الإستراتيجية الكبرى للإمبراطورية الأمريكية
إن الأولوية الأولى لفريق بوش ليست مواجهة أيا من المنافسين الرئيسيين للولايات المتحدة الأمريكية بل الإطاحة القسرية بصدام حسين. يلعب ذلك المشروع وظيفتين رئيسيتين. أولا، ستعمل حرب أمريكية ناجحة على العراق كإنذار للآخرين: فاذا تمكنت القوة الأمريكية الساحقة من إزالة حاكم متمرد لقوة شرق أوسطية هامشية، إذن يتعين على المنافسين النظراء والمحتملين لواشنطن مراقبة خطواتهم. ثانيا، الإطاحة بصدام ستلعب دورا أكثر تحديدا في البرنامج الطموح الذي يلجأ إليه البعض على الأقل في اليمين الجمهوري لإعادة تنظيم الشرق الأوسط ككل.
” إن ما لا تفهمه الناس هنا بشكل كافي هو أن لديهم قائمة طويلة من الدول التي يتعين عليهم القضاء عليها بعد العراق “. ويقول مستشار الدفاع جون بايك عن ريتشارد بيرل وأمثاله أن ” العراق ليست الفصل الأخير بل مجرد بداية “(72). المملكة العربية السعودية على رأس قائمة أهدافهم. في يوليو 2002 تسبب بيرل في حالة اضطراب عندما قدم لورينت مورويك، محلل لشركة RAND وأحد أتباع ليندون لاروش سابقا – واضع نظرية المؤامرة الردئ السمعة والشخص الذي تحول ببساطة من أقصى اليمين الى أقصى اليسار فيما يخص سياسات الولايات المتحدة الأمريكية – ليقدم ملخص خطة سياسة الدفاع . استمع ذلك الكيان النخبوي والاستشاري في ذهول بينما شرح مورويك أن المملكة العربية السعودية هي ” نواة الشر ” ويتعين اعتبارها ضمن ” أعدائنا “، وأنه يتوجب على الولايات المتحدة الأمريكية أن تهدد أقدس مدينتين في الاسلام – مكة والمدينة – والموجودتان في السعودية اذا لزم الأمر(73). في الضجة المصاحبة أسرع كلا من بيرل ورمسفيلد لفصل أنفسهم عن ذلك الهذيان. لكن آخرون في اليمين الجمهوري يشاركون مورويك في آرائه. فوفقا لمايكل ليدن من مؤسسة المشروع الأمريكي ” ان شبكة الارهاب – من القاعدة الى حزب الله ومن الجهاد الاسلامي الى حماس ومنظمات التحرير الفلسطينية المختلفة – تتمتع بما لديها من فاعلية وقدرة نتيجة للدعم الذي تقدمه لهم أربعة أنظمة استبدادية، أطلق عليهم مصطلح ” سادة الارهاب “: ايران والعراق وسوريا والمملكة العربية السعودية. في الواقع، ليدن لا يقترح دخول الولايات المتحدة في حرب ضد المملكة السعودية. انه يطرح أن يكون الهدف الأول للولايات المتحدة هو إيران التي ” قامت بخلق وتدريب وحماية وتمويل ودعم أكثر المجموعات الارهابية استماتة في العالم – حزب الله “: من المفترض أن يكون قتل عساكر اسرائيليين جريمة أبشع من اقامة مذبحة للمدنيين الأمريكيين (74). وبالرغم من ذلك، فأن وضع حليف أساسي للولايات المتحدة في المنطقة العربية منذ الأربعينات وبشكل مفاجئ مع ثلاثة من أكثر الدول تمردا وأقلها شعبية لدى أمريكا يعتبر تحولا مذهلا
ويرجع هذا التحول إلى ثلاث عناصر. أولا،11 سبتمبر. لقد سعت ادارة بوش نفسها الى الاشارة بشكل حذر الى جذور بن لادن التى تربطه بالطبقة السعودية الحاكمة والى الأصل السعودي لمعظم مختطفي الطائرات في الحادي عشر من سبتمبر، إلا أن الكثيرين من اليمين الجمهوري كانوا أكثر انفتاحا في محاسبة المملكة العربية السعودية ويقول مورويك للجنة سياسة الدفاع: ” للسعوديين وجودا واضحا على كافة المستويات المتعلقة بالإرهاب.. من التخطيط الى التمويل.. من الكوادر الى المنفذين.. من المرشدين إلى المشجعين والمتعاطفين”هذا ما قاله (75).
