بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

السودان: الشمال والجنوب والثورة

« السابق التالي »

14. الشيوعيون والنميري… مرحلة الصدام

بدأ التوتر يظهر في صفوف الحزب الشيوعي، فبدون مشاورة قيادته عيّن النميري 4 وزراء شيوعيين منهم 3 من التكتل المعادى لمحجوب. وبدأت وزارة الداخلية تستدعى بعض الكوادر الشيوعية للتحقيق معها في 18 سبتمبر 1969. لكن نظام النميري كان مازال ضعيفاً أمام الأحزاب الطائفية، وما كان ليستمر في السلطة بدون مساندة الحزب الشيوعي. ثم ظهرت بوادر أزمة جديدة بين الحزب والسلطة حينما صرح رئيس الوزراء عوض الله في 4 نوفمبر أثناء زيارة لألمانيا الشرقية بأن الثورة السودانية لا يمكنها التقدم بدون الشيوعيين. شجب مجلس قيادة الثورة التصريحات وتبرأ منها بزعم أن جميع الأحزاب قد حلت. أدان الحزب الشيوعي رد فعل المجلس ولكنه عجز عن التصرف بسبب الانقسامات الداخلية، وعزل النميري عوض الله وتولى بنفسه رئاسة الوزراء في 28 نوفمبر.(55)
وفجأة وقعت انتفاضة مسلحة على جزيرة آبا موطن النفوذ التقليدي للأنصار. اشتبك الأنصار في صراع دامي مع الجيش سقط خلاله المئات من القتلى – منهم الإمام الهادي نفسه. خرج النميري منتصراً بفضل مساندة الحزب الشيوعي له. ففي 29 مارس وجهت اللجنة المركزية نداءاً للجماهير بالإسراع “وتأييد الجيش في نضاله ضد قوى الرجعية المسلحة”. وعلى الفور قامت النقابات بمظاهرات حاشدة في شوارع الخرطوم لتأييد النظام ومساعدته على قمع الانتفاضة. وبعد هزيمة الانتفاضة بيوم واحد قبض على محجوب وتم نفيه إلى مصر على نفس الطائرة التي أقلت الصادق المهدى! هدف نميري إلى بث الطمأنينة في قلوب هؤلاء – داخل السودان وخارجه – الذين أحسوا بأن النظام يتجه إلى اليسار أكثر من اللازم، وإلى مكافأة كوادر التكتل المضاد لمحجوب بداخل الحزب الشيوعي.(56) وبعد أن فرغ النميري من تصفية “اليمين” بدأ ينظر إلى “اليسار”، وبات الصدام وشيكاً بينه وبين الحزب الشيوعي.

كان النميري قد أعلن في 31 مايو 1969 أنه يتم دراسة تأسيس تنظيم سياسي واحد “يضم كل المجموعات ذوات المصلحة في حماية وتأمين الثورة”. ثم أصدر الميثاق الوطني – على غرار نظيره المصري – في 1 يونيو 1970 كحجر أساس للحزب السياسي الجديد الذي يضم كل “الثوّار”. لم يقاطع الحزب الشيوعي لجان مناقشة الميثاق ورأى فيها بذور الجبهة الوطنية الديمقراطية‍. وبرجوع محجوب من منفاه في يوليو 1970 نظم مؤتمراً استثنائياً لكوادر الحزب نجح في الخروج به منتصراً على من أسماهم بـ “العناصر اليمينية” توصل المؤتمر إلى أن السودان يمر الآن بمرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية، ولا يمكن تمثيل كل القوى في حزب سياسي واحد، وبالتالي يجب أن يكون هناك نظام متعدد الأحزاب يمكن فيه للطبقة العاملة وحلفائها أن يمسكوا بالقيادة. وحيا المؤتمر النميري على إجراءاته الأخيرة بتأميم البنوك والمصالح الأجنبية ووضع خطة خمسية ‍ ونادى بتوسيع المساحة الديمقراطية في القطاع العام والريف. تبع ذلك أن دخل محجوب في صراع لاستبعاد خصومه من المراكز القيادية. فتدخل الحزب الشيوعي السوفيتي للوساطة، وكانت النتيجة أن أخذ الحزب الشيوعي السوفيتي صف “العناصر اليمينية” وطالب الحزب الشيوعي السوداني بالتحالف مع النميري لأنه نظام “تقدمي” يضع السودان على رأس الثورة الوطنية الديمقراطية العربية!!‍(57)

