بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإستراتيجية الكبرى للإمبراطورية الأمريكية

« السابق التالي »

4. مذهب بوش: “الثأر الوقائي”

الآن أصبحت القوة الخارقة المتمردة في حالة هياج.. مذابح الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية تمثل ما يسميه العالم السياسي الأمريكي ـ كالمرز جونسون ـ “الانفجار العكسي”. السياسات المستفزة التي كانت تمارسها قوة الولايات المتحدة الإمبريالية خاصة في الشرق الأوسط تجني ثمنها الآن حياة آلاف المدنيين الأمريكيين الأبرياء (25). ولكن هجمات نيويورك وواشنطون أعطت إدارة بوش الابن فرصة أوسع بكثير من تلك التي تمتعت بها من قبل لممارسة استراتيجيتها العالمية التي كانت، في أسلوب ممارستها ، أكثر أحادية من سابقيها.

وكان ترفع الإدارة الأمريكية عن بناء تحالف واضحا في تعاملها مع حلف شمال الأطلنطي. ففي 12 سبتمبر 2001 استحضر مجلس شمال الأطلنطي لأول مرة في تاريخه المادة الخامسة من اتفاقية إنشاء حلف الناتو عام 1949 وأعلن أن الهجوم على الولايات المتحدة الأمريكية هو هجوم على كل الدول أعضاء الحلف. ووضع بوش هذا الإعلان عن التضامن مع قرار مجلس الأمن في جيبه إلا أن البنتاجون لم يكلف نفسه عناء استخدام الناتو في حربه ضد أفغانستان.

الناتو الذي كان قبل عامين أداة واشنطون المفضلة في التدخل في البلقان يعامل الآن بنفس الأسلوب الذي اعتادت أمريكا أن تتعامل به مع الأمم المتحدة فخصصت له إستراتيجية الأمن القومي ثلاث فقرات فقط. وهذا الانحياز للفعل الأحادي يعكس في نفس الوقت مدى قسوة الكارثة الرمزية التي تعرضت لها القوة الأمريكية في الحادي عشر من سبتمبر. فبعد الهجمات التي تعرضت لها عاصمتها المالية ومركز قيادتها العسكرية على مرأى من العالم كله كان يجب أن يرى العالم الدولة الأمريكية وهي تهاجم بنفسها وليس وهي تطلب النجدة من البوليس الدولي. لقد انتهكت القوة الأمريكية وقوة الأمريكية هي التي يجب أن تنتقم. وكان رؤساء الأركان في البنتاجون على أي حال قد أعلنوا عن نفاذ صبرهم من خطوات الناتو البطيئة أثناء حرب البلقان عام 1999. ولكن منذ سقوط كابول في نوفمبر 2001 بات من الواضح أن إدارة بوش تستغل الحرب ضد الإرهاب لتبرير استراتيجية سياسية أكثر عنفا وهي استخدام القوة العسكرية للقضاء على بعض التهديدات وتخويف الباقين كلهم.

الخطوة الأولى كانت من خلال التوسع الجوهري في أهداف الحرب والذي ظهر في خطاب بوش يوم 29 يناير 2002.

مؤكدا أن “حربنا ضد الإرهاب مازالت في بدايتها” أعلن بوش أنه بالإضافة إلى الهجوم المباشر على شبكات الإرهاب “فإن هدفنا الأساسي هو منع الأنظمة التي تساعد الإرهاب عن تهديد الولايات المتحدة أو أصدقاءها أو حلفاءها بأسلحة الدمار الشامل” وحدد إيران والعراق وكوريا الشمالية “كمحاور للشر” (26). وبعد ذلك وسع جون بولتون نائب وزير الدولة الشبكة واصفا ليبيا وسوريا وكوبا بأنهم دول داعمة للإرهاب تمتلك أسلحة دمار شامل أو لديها القدرة على امتلاكها(27). لكن الأبعاد الكاملة لاستراتيجية الإدارة الأمريكية لم تتضح تماما إلا بعد أن أعلن بوش ما وصفته “الفينانشيال تايمز” بأنه مذهب جديد تماما “للتحرك الوقائي” وذلك في خطاب وست بوينت في 1 يونيو 2002 (28) الذي قال فيه:

” لفترة طويلة من القرن الماضي أعتمد الدفاع الأمريكي على مذهب الحرب الباردة .. الردع ومحاصرة القوة.. في بعض الحالات ما تزال هذه الاستراتيجيات صالحة للتنفيذ إلا أن التهديدات الجديدة تتطلب أيضا تفكيرا جديدا. الردع (وهو التوعد بثأر قاسي ضد الدول) لا يعني شيئا في التعامل مع شبكات إرهابية خفية ليست لها دولة أو مواطنين تريد حمايتهم. وحصار القوة ليس ممكنا حين نتعامل مع دكتاتوريين موتورين لديهم أسلحة دمار شامل قادرين على توصيلها بالصواريخ إلينا أو على توفيرها لحلفائهم من الإرهابيين.

