الإستراتيجية الكبرى للإمبراطورية الأمريكية
ترجع أصول القوة غير المسبوقة التي تستند عليها إدارة بوش بالطبع إلى انتصارها في الحرب الباردة. لقد أعطت ثورات أوروبا الشرقية وسقوط الاتحاد السوفييتي للولايات المتحدة التفوق العسكري. كما أعطى أيضاً للرأسمالية الأمريكية منفذاً للمناطق التي كانت مغلقة دونها بسبب تقسيم العالم خلال الحرب الباردة، خاصة منطقة وسط أسيا التي تحتوي على احتياطات نفطية كبيرة والتي تحتل موقعاً استراتيجياً على الحدود بين مناطق النفوذ الروسية والصينية. ولكن انهيار النظام الستاليني لم يوقف التنافس بين الدول الكبرى. لقد قال بعض الماركسيين, اللذين لم يتأثروا بما قيل في زهو النصر حول نهاية العالم وبداية قرن أمريكي جديد بعد الحرب الباردة، أن انتهاء الاستقرار المبني على ثنائية القطبية سوف يؤدي إلى مرحلة جديدة من المنافسة الجيوسياسية وبالتالي إلى مخاطر وعدم استقرار أكثر من مرحلة ما قبل 1989.(12). بتحديد أكثر، واجهت الولايات المتحدة مصدرين محتملين للمخاطر: الأول أتي من داخل المعسكر الرأسمالي الغربي، أي من ألمانيا واليابان اللتان كانتا خاضعتان إلى قيادة الولايات المتحدة العسكرية والسياسية طوال الحرب الباردة. إن تدهور المكانة الاقتصادية الأمريكية في مواجهة هاتين الدولتين كان أحد العوامل المهمة وراء أزمة الاقتصاد العالمي في أواخر الستينات(13). وعندما تحررت ألمانيا واليابان من مقتضيات التوحد ضد الخطر المشترك المتمثل في الكتلة الشرقية، أصبح من المتوقع أن تحاول هاتان الدولتان تدعيم قوتهما الجيوسياسية وتهديد الهيمنة الأمريكية. لقد قامت ألمانيا الموحدة بهندسة تفكيك الاتحاد اليوغسلافي وهو ما تناقض مع جهود بوش الأب للإبقاء على الاتحاد. ولكن الخطر الأهم أتى من اليابان التي غزت سلعها واستثماراتها الاقتصاد الأمريكي حتى أن جورج فريدمان من شركة ستراتفور لاستشارات الأمن شارك في أوائل التسعينات في كتابة كتاب بعنوان “الحرب القادمة مع اليابان.
المجموعة الثانية للمنافسين المحتملين للولايات المتحدة تضم دول من خارج المعسكر الغربي. فروسيا بقيت دولة عظمى برغم إفقارها والفوضى السياسية والاجتماعية التي تحكمها، فهي تمتلك آلاف الرؤوس النووية وتعوم فوق احتياطات نفطية كبيرة. لكن الخطر الأهم يأتي من الصين. إن النمو الاقتصادي السريع الذي حققته الصين منذ أن تبنت ستالينية السوق في الثمانينات يعده البعض دليل على نجاح رأسمالية المشروع الحر، ولكن هذا النمو أعطى للصين الموارد الكافية لصعود الصين كقوة عسكرية عظمى في أكثر مناطق العالم عرضة لعدم الاستقرار.(14). وفي الوقت الذي تراجع فيه التهديد الاقتصادي الياباني في التسعينات، تبدو الصين بوصفها التهديد الأساسي الذي يواجه الرأسمالية الأمريكية في الأجل الطويل. يقول ، جون ميرشمير، المحلل الامريكي الشهير للعلاقات الدولية:
“لتلخيص ما سوف تصبح عليه الصين القوية إذا ما استمر اقتصادها في النمو السريع، يمكننا مقارنة الصين بالولايات المتحدة. يبلغ الناتج القومي الأمريكي 7.9 ترليون دولار. إذا تساوى دخل الفرد في الصين مع مثيله في كوريا فإن الناتج القومي للصين سوف يتفوق على الناتج القومي للولايات المتحدة بحوالي 35%. أما إذا بلغ دخل الفرد في الصين نصف مثيله في اليابان فإن الناتج القومي الصيني سوف يتعدى ضعف مثيله الأمريكي. من الجدير بالذكر إن الناتج القومي للاتحاد السوفييتي كان يبلغ نصف الناتج القومي الأمريكي خلال الحرب الباردة. بإختصار، هناك امكانية أن تصبح الصين أقوى من الولايات التحدة ذاتها.(15)
وبناء على هذا الاحتمال يقدم ميرشمير سيناريو متشائم لشمال شرق أسيا بل وللعالم أيضاً:
“لن تصبح الصين أغنى بكثير من منافسيها الأسيويين، ولكن تفوقها السكاني الهائل سيقدم لها الفرصة لبناء قوة عسكرية تتفوق على روسيا واليابان. وسيكون عندها الموارد لبناء ترسانة نووية هائلة. ستصبح منطقة شمال شرق أسيا أكثر خطورة مما هي عليه الآن.