بدأ النميري هجومه، فقبضت الشرطة على محجوب وطرد 3 من أعضاء مجلس قيادة الثورة المتعاطفين مع الحزب الشيوعي. ومع ذلك أعلن جوزيف جارانج أن الشيوعيين “لا يزالوا يعتبرون الحكومة وطنية وتقدمية حتى وإن كان هناك تحفظات على بعض أعضائها” وحذر من تفرقة صفوف “الثوّار” ‍ ولكن النميري لم يتوقف، فاستغل توزيع الشيوعيين لمنشورات تندد بزيارة رئيس زائير الديكتاتور موبوتو في فبراير 1971 كذريعة لحل المنظمات الجماهيرية التابعة للحزب الشيوعي. وأعلن في 25 مايو تأسيسه للاتحاد الاشتراكي السوداني، وشنت الشرطة حملة اعتقالات ضد الشيوعيين بتشجيع من الرئيس المصري أنور السادات الذي كان قد خرج لتوه منتصراً على منافسيه في الحكم من فلول حاشية عبد الناصر فيما عرف بـ “ثورة التصحيح” في 15 مايو 1917.(58)

نجح عبد الخالق محجوب في الفرار من معتقله في 29 يونيو، واشتد سعار حملة ضرب الشيوعيين. وتحرك النميري لاعتقال ضباط الجيش الشيوعيين وعلى رأسهم هاشم العطا أحد قادة انقلاب مايو وزميل النميري في الضباط الأحرار. فأقدم العطا على تحريك وحدات الجيش التي يسيطر عليها الشيوعيون ونفذ انقلاباً ضد نظام النميري الذي تم اعتقاله. وأعلن العطا تأسيس “نظام ديمقراطي يتبع طريق التطور اللارأسمالى للوصول بالسودان إلى الاشتراكية”. رحبت اللجنة المركزية بالانقلاب ووصفته ببداية لفجر جديد.(59) لكن الأحداث اللاحقة أظهرت العكس، فكان الانقلاب بداية لظلام حالك للحزب والطبقة العاملة السودانية.

كان لانقلاب 19 يوليو1971 ثلاث قادة : هاشم العطا ، بابكر النور عثمان ، فاروق عثمان حمد الله. وباستثناء هاشم العطا كان قادة الانقلاب في لندن وقت وقوعه مما يبين سرعة تنفيذ الانقلاب بدون تخطيط جيد. ركز العطا على كسب تأييد القوات المتواجدة بالخرطوم وأهمل باقي المناطق،(60) ونجح وزير دفاع حكومة النميري في الهرب إلى القاهرة، ودبّر بمساعدة الحكومتين المصرية والليبية انقلابا مضاداً. وفى الصباح 22 يوليو نقلت طائرات سلاح الجو المصري 2000 جندي إلى الخرطوم،(61) وأمر السادات القوات المصرية المرابطة بجبل الأولياء بالهجوم على الخرطوم ومساعدة قوات النميري في الإطاحة بالشيوعيين .واعترضت ليبيا الطائرة القادمة من لندن التي كانت تقل باقي قادة الانقلاب، وقبضت علي بابكر النور وفاروق عثمان ( لاحقاً سلمهما القذافي إلى النميري وتم إعدامهما). وبحلول 22يوليو – أي بعد72 ساعة من وقوع الانقلاب الشيوعي – استرجع النميري زمام القيادة.(62) وتدفقت حمامات الدم في كل مكان، فقتل المئات من الشيوعيين في الشوارع أو بعد محاكمات سريعة صورية. وضمت قائمة الضحايا قادة الحزب مثل عبد الخالق محجوب، جوزيف جارنج، وشفيع الشيخ. ومن الجدير بالذكر أن حكومات الكتلة الشرقية الستالينية قد انتقدت “اندفاع وتهور” الحزب الشيوعي السوداني وحمّلته مسئولية ما حدث له بعد ذلك على يد النميري، وانتقدت “عصبويته وعدم فهمه لإمكانيات نميري الثورية”!!!(63)