لا نستطيع أن نحمي أمريكا وأصدقائها بتمني الأفضل.. لا نستطيع أن نثق في كلمات الطغاة الذين يوقعون بكل خشوع اتفاقيات واضحة ثم يخرقونها بشكل تلقائي. لو انتظرنا حتى تتجسد التهديدات أمامنا تماما سنكون قد انتظرنا أكثر من اللازم (تصفيق)
قوات الدفاع الموجودة للحفاظ على الأمن الداخلي وقوات الدفاع المضادة الصواريخ هما جزءا من أمن أقوى.. أنهما أولويات جوهرية لأمريكا لكننا لن نفوز في حربنا ضد الإرهاب بالدفاع. علينا أن نأخذ المعركة إلى أرض العدو.. أن نفسد خططه ونواجه أسوأ التهديدات قبل أن تظهر. (تصفيق).. في العالم الذي دخلناه الطريق الوحيد للأمان هو طريق الفعل والتحرك.. وهذه الأمة سوف تتحرك. (تصفيق)”
“مذهب بوش” القائم على “الثأر الوقائي” ـ كما يصفه ـ أحد مسئولي الإدارة الأمريكية ـ يظهر واضحا في خطة الأمن القومي: “في حين ستسعى الولايات المتحدة الأمريكية باستمرار للحصول على تأييد المجتمع الدولي فإننا لن نتردد في التحرك وحدنا، لو لزم الأمر، لممارسة حقنا في الدفاع عن النفس والقيام بهجمات وقائية” (30).
والعراق هو أول اختبار لهذا المذهب. فالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بعد حرب الخليج عام 1991 كانت ما نستطيع أن نطلق عليه “سياسة الحصار المزدوج” وهي سياسة تهدف إلى عزل إيران والعراق. وفي حالة العراق كان الهدف من الحصار الاقتصادي والغارات الجوية هي إبقاء نظام صدام حسين البعثي ضعيفا وفي حالة دفاع عن النفس. ومع نهاية التسعينات كانت هذه السياسة قد بدأت تنهار دبلوماسيا حيث بدأ كل من أعضاء مجلس الأمن الدائمين خاصة فرنسا وروسيا وكذلك الدول العربية في إبداء رغبة متزايدة تجاه تقوية العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع العراق. ولتحقيق عزل العراق اضطرت أمريكا وبريطانيا وبشكل متزايد أن تقوما بتحركات فردية، وذلك تحديدا عن طريق زيادة حدة حملة القذف الجوي. (31)
كوندوليتزا رايس (التي كانت وقتها أستاذا في ستاندفورد وتقدم استشاراتها لحملة بوش الانتخابية) كانت حتى عام 2000 تدعو لاستمرار هذه السياسة. وقد كتب عن “الدول المتمردة” مثل العراق وكوريا الشمالية قائلة:
“هذه الأنظمة تعيش في الوقت الضائع ولهذا يجب ألا نشعر بالقلق تجاههم، بل على العكس، يجب أن يكون خط الدفاع الأول ضدها هو بيان واضح وتقليدي رادع.. لو أنهم امتلكوا أسلحة دمار شامل فإنها لن تكون قابلة للاستخدام لأنهم لو حاولوا استخدامها سيتسببون في محو بلادهم عن الوجود” (32) وعندما وجهت رايس بهذه الملاحظات قالت مازحة: “الأكاديميون يستطيعون كتابة أي شئ” ثم ذكّرت بإنذار الحادي عشر من سبتمبر المحزنة. (33).
ولكن يبقى هذا الجدل غير مقنع على الإطلاق. فأسلوب الدمج الذي يستخدمه بوش وبلير باستمرار بين أنظمة مثل نظام صدام حسين وبين تنظيم القاعدة الإرهابي يتجاهل حقيقة أنه لم يتم الإعلان عن دليل واحد جاد يربط العراق بأحداث 11 سبتمبر ولم يحدث أي شئ منذ الحادي عشر من سبتمبر ليغير حقيقة أن أي دولة تقوم بهجوم نووي أو كمائي أو بيولوجي على الولايات المتحدة إنما تقوم بالانتحار. وبالطبع فإن التركيز على أسلحة الدمار الشامل يتجاهل كل من الترسانة النووية الضخمة التي تملكها الولايات المتحدة وباقي القوى الكبرى وكذلك تطوير الأسلحة النووية في بلاد يربطها تحالف قوى مع أمريكا مثل إسرائيل وباكستان.
أننا نحتاج لكي نفهم “مذهب بوش” أن نلقي نظرة قريبة على إدارة بوش نفسها

« السابق التالي »