وقد قام أقرباء ضحايا 11 سبتمبر برفع دعوى قضائية تطالب بتعويض يقدر بترليون دولار ضد العديد من المؤسسات السعودية وثلاث أشخاص من العائلة الملكية السعودية لتمويلهم للارهاب. ولكن اذا ما تمت المحاسبة بمصداقية أكبر لتوجه اصبع الاتهام الى حكومة الولايات المتحدة الأمريكية – وبالتحديد الى ادارة ريجان – لأنها قامت من خلال تحالفها الحميم مع المملكة السعودية بتمويل وتدريب وتسليح المقاتلين الاسلاميين للحرب في أفغانستان أثناء المرحلة الأخيرة من الحرب الباردة. لكن وفقا لوجهة النظر المشوهة التي يحاول اليمين الجمهوري نشرها عالميا فان الحادي عشر من سبتمبر قد ساهم في تحويل المملكة العربية السعودية الى محور الشر. ثانيا، يسابد الكثير من المعاصرين في الجناح اليميني دولة اسرائيل بلا قيد أو شرط وبشكل أكثر بكثير مما فعلت الأجيال المحافظة السابقة. على سبيل المثال، فان بيرل هو مدير الجوروزاليم بوست وسعى الى استخدام نفوذه في اسرائيل في محاولة خرقاء لتخريب مفاوضات كامب ديفيد 2000. ان دعم اسرائيل يضيف سببا جديدا لحرص اليمين الجمهوري على ضرب العراق التى تعتبرها اسرائيل تهديدا كبيرا لها. وكما أشار بيرل في 1996، فإن إزالة صدام تعد “هدفا استراتيجيا وجوهريا بالنسبة لاسرائيل ” (76).
ويميل الجناح اليميني الجمهوري ( الذي يشمل المسيحيون المتزمتون الذين يرون أن فلسطين هي أرض الله التي أعطاها لليهود وفقا للعهد القديم ) الى معاداة عملية السلام في الشرق الأوسط والتي يشاركهم فيها زعماء حزب الليكود من أمثال آريل شارون وبنيامين نتنياهو. وبالتالي، فانهم يمقتون الدول العربية المحافظة مثل المملكة العربية السعودية ومصر نتيجة للضغوط التي يضعوها على واشنطن لارغام اسرائيل على العودة الى طاولة المفاوضات. ويقول أناتول ليفن أن ” مورويك أيد فكرة ارسال انذار الى السعوديين لا يكتفي بالمطالبة بالتعاون الكامل لقوات الشرطة السعودية مع المسؤولين الأمريكيين فقط بل ويطالب أيضا بقمع الانتقادات العامة للولايات المتحدة وإسرائيل داخل المملكة السعودية – الأمر الذي يعد مستحيلا في أي بلد عربي ” (77). ان البديل لعقد مفاوضات مع الفلسطينيين بالنسبة لليمين هو إعادة تشكيل العالم العربي بالقوة. وقد أكد كلا من ويليام كريستول وروبرت كاجان في ذروة تصاعد أزمة جنين في ربيع 2002 أنه يتعين على بوش ألا يسمح لنفسه ” بالتورط في تفعيل عملية السلام ” الى درجة قد تنسيه ” الطريق الذي يؤدي الى السلام والأمن الحقيقيين – الطريق الذي يمر ببغداد “(78).
ستكون الإطاحة بصدام هي بداية عملية ” الرد ” تماما مثل الثورات المضادة والمصنوعة في الولايات المتحدة التي ظهرت في وسط أمريكا وانهيار الستالينية في أوروبا الشرقية في الثمانينات وهذه العملية سينشر الديمقراطية اللبرالية في جميع أرجاء العالم العربي. وفقا لوول ستريت جورنال، “ان تحرير العراق من صدام ورعاية الديمقراطية لن يخلص المنطقة من تهديد عسكري رئيسي فقط ولكنه سوف يبعث كذلك رسالة الى العالم العربي بأن حق تقرير المصير – كجزء من العالم الحديث – ممكن “. واذا ما أسفرت الثورة الديمقراطية في السعودية عن استبدال حكم عائلة سعود بحكومة معادية لأمريكا، ” سيدفع ذلك الى التفكير في قرار فرض السيطرة (الأمريكية) على آبار النفط، الأمر الذي سيضع حدا لأوبك ” (79). ولقد عبرت كوندليزا رايس عن وجهة نظر مشابهة عندما اشارت الى امكانية استخدام الولايات المتحدة للقوة العسكرية من أجل توسيع حدود الرأسمالية اللبيرالية قائلة:
