بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإستراتيجية الكبرى للإمبراطورية الأمريكية

« السابق التالي »

5. بوش الابن: اليمين الجمهوري يسيطر عل الدفة

اتجهت إدارة بوش الإبن في البداية إلى تقديم نفسها بوصفها استمرارا لإدارة أبيه. وتعبر وجهة النظر تلك عن نفسها عبر الزعم المنتشر بأن الحرب المخططة ضد العراق هي بمثابة تسوية لأهداف عائلية قديمة. غير أن مثل هذه التأويلات تعد خاطئة بشكل جوهري (34). فبالرغم من أن الكثير من كبار الشخصيات في الإدارة الأمريكية الحالية قد خدموا في إدارة بوش الأب خلال الفترة من 1989 إلى 1993 –مثل نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الخارجية كولين باول ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد- إلا أنه من الناحية الأيديولوجية فأن بوش الإبن يرتد إلى حقبة الرئيس رونالد ريجان الذي تولى الحكم من1981 إلى 1989 في المرحلة الأخيرة من الحرب الباردة. فقد كان ريجان هو الذي وسم الاتحاد السوفيتي ب “إمبراطورية الشر”، وخول للمخابرات المركزية والبنتاجون دعم الحركات اليمينية التي تقوم بحرب عصابات ضد النظم الوطنية في العالم الثالث مثل نيكاراجوا وأنجولا وأفغانستان التي اعتبرتها الولايات المتحدة تقف على الجانب الخطأ في الحرب الباردة (35).

فقد لخص هنري كسينجر بإعجاب ساخر السياسة الخارجية لريجان كما يلي:

“أن لغة ويلسون التي تحلق عاليا دعما للحرية والديمقراطية قد تخمرت بواسطة واقعية ميكيافيلية…أن مبدأ ريجان وصل إلى تبني استراتيجية مساعدة “عدو العدو” وهي استراتيجية كانت ستحظى بقبول ريشيليو” (وقد ثبت أن أحد المنتفعين من هذه الاستراتيجية كان أسامة بن لادن) (36). وقام بوش الإبن بشكل واضح بتصميم أسلوبه الشخصي على ذلك الخاص بريجان –ذلك الشعبي العظيم في قدرته على التواصل والذي ركز على فعل الصواب فيما يتعلق بالشئون الكبرى (من وجهة نظر اليمين الأمريكي). والأهم من ذلك فإن المحور المركزي لإدارته كان يعرف بسياسته الريجانية. أما بوش الأب فقد كان نتاجا لمؤسسة الساحل الشرقي: أي أن لهجة سياسته الخارجية قد وضعها وزير الخارجية جيمس بيكر، الذي أنشأ بحرص ائتلاف واسع يرتكز على سلطة مجلس الأمن لشن الحرب الأخيرة ضد العراق، والذي ضمن لإسرائيل قرض قيمته عشرة مليارات دولار لإجبار الجناح اليميني بزعامة اسحاق شامير على بالمشاركة مع منظمة التحرير الفلسطينية في مؤتمر مدريد للسلام (37). أما تشيني، الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع في إدارة بوش الأب، فقد كان آنذاك عنصرا معزولا نسبيا. وفي مارس 1992، سربت إلى صحيفة نيويورك تايمز وثيقة دفاعية إرشادية صادرة عن البنتاجون، وكانت قوة الدفع الأساسية فيها هي توقع استراتيجية الأمن القومي لبوش الإبن: “أن هدفنا الأول هو منع اعادة ظهور منافس جديد… أن ذلك يمثل تهديدا من نفس الخطر الذي كان يمثله الاتحاد السوفيتي سابقا. يجب أن تركز استراتيجيتنا الآن على منع انبثاق أي منافس كوني مستقبلي كامن” (38). وكان بول وولفويتز، نائب رامسفيلد حاليا، هو أحد كتاب هذه الوثيقة التي تبرأت منها إدارة بوش الأولى. وحسب ما ذكرته فرانسيس فيتزجيرالد، فأن رامسفيلد نفسه كان معلم تشيني في واشنطن وصديقة لثلاثين عاما. وعندما كان رامسفيلد يشغل منصب رئيس الأركان ثم وزير الدفاع في عهد الرئيس جيرالد فورد (1974-1977)، فقد قام بسحب إدارة فورد بحدة نحو اليمين وأحبط مساعي كسينجر وزير الخارجية لاستكمال معاهدة “سولت2” بشأن تخفيض الترسانة النووية للقوتين العظميين (39).