ستتجه الصين لكي تصبح قوة مهيمنة، كما كان الحال مع القوى المهيمنة التي سبقتها. وستحاول كل القوى المنافسة لها, بما فيها الولايات المتحدة، أن تحتويها حتى تحول دون توسعها.(16)
ولكن البعض الأخر مثل مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس كارتر، زبيجنيف برجينسكي، يتشكك في قدرة الصين على تهديد الهيمنة الامريكية، خاصة عندما ترتكز فكرة التهديد الصيني على “توقعات إحصائية ميكانيكية”(17) كما هو الحال في تحليل ميرشمير. يعتقد برجينسكي أن التحدي الذي يواجه الطبقة الحاكمة الأمريكية هو الحفاظ على قيادتها للدول الرأسمالية الغربية بالإضافة إلى بسط مدى هذه القيادة لتشمل القوى الكبرى الأخرى. إن النجاح الجيوسياسي الأساسي لإدارة كلينتون يتمثل في بسط الهيمنة الأمريكية على أوراسيا. وكان ذلك مهيئاً بفعل المتغيرات الاقتصادية. لقد حظيت الولايات المتحدة بانتعاش كبير في عقد التسعينات(18)، في الوقت الذي ركد فيه الاقتصاد الألماني وفي الوقت أيضاً الذي عانت فيه اليابان من أسوأ أزمة كساد تواجه دولة رأسمالية كبيرة منذ الثلاثينات. لقد تأكد تفوق الولايات المتحدة الاقتصادي بفعل اللجوء إلى القوة العسكرية. إن الحملة التي قام بها حلف الأطلنطي على صربيا في عام 1995 وبشكل مكثف في عام 1999 ساعدت على تأكيد تبعية الاتحاد الأوروبي للولايات المتحدة واعتماد هذا الاتحاد على القوة العسكرية الأمريكية حتى في حل النزاعات التي تقع في فنائه الخلفي، في البلقان.
