بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

السودان: الشمال والجنوب والثورة

« السابق التالي »

13. الشيوعيون والنميري… مرحلة الوفاق

أعلن النميري تكوين مجلس قيادة الثورة برئاسته، وضم المجلس 10 أفراد بينهم مدني واحد هو بابكر عوض الله الذي أصبح رئيس الوزراء الجديد. في بياناته الأولى حاول النظام “الثوري” الجديد ارتداء ثوب “الراديكالية” فأعلن أن السلطة قد انتقلت “لأيدي العمال والفلاحين والجنود والمثقفين والرأسماليين الوطنيين الغير مرتبطين بالإمبريالية”. وصرح النميري بأن السودان يجب أن “يوسع ويقوى التجارة والعلاقات الاقتصادية مع الدول الاشتراكية والعالم العربي … حتى ينقطع عن السوق الإمبريالي … ويجب أن تتوسع قاعدة القطاع العام، وبالذات في الصناعة، حتى تستبدل رأس المال الأجنبي”. وأكدت الحكومة تضامنها مع المقاومة الفلسطينية في نضالها ضد الصهيونية. وتعد هذه التوجهات صورة مكررة من توجهات الحركات القومية العربية التي ألهب عبد الناصر مخيلتها، والتي أمسكت بقيادتها البرجوازية الصغيرة. فالضباط الأحرار السودانيون هم من نفس عينة الرجال التي استولت على السلطة في بغداد في يوليو 1958، أو لاحقاً في 1 سبتمبر 1969 بطرابلس، أو التي ساعدت حافظ الأسد في التخلص من منافسيه بـ “حركة التصحيح” في نوفمبر 1970.(51) ومن المهم أن نستعرض الصورة الكاملة للأحزاب الشيوعية العربية في تلك الفترة قبل أن نخوض في الحديث عن الحزب الشيوعي السوداني ومواقفه من الانقلاب.

شهدت حقبة الستينات تقارباً شديداً بين أنظمة الحكم العربية “التقدمية” مثل مصر، وسوريا، والعراق من ناحية والاتحاد السوفيتي من ناحية أخرى. ونتج عن ذلك أن دفع الاتحاد السوفيتي الأحزاب الشيوعية العربية إلى تذيل تلك الأنظمة والحركات القومية، فدخل الشيوعيون العرب في جبهات شعبية مع برجوازياتهم وأسلموا لها القيادة، ووصل الأمر بالشيوعيين المصريين إلى حل حزبهم والانضمام للنظام الناصري. وفى الشام اكتفى الشيوعيون بلعب دوراً ثانوياً للبعثيين، وارتضوا بقرارات التأميم، والإصلاح الزراعي المحدود، والتعاون مع الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية.(52)

كان للحزب الشيوعي السوداني كوادر بداخل تنظيم الضباط الأحرار منذ بداية الستينات. لم تكن غالبية اللجنة المركزية للحزب تحبذ القيام بانقلاب، وفى 9 مايو أكد المكتب السياسي مجدداً رفضه لفكرة الوصول للاشتراكية عن طريق الانقلاب العسكري. ولكن بالرغم من ذلك اندفع الحزب لتأييد الانقلاب، وأطلق نداءاً صبيحة يوم 25 مايو لكل “العناصر الثورية” بالجيش (أي الضباط والجنود أعضاء الحزب أو متعاطفيه) لمساندة الحركة وضمان نجاحها. وانضم 3 ضباط شيوعيين لمجلس قيادة الثورة، وضمت الحكومة المدنية 4 وزراء شيوعيين منهم جوزيف جارنج – عضو المكتب السياسي – كوزير لشئون الجنوب.(53)

