الإستراتيجية الكبرى للإمبراطورية الأمريكية
ما يثير السخرية حقا هو كيف أصبحت تبريرات توني بلير الأخلاقية تعمل كغطاء للسياسة الفعلية لبوش وأعوانه. ولكن السؤال الأهم ينصب على دوافع اتجاه الولايات المتحدة للحرب؟ يُعرف ادوارد لوتويك الاستراتيجية الكبيرة بأنها أحد أبعاد الصراع بين الدول “الذي يدور فيه الصراع العسكري على أرضية أوسع تتكون من السياسة المحلية، الدبلوماسية الدولية والنشاط الاقتصادي”(6).
إذن ما هي الاستراتيجية العظمى للولايات المتحدة تحت قيادة بوش؟
إن أحد الملامح الهامة للنظرية الماركسية للإمبريالية هو تعاملها مع الصراعات الدبلوماسية والعسكرية بين الدول باعتبارها أحد أبعاد عملية المنافسة التي تحرك الرأسمالية.
وكما صاغها نيكولاي بوخارين خلال الحرب العالمية الأولى، تقول نظرية الامبريالية أن المنافسة الجغرافية بين الدول والمنافسة الاقتصادية بين رؤوس الأموال أصبحت متطابقة. فمن ناحية أدت عملية التقدم العسكري إلى عدم قدرة القوى العظمى على الصمود بدون تطوير بناها الاقتصادية. ومن ناحية أخرى، أدت عملية تركز وعولمة رأس المال إلى تحول المنافسة بين الشركات إلى صراع جيوستراتيجي تلجأ بمقتضاه الشركات إلى طلب دعم دولها. لقد امتزجت المنافسة الاقتصادية بالمنافسة العسكرية في الحروب الامبريالية ما بين عامي 1914 و1945 (7). تقدم هذه النظرية أفضل إطار لفهم نزوع الولايات المتحدة نحو الحرب. ولكن قبل المضي قدما في التحليل يجب التأكيد على نقطة هامة: عادة ما يقوم أنصار وأعداء نظرية الإمبريالية باختزالها في مقولة أن الدول الإمبريالية تتحرك فقط بفعل عوامل اقتصادية. وهذا ما جعل البعض يقول أن الدافع الحقيقي وراء الاعتداء الغربي على أفغانستان هو رغبة إدارة بوش المتحالفة مع شركات النفط في إقامة خط أنابيب لنقل النفط والغاز من وسط أسيا(8). ولا شك أن احتياطات الطاقة تمثل عاملا مهما وراء اهتمام واشنطن بالمنطقة، ولكن اختزال الحرب في هذه المنطقة إلى هذا العامل الاقتصادي هو خطأ كبير.
لقد اعتدت الولايات المتحدة على أفغانستان أساساً لاعتبارات سياسية من أجل تأكيد هيمنتها بعد الحادي عشر من سبتمبر. إن اقتراب الولايات المتحدة من وسط أسيا هو نتيجة للحرب وليس الدافع الأساسي ورائها. ولكن من ناحية أخرى من الخطأ أيضاً اختزال استراتيجية الولايات المتحدة في مجرد اعتبارات جيواستراتيجية. إن السيطرة على منابع النفط في الشرق الأوسط كما سنرى لاحقا هو دافع مهم وراء تخطيط إدارة بوش للحرب(9). إن القوى العظمى، على مر التاريخ، تتحرك بفعل تشكيلات معقدة من الدوافع الاقتصادية والجيواستراتيجية. ففي نهاية القرن التاسع عشر بدأت الطبقة الحاكمة في بريطانيا تنظر إلى ألمانيا على أنها تهديدا كبيرا لمصالحها. وكان ذلك في البداية بسبب قرار ألمانيا ببناء أسطولا بحريا ضخما وكان ذلك تهديدا لتفوق البحرية البريطانية وأمن البلاد نفسها, ولكن السيطرة على الإمبراطورية وعلى تدفق الأرباح الناتجة عن الاستثمار عبر البحار كان له نفس أهمية القوة البحرية البريطانية.(10)
ولنأخذ هتلر مثالا آخر. فقد كان ذلك القائد الأيديولوجي، مدفوعاً بهدف طويل الأجل للسيطرة على أوراسيا لتأسيس أمة ألمانية ذات نقاء عنصري إلا أن الاعتبارات الاقتصادية لعبت دورا فعالا في كل من الإستراتيجية العسكرية (فقرارات مثل بدء الحرب العالمية الثانية ومدها إلى الإتحاد السوفيتي ومحاولة الاستيلاء على ستالينجراد كانت كلها تحت تأثير الخوف من النقص في المواد الخام) وأيضا في رؤية هتلر لاحتلال روسيا كحل لمتناقضات اقتصادية موجودة في الرأسمالية الألمانية.(11). واليوم أيضا من المهم أن نفهم أن النظرية الماركسية للإمبريالية تحلل الأساليب إلى نسجت كل من المنافسة الاقتصادية والجيوسياسية معا تحت تأثير الرأسمالية ولا تكتفي بأن تختزل أحدهما في الآخر.