إذا كان انهيار الاتحاد السوفييتي و11 سبتمبر قد أحدثا تغيرا جوهريا في السياسة الخارجية، فان هذه الفترة لا تشير فقط الى وجود خطر رهيب ولكن تشير كذلك الى وجود فرصة ضخمة… وهو ما يجعل هذه الفترة مشابهة للفترة من 1945 الى 1947، حين وسعت القيادة الأمريكية عدد الدول الديموقراطية – بما في ذلك اليابان وألمانيا ضمن القوى العظمى – بغرض خلق توازن جديد للقوى يميل الى الحرية (80). ان المحرك الفعال والحقيقي وراء الأحلام بالنجاح في فرض الديمقراطية اللبيرالية على الشرق الأوسط هو العامل الثالث والفاصل في تفكير اليمين الجمهوري فيما يخص منطقة النفط. انه واقع ارتباط الولايات المتحدة بالطبقات الحاكمة السعودية منذ الحرب العالمية الثانية نظرا لاحتواء المملكة السعودية على أكبر احتياطات النفط في العالم. ان ادارة بوش، ذات العلاقات الوثيقة بشركات استخراج الوقود – والتي وصفها مايك دايفس ب ” اللجنة التنفيذية لمؤسسة البترول الأمريكية ” – تهتم تحديدا بامكانية وصول الولايات المتحدة الى امدادات البترول على المدى البعيد (81). ففي مايو 2001 سمحت واشنطن بنشر خطة الطاقة القومية التي قامت باعدادها مجموعة يترأسها ديك شيني ( بمساعدة أنرون ).والتي يكتب عنها مايكل كلير قائلا:
في الحقيقة، ان تقرير شيني يضع ثلاث نقاط رئيسية:
1- يتعين على الولايات المتحدة أن تزيد نسبة ما تستورده من النفط مع زيادة استهلاكها له( في الوقت الراهن تستورد الولايات المتحدة 10 مليون برميل نفط يوميا أي ما يمثل 53% من اجمالي الاستهلاك، وبحلول عام 2020 سيصل اجمالي استيراد النفط يوميا الى 17 مليون برميل، أي الى 65 % من اجمالي الاستهلاك ).
2- لا تستطيع الولايات المتحدة الاعتماد بشكل قصري على المصادر التقليدية مثل السعودية وفنزويلا وكندا لتوفير ذلك النفط الإضافي. يتعين عليها أيضا الحصول على إمدادات إضافية من مصادر جديدة، مثل دول منطقة بحر قزوين وروسيا وأفريقيا.
3- لا يسع الولايات المتحدة الاعتماد فقط على قوى السوق من أجل الوصول الى تلك الامدادات المضافة، بل سيتطلب ذلك جهودا هامة من قبل موظفي الحكومة لتجاوز مقاومة المد الخارجي لشركات الطاقة الأمريكية.
على ضوء تلك المبادئ الثلاث، تدعو خطة شيني ادارة بوش الى القيام بمبادرات واسعة النطاق بهدف زيادة واردات النفط من مصادر التزويد الخارجية. وبالتحديد، تطلب من الرئيس ووزراء الخارجية والطاقة والتجارة العمل مع قادة دول وسط آسيا وأذربيجان لتعزيز الإنتاج في منطقة بحر قزوين ولإنشاء خطوط أنابيب جديدة في الغرب. كما أنها تطالب موظفون في الولايات المتحدة باقناع نظرائهم بأفريقيا والخليج العربي وأمريكا اللاتينية بفتح أبواب صناعاتهم النفطية للشركات الأمريكية الكبيرة وتصدير المزيد من البترول الى الولايات المتحدة.
في سياق دعمهم لتلك الاجراءات، يدرك فريق تشيني تماما أن الجهود الأمريكية للحصول على كميات متزايدة من البترول الأجنبي ستواجه بالمقاومة في بعض الأقاليم المنتجة للنفط. ويشير التقرير الى أن الولايات المتحدة بحلول عام 2020 ” سوف تستورد برميلين من النفط تقريبا من كل ثلاث براميل (استهلاكية) – الأمر الذي يؤدي زيادة الإعتماد على القوى الأجنبية التي لا تتفق مصالحها – في الواقع – بإستمرار مع مصالح الولايات المتحدة (82).
ان ما يسميه كلير ب ” استراتيجية اكتساب النفط العالمي ” يساعد على تفسير الكثير من أعمال ادارة بوش – خطط الزيادة الضخمة في استيراد النفط من روسيا وتطوير القواعد العسكرية الأمريكية بمنطقة بحر قزوين ودعم موظفوا الدولة للانقلاب غير الناجح للجناح اليميني في فنزويلا في ابريل الماضي وتأييد الولايات المتحدة للهجوم العسكري للحكومة في كولومبيا. لكنها أيضا تؤكد الأهمية الاستراتيجية لدول النفط في الشرق الأوسط. فكما رأينا، فان العلاقة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية تسوء – من الجهتين. في أغسطس 2002، نقلت جريدة فاينانشل تايمز أن ” السعوديين الساخطون ” قد قاموا بسحب ما يعادل 200 بليون دولار من الولايات المتحدة في الشهور القليلة الماضية، الأمر الذي ساهم في خفض قيمة الدولار. كان الغضب تجاه دعم الولايات المتحدة لاسرائيل وتجاه دعوة المعلقين من الجناح اليميني الى تجميد الأرصدة السعودية ضمن الأسباب المشار اليها:
تكثر النداءات الآتية من الرياض، وبما في ذلك تلك التى يتبناها الإعلام القريب من الحكومة، حول ضرورة اعادة النظر في العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. يجري جدال أقل شعبية بين النخبة السعودية حول معاقبة الولايات المتحدة من خلال تسعير النفط باليورو بدلا من الدولار (83).
