الإستراتيجية الكبرى للإمبراطورية الأمريكية
لقد أثار إعلان بوش وخطط الإدارة الأمريكية لضرب العراق، جدلا واسعاً وساخناً داخل أروقة الطبقة الحاكمة على أعلى المستويات. والشيء المفاجئ في هذا الصدد هو الفجوة الواسعة التي حدثت ما بين إدارة بوش الأب وبوش الابن.
ففي أغسطس 2002، عارض علي الملأ كلا من جيمس بيكر ولورانس ايجلبرجر- المسؤولان البارزان في عهد بوش الأكبر – عارض القيام بعمل منفرد ضد العراق متضامنين في ذلك مع برنت سكوكرفت – مستشار الأمن القومي لبوش الأب – الذي لخص الحالة الحرجة قائلا:
كانت النقطة الجوهرية هي أن أي حملة علي العراق، بغض النظر عن الأهمية الاستراتيجية والتكلفة والمخاطر ، من المؤكد أنها سوف تبعدنا لأجل غير مسمي عن حربنا ضد الإرهاب. والأسوأ من ذلك ، فهناك إجماع فعلي في العالم ضد الهجوم علي العراق في الوقت الراهن . ولطالما استمر هذا الشعور فان مواصلة الولايات المتحدة الأمريكية لسياسة التهور بالنسبة لخططها المنفردة سيجعل أي عمليات عسكرية اكثر صعوبة وباهظة التكاليف ومن المحتمل أن اكثر التداعيات خطورة قد يتمثل في الأثر المترتب علي المنطقة كلها. فالنظرة المشتركة في المنطقة هي أن العراق، بشكل أساسي، يمثل هاجسا مقلقا للولايات المتحدة، في حين أن الهاجس المقلق للمنطقة هو الصراع العربي الإسرائيلي. وإذا بدى للعيان أننا ندير ظهورنا لهذا الصراع المرير – حيث تدرك المنطقة، عن صواب أو خطأ، أن في مقدرونا حله- من اجل مطاردة العراق ، فقد ينفجر الغضب ضدنا – سوف تبدو كمن يتجاهل أهم قضية بالنسبة للعالم الإسلامي من اجل إرضاء شغف أمريكي ضيق الأفق. وحتى بدون توسط إسرائيل في الضربة، فان النتائج المترتبة عليها سوف تثير قلاقل لا يستهان بها للأنظمة العربية في المنطقة ومن قبيل السخرية فان ذلك سوف يسهل تحقيق أحد أهداف نظام صدام حسين.
وفي اقل التقديرات، فان ذلك قد يعوق أي تعاون ضد الإرهاب، بل حتى قد يعلي من قدر الإرهابيين.”(86)
وقد دعمت هذه الانتقادات بآراء أعضاء بارزين في إدارة الرئيس كلينتون مثل مادلين اولبرايت وريتشارد هيلبروك ، وأيضا من ساسة محنكين من عهود سياسية اسبق مثل هنري كيسنجر وزيجنيو بريجينسكي. فلقد انتقد كيسنجر إعلان بوش قائلا أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ: “لا يمكن للمصلحة القومية الأمريكية والمصلحة العالمية أن تطور مبادئ تعطي لكل أمة حق مواجهة احتمالات العدوان حسب تعريفها الخاص للمخاطر التي تواجه أمنها القومي”(87). وفي أثناء فترة عمله لم يكن القائم بالحروب القديمة يخشى القيام بعمل وقائي، وذلك مثلما تم عندما قامت الولايات المتحدة بغزو كمبوديا في مايو 1970. أما ما يقلقه الآن فهو خطورة تبني إعلان عام عن الحرب الوقائية مما يشجع الدول النظيرة الخائفة من تهديد ما باتباع نفس النهج.
ومع ذلك فان الجدال بين إدارة بوش ومنتقديه يميل اكثر حول التكتيكات وليس الأهداف. فهلبروك علي سبيل المثال اقر هدف تغيير النظام في العراق ولكن اعتراضه كان كالآتي :
أن الطريق إلى بغداد يمر عبر مجلس الأمن، فهذه الحقيقة البسيطة يجب أن توضع في الاعتبار إذا أرادت إدارة بوش أن تحصل علي التأييد الدولي الضروري لنجاح مخططاها بالنسبة للعراق. ولبناء هذا التحالف الدولي فإن من الضروري استصدار قرار جديد من مجلس الأمن. قرار يبيح استخدام القوة إذا ما رفض صدام حسين السماح لنظام التفتيش بدون قيد علي خلوه من الأسلحة في أي مكان وأي وقت. مثل هذا الحل قد يعطي للدول التي تريد تدعيم الجهود للإطاحة بصدام حسين (مثل تركيا وبريطانيا) غطاء قانوني حيوي للمشاركة في هذا العمل، كما انه يمثل ضغطا علي الدول المترددة أو المعارضة ( مثل ألمانيا وفرنسا والمملكة السعودية). (88)
يذكرنا ذلك باستراتيجية بوش الأب في قيادة التحالف في حرب الخليج 1991، مستخدماً سلطه الأمم المتحدة ليقنن ممارسة أمريكا للقوة العسكرية وقد عبر عن ذلك روبرت كاجان بقولة : ” الضرب بقبضة حديدية أحادية من خلال قفاز دولي ناعم “(89) . وقد حاول كل من سكوكروفت وبريجينسكي التدليل علي ذلك بأقوال مشابهة.(90) وعلي أي حال فقد خطت الإدارة الأمريكية بعض الخطى في هذا الاتجاه عندما ألقى بوش خطابة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد الذكرى الأولى لهجمات 11 سبتمبر. لكن بوش ومستشاريه أوضحوا انهم يرون أن قرار جديدا من مجلس الأمن هو مجرد تمهيد لعمل عسكري ضد صدام حسين اكثر منه حلا بديلا كما تأمل فرنسا وروسيا. لقد وبخ بوش الأمم المتحدة ساخراً ومنبأ إياها بمصير عصبة الأمم التي فشلت في منع اندلاع الحرب العالمية الثانية وحذر قائلا: “أننا سوف نعمل مع مجلس الأمن من اجل الحلول الضرورية، ولكن لا يجب أن لا يشك أحد في تصميم الولايات المتحدة، أن قرارات مجلس الأمن سوف يتم فرضها بالقوة وإلا سيكون هناك عمل معين لا مفر من أن نقوم به. وسيفقد النظام الدولي قوته بعد أن فقد شرعيته” .