والآن، يكون تشيني ورامسفيلد وولفويتز القلب بالنسبة لمجموعة من مثقفي اليمين الجمهوريين التي تتولى وضع أجندة إدارة بوش، وتضم كوندوليزا رايس بمجلس الأمن القومي، وجون بولتون نائب وزير الخارجية للشئون الدولية وضبط التسلح، وريتشارد بيرل “أمير الظلام” اليميني الأسطوري في عهد ريجان والذي يشغل حاليا منصب رئيس مجلس سياسة الدفاع الاستشاري. وكما تطرح فيتزجيرالد:

“ما كان في وضع الأقلية في إدارة بوش الأولى أصبح في وضع الأغلبية في إدارو بوش الثانية” (40). أن كولين باول رئيس هيئة الأركان المشتركة في إدارة بوش الأب ومهندس حرب الخليج لعام 1991، هو الذي أصبح معزولا الآن عندما يطرح إقامة تحالف.اكتسب طرح باول بعض النفوذ عقب 11 سبتمبر، إلا أنه نحي جانبا بواسطة الجناح اليميني الداعم لفكرة أحادية القوة.. فما هي أجندة هؤلاء؟ أن المنظور اليميني كما يطرحه جيمس فالوس “يعرف بالتشاؤم والتفاؤل وعدم الصبر فيما يتعلق بالإجراءات” (41). يتمثل التشاؤم في الاعتقاد بأن التفوق الأمريكي الحالي سوف يتم تحديه بسهولة عبر انبثاق منافسين أنداد. وهذا التقدير قد عبر عنه بشكل ملفت للنظر وولفويتز في مقال كتبه أثناء حكم كلينتون.

وقارن في هذا المقال بالنزعة الانتصارية التالية لعام 1989 بشأن انتصار الليبرالية الرأسمالية و”نهاية التاريخ” بوجهة النظر التي تم تبنيها في نهاية القرن التاسع عشر والني كانت ترى أن النمو الاقتصادي والتكامل الدولي جعلا الحرب شيئا عقيما: أن نهاية القرن الحالي تشبه نهاية القرن الماضي في جانب مهم آخر، وهو جانب يضع علامة استفهام حول الآمال العظيمة بشأن استمرار السلام والرخاء ونحن ندخل القرن الحادي والعشرين. فإلى جانب التقدم السلمي الملحوظ الذي كان موجودا في آخر القرن الماضي، كان العالم يصارع –أو بتعبير أدق- يفشل في التعامل مع انبثاق قوى رئيسية جديدة. فلم تكن هناك فقط اليابان، القوة الجديدة في آسيا، ولكن ألمانيا، التي لم يكن لها وجود قبل نهاية القرن التاسع عشر، كانت تنبثق كقوة مهيمنة في أوروبا.

واليوم، فأن نفس النمو الاقتصادي الملموس الذي يؤدي إلى تقليص الفقر وخلق طبقات وسطى جديدة، يؤدي أيضا إلى خلق قوى اقتصادية جديدة وربما قوى عسكرية أيضا. ويعد ذلك صحيحا في آسيا بشكل خاص. فبروز الصين في حد ذاته يمكن أن يطرح مشكلات كبيرة، بينما يؤدي بروز الصين إلى جانب عدد من القوى الآسيوية الأخرى إلى وجود معادلة بالغة التعقيد. وفي حالة الصين، فأن وضعها الخارجي يمثل عنصرا واضحا. فبالعودة إلى بداية القرن الماضي، نجد تشابه كبيرا بين حالة الصين ووضع ألمانيا التي كانت تشعر بأنها قد حرمت من مكانها تحت الشمس، وأنها عوملت بشكل سيئ من جانب القوى العظمى الأخرى، ومن ثم فقد عزمت على الوصول إلى مكانها الصحيح عبر السعى إلى تأكيد النزعة القومية (42).

فهل هذه الرؤية التاريخية للعالم هي التي تقف وراء حرص الفريق المحيط ببوش على إثبات القوة العسكرية الأمريكية بهدف منع انبثاق قوى منافسة؟ فكما يطرح زالماي خاليزاد، أحد العاملين مع تشيني في أوائل التسعينيات والذي يعمل الآن مساعد الرئيس الأمريكي الخاص لمنطقة الشرق الأدنى وجنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا: “أنه لمن الحيوي بالنسبة للمصالح الأمريكية أن تكون هناك رغبة في استخدام القوة عند الضرورة من أجل إعاقة ظهور منافس كوني آخر لمستقبل غير منظور (43). وفي عام 2000 قامت لجنة “مشروع القرن الأمريكي الجديد” بهدف مراجعة الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية والتي شكلها اليمين وضمت وولفويتز ومجموعة من المفكرين الجمهوريين بالتحذير من أنه: “لا تواجه الولايات المتحدة منافسا كونيا في الوقت الراهن، ويجب أن تهدف الإستراتيجية الأساسية للولايات المتحدة إلى الحفاظ على هذا الوضع المتميز قدر المستطاع في المستقبل لأنه توجد مع ذلك دول ذات قوة كامنة لا ترضى بالوضع الراهن وترغب في التغيير، إذا كان ذلك ممكنا، عن طريق تهديد وضع السلام والرخاء والحرية الذي يتمتع به العالم نسيبا حاليا. وحتى الآن، فقد تم ردع تلك القوى بواسطة قدرات وحضور القوة العسكرية الأمريكية. ولكن تراجع هذه القوة نسبيا وبشكل مطلق، يقوض حتما الأوضاع السعيدة الناتجة عن هذه القوة” (44).