لعبت المملكة العربية السعودية دورا جوهريا في الأوبك عن طريق استخدام نفوذها الضخم في اقناع أعضاء المنظمة بجعل الانتاج والأسعار على المستوى الذي يسمح باستمرار الربح دون أن يؤثر ذلك كثيرا على مكاسب الشركات الغربية حتى لا تقوم هذه الشركات بالاستثمار في مناطق أخرى لا تخضع لسيطرة الأوبك. لكن حتى في حالة استمرار العائلة المالكة السعودية في سلك نفس المنهج، لن يكفي النفط لديهم لتزويد الرأسمالية الأمريكية بالوقود.
في أحسن الأحوال، ستكون حكومة ما بعد صدام – المنصبة والمعززة بالسلاح الأمريكي – كائن ضعيف تماما كالنظام قرضاي المشابه للدمية. وتوجد إشارات إلى أن الإدارة الأمريكية تخطط لتنصيب حكومة عسكرية لادارة العراق أثناء الفترة الطويلة ل ” التحول الديمقراطي ” على غرار احتلال ما بعد الحرب لألمانيا واليابان (84). ويعتقد بعض خبراء النفط أن العراق الواقع تحت الهيمنة الأمريكية سينسحب من أوبك أو على الأقل سيرفع الانتاج بشكل كبير- بعدما استمر في الركود منذ 1991 نظرا لغياب الاستثمار في صناعة النفط وحظر الأمم المتحدة الأمر الذي أدى الى هبوط أسعار النفط. وتعلق مجلة اكونومست على تلك السيناريوهات قائلة: “هل سيحدث فيضان النفط العراقي؟ محتمل. أي حكومة مستقبلية في العراق، في احتياجها لكميات ضخمة من المال لتقوم بإعادة إعمار الدولة، ستحاول توسيع قطاع النفط بأسرع صورة ممكنة. على الأقل يرى بعض المديرين في شركات النفط أن ذلك المنجم سيقوم باجتذاب الكثير من رؤوس الأموال الأجنبية الى صناعة النفط العراقي. حتى في حالة عدم قطع الحكومة الجديدة لصلاتها بأوبك – كما تريد الولايات المتحدة – ففي الغالب ستجادل من أجل اعفاء طويل المدى من الالتزام بحصتها آخذة في الاعتبار السنوات التي راقبت فيها الأمم المتحدة تصديرها للبترول. هل يتمزق الأوبك؟
وبناء على ما سبق فأنه بتوجيه ضربة للرئيس صدام حسين ستصيب أمريكا عصفورين بحجر واحد: سيرحل ديكتاتور خطير ومعه المنظمة التى قامت لسنوات بالتحكم في الأسعار وتنظيم الحظر وأضرت بالمستهلكين(85).
تستدرك مجلة ايكونومست طرحة وجود العديد من العوائق في الطريق الى تلك النتيجة – فقد ترفض المملكة السعودية أن تلعب دورها المعتاد ولا ترفع الإنتاج لمنع الارتفاع الباهظ للأسعار في حالة حرب شرق أوسطية، فالبنية التحتية لنفط العراق آيلة للسقوط بدرجة تتطلب سنوات وضخ كبير للاستثمار الأجنبي لاحراز زيادة حقيقية في الإنتاج والى آخره. لكن حتى بأخذ تلك الشروط بالاعتبار يتضح أن أحد الدوافع الرئيسية للحرب مع العراق هو ما ستحققه الولايات المتحدة من تحكم في ثاني أكبر احتياطي نفط في العالم. لن يخفف ذلك من عبء الحصول على النفط على المدى الطويل فحسب، بل سيزيد أيضا من قوة واشنطن مقارنة بحلفائها ومنافسيها مثل ألمانيا واليابان والذين يعتمدون بصورة أكبر من الولايات المتحدة على النفط المستورد. مرة أخرى نرى كيفية الامتزاج المعقد للاقتصاد والسياسة في الاستراتيجية الضخمة للامبريالية الأمريكية.