رأى الحزب أن ما حدث كان انقلاباً، ولكنه انقلاب وضع السلطة في أيدي إحدى طبقات “الجبهة الوطنية الديمقراطية” وهى طبقة البرجوازية الصغيرة. وبالتالي تكون مهمة الحزب مساندة النظام الجديد ضد أي قوى تعمل على هز استقراره وفى نفس الوقت يحاول الحزب تحويل السلطة إلى الطبقة العاملة. ولكن حدث انشقاق في قيادة الحزب، فالرؤية الموضحة أعلاه ساندها عبد الخالق محجوب الأمين العام للحزب، في حين رأى آخرون أن الحزب قد أخطأ بعدم المشاركة الفعالة في الانقلاب وبإطلاق وصف “البرجوازيون الصغار” على قيادة النظام الجديد، رأى هؤلاء أن النظام له قدرات وإمكانيات ثورية جبارة، وأن قيادة الانقلاب من “الثوار الديمقراطيين” وليسوا برجوازيين صغار، واستندت تلك الرؤية على منظري الحزب الشيوعي السوفيتي العباقرة الذين توصلوا لنظرية “الديمقراطية الثورية” في المؤتمر العشرين للحزب. فبمقتضى تلك النظرية العبقرية: التحول الاشتراكي أصبح ممكناً في المستعمرات حديثة الاستقلال بدون أن تكون الطبقة العاملة هي قائدة هذا التحول. فتستطيع الطبقة الوسطى التي تضم المثقفين والفلاحين أن تتبوأ القيادة، وستجتاز برامجهم الرأسمالية بمحتواها “الديمقراطي الثوري” لتصبح مماثلة لبرامج الأحزاب الشيوعية. ويتبع ذلك أن النميري وزملائه من “الثوار الديمقراطيين” ويستطيعون قيادة السودان باتجاه الاشتراكية، وبالتالي تصبح مهمة الحزب الشيوعي السوداني تأييد النظام بل وحل نفسه نهائياً والانضمام لمؤسسات النظام الجديدة مثلما فعل الشيوعيون المصريون مع عبد الناصر. أما إذا كان النظام برجوازي صغير فواجب الشيوعيين يتلخص في تأييد جوانبه “الإيجابية” وتعميق البعد الاشتراكي فيه وراديكالية إجراءاته وتمهيد الطريق لإدخال باقي قوى الجبهة الوطنية الديمقراطية وعلى رأسها الطبقة العاملة لإتمام مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية ثم السير إلى الاشتراكية.(54)
إن قمامة الأفكار الستالينية التي ملأت أدمغة قادة الحزب الشيوعي أبعدتهم عن اتخاذ الموقف الثوري الصحيح من نظام النميري ونصائح الاتحاد السوفيتي ونظرياته، وجعلتهم يتخلون عن المبادئ الأساسية للماركسية. فإذا كان تعريف الاشتراكية ببساطة هو التحرر الذاتي للطبقة العاملة، فكيف يمكن أن تتحقق الاشتراكية بدون أن يشارك العمال في هذا التحول؟ كيف يمكن أن تأتى الاشتراكية عن طريق حفنة من الضباط يقفزون على الحكم ويطبقون قرارات فوقية بمقتضاها تتحول السودان إلى دولة عمالية؟ وأدى جهلهم أو تجاهلهم لنظرية رأسمالية الدولة إلى عدم فهم أن الاتحاد السوفيتي مجتمع طبقي رأسمالي بطبقة حاكمة هي البيروقراطية، وأن تلك الطبقة لها مصالح إمبريالية في المنطقة وتستخدم الأحزاب الشيوعية كمنفذين لسياساتها الخارجية في إطار صراعات الحرب الباردة، وأن النميري وزملائه – حتى وإن كانوا من البرجوازية الصغيرة قد أصبحوا ممثلين للبيروقراطية السودانية بعد وصولهم للحكم، وأن إجراءات التأميم التي أخذوها لا علاقة لها بالاشتراكية بل هي قرارات تضع الاقتصاد تحت سيطرة رأسمالية الدولة السودانية لتزيد ثروات البيروقراطيين وتراكمهم الرأسمالي، وأن تلك البيروقراطية كأي طبقة حاكمة أخرى ستقمع معارضيها “التقدميين” منهم أو “الرجعيين”.

« السابق التالي »