يمكن إذن للأمم المتحدة أما أن تصادق على حرب واشنطن أو تتنحى جانبا وتشاهد الولايات المتحدة وبريطانيا تهاجمان العراق في كل الأحوال.(91) وفيما وراء الطبقة الحاكمة، فإن المناقشات رسخت وضع حقائق القوة في الشرق الأوسط وعلى النطاق الكوني. أن استراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط تعتمد علي سلسلة من التحالفات مع إسرائيل من جهة والأنظمة العربية المحافظة من جهة أخرى ، وأهمها علي الإطلاق مصر والمملكة العربية السعودية. فإسرائيل حليف ذو قيمة ووجودها كعازل في المنطقة وتملكها للأسلحة الدمار التي تأخذها من الولايات المتحدة، يجعلها موضع ثقة كقوة معادية لأي نظام محلي يهدد مصالح أمريكا. ولكن- وكما أشارت الانتقادات السابقة- فان الاعتماد الكامل علي إسرائيل قد يعرض مصالح الولايات المتحدة لخطر التحركات العدائية لجموع الجماهير بالمنطقة . لقد بذلت إدارة بوش الأكبر جهودا جبارة لابعاد إسرائيل عن التورط في حرب الخليج 1991 (في مواجهة معارضة عنيفة من ارييل شارون) حيث ادركت تلك الإدارة أن تورط إسرائيل قد يضعف موقف حلفائها العرب في التحالف ضد صدام حسين.(92) هذا الفهم الاستراتيجي يعزز أحيانا بالمصالح المادية النابعة من الروابط الاقتصادية الوثيقة التي مازالت تربط الولايات المتحدة بالطبقات العربية الحاكمة. فبوش الاب وبيكر كلاهما عضو في
“مجموعة كارليل Carlyle Group” ، وهي شركة استثمار خاصة مبهمة لها ارتباطات خاصة مع المملكة العربية السعودية. ولسخرية القدر فإن مجموعة كارليل” كان لديها اجتماع في منهاتن في 11 سبتمبر 2001 وكان المشهد كالتالي : وقف أعضاء المؤسسة الأمريكية التجارية جنبا إلى جنب مع أبناء عمومة اسامة بن لادن يشاهدون انهيار برجي مركز التجارة العالمي وسط النيران والغبار. أن الامبرايالية الأمريكية لا تستطيع العمل علي نطاق كوني بدون حلفاء، فبرغم كل عضلاتها الاقتصادية والعسكرية فان موقعها الجغرافي بعيد عن مجال القارة الاورواسيوية، حيث يتركز الحجم الأعظم للثروة والسكان. وحتى تضع خطط لقوتها العسكرية فهي تحتاج لحلفاء ووكلاء مستعدين لامدادها بالقواعد في أوروبا واسيا. كذلك فالطبقات الرأسمالية الاورواسيوية- الأضعف والتي لها أيضا مصالحها وثرواتها الخاصة- لايمكن الحصول علي تعاونها قسراًً ، بل يجب أن تستمال عن طريق الرشاوي والإقناع. فكما يؤكد بريجينسكي : ” أن بناء التحالف الدولي لا مفر منه لضمان استمرار الهيمنة الأمريكية علي القارة الاورواسيوسية”.
أن فريق بوش لا يصبر عن انتهاج حلول وسط والتأني المطلوب للحفاظ علي هذا الائتلاف الضروري. بل هم يعتقدون أن التفوق الحالي للولايات المتحدة يقدم لهم فرصة نادرة لردع المنافسين المحتملين. ولكن حتى لو كانت الإدارة الحالية تركز بشكل اكبر علي العمل المنفرد والقسري اكثر من الإدارات السابقة، فلن تستطيع التخلص من القيود التي تحد من قوة الولايات المتحدة .
وهكذا ، فعندما حذر شارون من أن إسرائيل لن تقبل الولايات المتحدة الأمريكية بألا ترد علي أي هجمات عراقية كما حدث في حرب الخليج، 1991 أسرع رامس فيلد بطلب كبح جماح إسرائيل في أي حرب مقبلة ضد العراق وقال: ” قد يكون من الأفضل مطلقا للمصالح العليا الإسرائيلية ألا تتورط في أي ضربة توجه إلى العراق”(93). وهكذا فحتى اليمين الجمهوري مضطر أن يثمن المخاطر السياسية التي يكتنفها العداء للعالم العربي.