بعد الانقلاب، طرد النميري الخبراء العسكريين السوفيت وبدأ التوجه نحو الغرب سعياً وراء الاستثمارات الأجنبية.(64) وتقارب مع دول الخليج النفطية وانسحب من مشروع الوحدة مع ليبيا.(65) وفى نفس الوقت اتجه لتهدئة الوضع في الجنوب بعقد اتفاقية أديس أبابا التي بمقتضاها منح الجنوبيين حكماً ذاتيا ، وبالفعل توقفت الحرب الأهلية طوال فترة التزام النميري بالاتفاقية، ولم تشتعل مرة أخرى إلا عام 1983 عندما نقض النميري عهوده المبرمة. ولكن هذا لا يعني أن الجنوب عاش برخاء طوال فترة السلام، فقد استمر تعثر جهود التنمية بسب نقص التمويل الذي كان يأتي من الحكومة المركزية في الشمال. وحدث خلاف بين الجنوبيين والحكومة حينما انتشرت أخبار مشروع إنشاء قناة جونجلي في الجنوب في إطار مشروع للتنمية الزراعية بالتعاون مع الحكومة المصرية في 1974.لم يناقش المشروع مع الإدارة الجنوبية، وكان سيسبب تأثيرات بيئية مدمرة. ودب الهلع في قلوب الجنوبيين حينما انتشرت شائعات بأن الحكومة ستوطن 2 مليون مزارع مصري في منطقة القناة . فقامت مظاهرة بقيادة طلبة مدرسة جوبا الثانوية التجارية في أكتوبر 1974 ولقي طالبان مصرعهما على أيدي الأمن. وهدأت الأمور بتأجيل المشروع برهة. ولكنها عادت للاشتعال باكتشاف البترول في منطقة بنتيو الجنوبية، وأحاطت الحكومة الاكتشافات وتعاقدها مع شركة شيفرون الأمريكية لاستخراجه بالكتمان والسرية.(66)

أما في الشمال، حاولت الحكومة باستماتة جذب الاستثمارات الأجنبية للصناعة والزراعة، ولكن يطمئن رأس المال الأجنبي أصدر النميري قانوناً في 1971 يعاقب بالإعدام لمن يشارك في الإضرابات وغيّر قوانين التأميم في يناير 1973. وتوسعت المؤسسة العسكرية لتضم 65000 جندي في 1979 – ضعف ما كانت عليه في 1969، وتضاعفت الميزانية العسكرية ما بين 1975 – 1979.(67)

حاول الأنصار بقيادة الصادق المهدي القيام بانقلاب في 1976، ولكن النميري نجح في قمع الانقلاب بعد أيام من الاشتباكات الدموية في شوارع العاصمة.(68) وبعدها مباشرة دعا في 1977 معظم القوي السياسية – ومن ضمنها حزب الأمة – إلي “مصالحة وطنية” هادفاً إلي دمجهم في نظامه. وبالفعل انضم الصادق المهدى للاتحاد الاشتراكي السوداني.(69) وانضم للنظام قوة سياسية أخرى كانت مهمشة سياسياً لفترة طويلة، ولكنها رأت المصالحة كفرصة ذهبية لتوسيع رقعة نفوذها، تلك القوة هي الإخوان المسلمين بقيادة حسن الترابي.

« السابق التالي »