسمالية هو نفس منطق بوش وبلير في حملتهم ضد العراق. لكن الحركات السياسية لا تخضع ببساطة لقواعد المنطق البحت، فالتناقض بين تأييد الحروب السابقة ومعارضة الحرب ضد العراق يمكن حسمه بأكثر من طريق، فيمكن أن يتراجع أصحابه ليتبنوا موقفا مؤيد للحرب. ولكن هناك الاتجاه الآخر، حيث يمكن أن تؤدي الحرب على العراق أن تؤدي لتعميم سياسي في اتجاه معاد للإمبريالية. مئات الآلاف الذي هتفوا ’النصر لفيتنام‘ في 1968 لم يكونوا طوال عمرهم ثوريين معادين للإمبريالية. فقد بدءوا من مواقف متعددة ومتباينة، كانوا ليبراليين، معادين للعنف، بل ومحافظين. والاتجاه الذي ينتهي إليه معظم الناس يعتمد بالدرجة الأول على تأثير القوى السياسية المختلفة وأداءها.

الواقع الذي ينبغي التعامل معه الآن هو أن الحرب على أفغانستان والحرب الوشيكة ضد العراق قد فجرت حركة من الاحتجاجات في أمريكا وأوروبا أوسع من تلك التي واجهت حملة القصف ضد يوغوسلافيا في 1999، وهذا في حد ذاته يعكس تغيرا في المناخ السياسي تعجز تشاؤمية أندرسون التاريخية عن إدراكه(100). أن يكون بعض المعارضين البارزين للمغامرة الأنجلو أمريكية الحالية قد عجزوا عن معارضة الحروب السابقة أو مازال لديهم بعض الأوهام حول الأمم المتحدة وحدود دورها، لا ينفي أن موقفهم الحالي يساعد على تقوية حشد بوش للحرب الجديد. فهذه الأوهام غير ذات أهمية الآن مقارنة بما كانت عليه وقت حرب الخليج في 1991 عندما أيد معارضين بارزين للإمبريالية مثل نعوم شومسكي وتوني بن استخدام العقوبات ضد العراق. فلا أحد الآن يتحدث عن العقوبات كوسيلة بعد النتائج الفظيعة التي أدت إليها عشر سنوات من العقوبات وآثارها الوحشية على الشعب العراقي.

إن الخبرات المتراكمة من الحروب الإمبريالية المتتالية التي تم شنها تحت اسم حقوق الإنسان ولكن كانت في الحقيقة دفاعا عن المصالح الأمريكية، قد ساهمت في إنضاج وزيادة التماسك الفكري لحركة مناهضة الحرب الحالية. إضافة إلى ذلك فإن التجذير المعادي للإمبريالية الذي نشهده ليوم كان غائبا في أوائل التسعينات، مما يعكس اختلافا كبيرا في الظرف السياسي- من الانتصارية الرأسمالية في أعقاب انهيار الستالينية وقتها، إلى حركة النضال المعادية للرأسمالية والتي أنتجتها الاحتجاجات العظيمة في سياتل وجنوا وكذلك المنتديات الاجتماعية العالمية في بورتو اليجري.

ومعروف للجميع أن حركة مناهضة الحرب على العراق (في بريطانيا) بها الكثير من التعددية والتنوع الفكري، ففيها سياسيون من حزب العمال البريطاني، ورجال الدين المسلمين، ونقابيين يساريين، وشباب معادين للرأسمالية. إن بيري أندرسون هو نفسه الذي كتب يوما ’إن الجبهة المتحدة -نصيحة لينين الأخيرة قبل وفاته للطبقات العاملة الغربية، واهتمام جرامشي الأول في سنوات السجن- مازالت مطروحة اليوم بنفس الدرجة ولم يتجاوزها التاريخ أبدا‘. (101)

فالجبهة المتحدة هي جزئيا توحيد القوى السياسية المتباينة في عمل موحد حول أهداف مشتركة محدودة. ومهمة الاشتراكيين الثوريين داخل الجبهة المتحدة هو دفع النضال لأشكاله الأكثر تجذيرا وقتالية، وفي الوقت نفسه مواجهة الأوهام التي تربط بعض أعضاء الجبهة بالوضع الراهن والنظم الحاكمة. وفي اللحظة الراهنة فإن حركة معارضة الحرب واسعة جدا، إلا أن الجناح المناهض للإمبريالية هو الذي يحقق المكاسب والتقدم يوما بعد آخر.

لقد ساهمت ’الحرب على الإرهاب‘ في تجذير حركة مناهضة الرأسمالية بإعطائها جانب معاد للإمبريالية والإمكانية موجودة لبناء أكبر حركة مناهضة للحرب منذ سنوات فيتنام. الأمر الجوهري هو بناء حركة لا تستهدف مواجهة بوش وإدارته وحربه بل النظام الإمبريالي بكامله، ذلك النظام الذي يستمد منطقه وجذوره من المنطق الرأسمالي القائم على الاستغلال والتراكم.

« السابق التالي »