إذن فالاندفاع لأجل الحفاظ على الهيمنة الأمريكية يمليه إحساس بوجود ضعف كامن طويل المدى. ولكن هذا مدعوم أيضا بالثقة الناتجة جزئيا من مصير الحرب الباردة. فكما يطرح فالوس: “تكمن الثقة في الاقتناع بأنه إذا جابهت الولايات المتحدة أعداء “أشرار” فأنها سوف تنتصر، والدليل على ذلك بالطبع هو سقوط الاتحاد السوفيتي. فقد جاء رونالد ريجان إلى منصبه داعيا لا إلى التوازن، ولكن إلى تحقيق النصر الكامل على “إمبراطورية الشر”.

وبعد ذلك بعشر سنوات زالت هذه الإمبراطورية. واليوم فأن كل أعضاء القيادة الدفاعية تقريبا كانوا جزءا من فريق ريجان. وتقف ذكرى هذا النجاح وراء وعد جورج بوش بأن الإرهابيين لن يتم فقط احتوائهم مثل مهربي المخدرات ولكنهم سوف يضربون مثل النازيين والسوفييت (45). وتدعم هذه الثقة النجاحات التي حققتها العسكرية الأمريكية في حقبة ما بعد الحرب الباردة خاصة دور القوة الجوية في تأمين النصر على العراق عام 1991، ويوغوسلافيا في 1999، وأفغانستتان في 2001. (46). وحتى قبل 11 سبتمبر كان رامسفيلد يكافح للدفع نحو إحداث تحويل في العسكرية الأمريكية في مواجهة المقاومة التي كان يبديها البنتاجون. وقد تضمن ذلك استخدام ما يسمى “ثورة في الشئون العسكرية” التي من الممكن تحقيقها خاصة فيما يتعلق بتطور تكنولوجيا المعلومات لأجل إعادة تنظيم القوات المسلحة الأمريكية في وحدات صغيرة متخصصة تساندها أشكال متنوعة من القوات الجوية التي تستخدم ذخيرة دقيقة التصويب. وقارن رامسفيلد في خطاب مهم له عام 2002 بين هجوم تحالف الشمال والقوات الأمريكية على مزار شريف خلال الحرب على أفغانستان وبين بليتزكريج النازي من 1939-1941 : ما كان ثوريا وغير مسبوقا بالنسبة لبليتزكريج لم يكن القدرات الجديدة التي وظفها الألمان، وإنما الطريقة غير المسبوقة والثورية التي تم بها المزج بين القدرات الجديدة وتلك القائمة آنذاك. وبنفس الطريقة كانت معركة مزار شريف معركة تحول. فقد أخذت قوات التحالف القدرات العسكرية الموجودة من الأسلحة الأكثر تقدما الموجهة بالليزر إلى بي 52 التي ترجع إلى 40 عاما إلى أكثر الوسائل بدائية (رجل على ظهر جواد). واستخدموا هذه الطرق بشكل غير مسبوق، كان له أثرا مدمرا على مواقع العدو ومعنوياته، وهذه المرة ضد سبب الشر في العالم (47).

أن نفس الأيمان ببسالة العسكرية الأمريكية ينعكس في تأكيد ريتشارد بيرل أنه سوف تكون هناك حاجة إلى 40 ألف فقط من القوات الأمريكية للإطاحة بصدام: “سوف أكون مندهشا إذا كانت احتياجاتنا لها أية صلة بال200 الف جندي الذين تتحدث عنهم الصحف. فسوف يكون كافيا استخدام قوة أصغر كثيرا، أساسا من قوات العمليات الخاصة، وقد تساندها بعض الوحدات النظامية (48). فبعد الإطاحة بطالبان أصبح فريق بوش يعتقد أنه في استطاعتهم عمل اي شئ.

« السابق التالي »