لقد اضطلع توسع حلف الناتو في وسط وشرق أوروبا أثناء حرب البلقان عام 1999 بثلاثة مهام: أولاً قام بتدعيم قيادة أمريكا لأوروبا الغربية ووسع مدى هذه القيادة ناحية الشرق. ثانياً قام بإضفاء المشروعية على اختراق المنطقة الهامة لوسط أسيا وأعطى لحلف الأطلنطي الرخصة للقيام بعمليات هناك. ثالثاً سمح بإستراتيجية جديدة لتطويق روسيا التي يعتقد صناع القرار في أمريكا أنها لا تستطيع التحول نحو نظام ديمقراطي واقتصاد غني وبالتالي يجب احتوائها(19). الاختبار الأول لحلف الأطلنطي ضد صربيا كان مبهماً في نتائجه، حيث أن حملة القصف الجوي (التي دمرت جانباً صغيراً من الجيش اليوغوسلافي) كانت مجرد واحدة من العوامل التي دفعت ميلوسيفيتش للانسحاب. لقد كان الرفض الروسي لدعمه والضغوط الروسية عليه للتفاهم عاملاً مهماً. ولكن حرب البلقان في عام 1999 كانت مناسبة لترويج أيديولوجية التدخل الانساني، خاصة من قبل بلير، من أجل تأكيد حق “المجتمع الدولي” (الذي هو الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين) في اختراق السيادة القومية وشن حرب لفرض العقوبات على دولة مارقة تنتهك حقوق الإنسان(20). ومن هذا المنطلق اتبعت إدارة كلينتون استراتيجية جديدة متعددة الجوانب. وقد قام برجينسكي، الذي كان المهندس الأساسي لتوسيع حلف الأطلنطي، بشرح دوافع هذه الاستراتيجية وقدمها باعتبارها أحد مكونات توجه عام لتدعيم الهيمنة الأمريكية اعتماداً على سياسة “فرق تسد”. يستخدم برجينسكي بصراحة لغة الدول الإمبريالية للدفاع عن بناء تحالفات من أجل احتواء وإخضاع المنافسين المحتملين كألمانيا، روسيا، الصين واليابان قائلا:
“من مصلحة الولايات المتحدة أن تدعم التعددية الجغرافية في أوراسيا في الأجل القصير. وهذا يؤكد على أهمية دور المناورات من أجل الحيلولة دون ظهور تحالف يتحدى بدوره السلطة الأمريكية ناهيك عن احتمال ظهور دولة تقوم بنفس التحدي.
في الفترة القادمة ( السنوات العشرين القادمة أو ما شابه) علينا أن نعمل مقدما على إنشاء شركاء استراتيجيين قادرين، تحت قيادة الولايات المتحدة، على بناء نظام أمني في أوراسيا. وفي الأجل الطويل يمكن بناء نظام كوني يعتمد على الاشتراك في المسئولية.(21)
لكن يجب الإشارة على أنه بالرغم من تأكيد برجينسكي على بناء تحالفات، فإن استراتيجية إدارة كلينتون كانت بعيدة عن أن تكون متعددة الأطراف. إن توسيع حلف الأطلنطي والاتحاد الأوروبي كان وسيلة لتأكيد الهيمنة الأمريكية في أوراسيا، وليس بديلاً عن السيادة الأمريكية. وكما قال أحد الأمريكيين المحافظين، إن لجوء كلينتون ومستشاريه للمشاركة المتعددة لم يكن إلا بأغراض نفعية: إن الولايات المتحدة تفضل التحرك المشترك إذا استطاعت، لكنها قوية بما يكفي للتحرك المنفرد إذا اقتضى الأمر.(22)
لقد شنت الولايات المتحدة حرب البلقان في عام 1999 تحت غطاء حلف الأطلنطي، دون أي شرعية من مجلس الأمن. لقد تجاهلت الولايات المتحدة الأمم المتحدة حين قصفت العراق في عام 1998 بمساعدة بريطانيا والكويت. وبررت مادلين اولبرايت، وزيرة خارجية كلينتون المتواضعة القدرات والمغرورة في نفس الوقت، قصف العراق بالقول: إذا كان يجب علينا استخدام القوة، فذلك لأننا أمريكا. إن قامتنا طويلة، وبالتالي فإننا نرى المستقبل بشكل أفضل.(23). لقد كانت تلك التصريحات الدافع وراء تحذير صمويل هانتنجتون وهو الخادم الأمين للدولة الأمريكية: “الولايات المتحدة أصبحت وحيدة في العالم بفعل تصرفاتها المنفردة… في الوقت الذي تدين فيه الولايات المتحدة دائماً دولاً كثيرة باعتبارها دولا مارقة، فإن الولايات المتحدة في نظر الكثير من البلدان هي القوة العظمى المارقة.”(24)






