بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

السودان: الشمال والجنوب والثورة

« السابق التالي »

15. الإخوان والنميري

بالرغم من اقتصار تأثير الإخوان السياسي على الأوساط الطلابية فقط في البداية، إلا أنهم نجحوا في توسيع عضوية التنظيم بقيادة الترابي في الستينيات، وجاء هذا التوسع بالأساس وسط الطبقات الوسطي الحضرية. تجنب الترابي الخوض في مسألة تطبيق الشريعة لكسب المثقفين وفضل الدوران حول المسألة بالتأكيد علي أن الحدود تطبق فقط في مجتمع إسلامي نموذجي يختفي فيه الفقر تماماً.(70) وتعمد عدم الظهور بمظهر المتشدد فنجح في تجنيد العديد من نساء الطبقة الوسطي بتأييد حصولهن علي حق التصويت، وأصدر كراساً يؤكد أن الإسلام الحقيقي يمنح المرأة نفس حقوق الرجل.(71) واستغل الأخوان جميع الفرص التي أتيحت لهم : عندما كانوا خارج السلطة لتوسيع قاعدتهم الجماهيرية بمعارضة النظام ورفع شعارات راديكالية، وعندما كانوا داخل السلطة لتوسيع رقعة امتيازاتهم والتغلغل في مؤسسات الحكومة، فساهم الإخوان في انتفاضة أكتوبر 1964 بالتحريض ضد الحكومة في الأوساط الطلابية، ثم استغلوا تواجدهم في الحكومة لتهدئة الموجة الثورية ولشن حملة ضد الشيوعية فنجحوا في كسب بعض قطاعات البرجوازية السودانية لهم. واستفادوا من فترة حكم النميري الأولي التي اضطهدهم فيها ببناء بعض التأييد الجماهيري الذي فقدوه أثناء وجودهم بالسلطة عن طريق التحريض حول أحوال الطلاب وقيادة انتفاضة طلابية فاشلة ضد النميرى في 1973. وبعد ذلك هرولوا للسلطة عندما عرض النميري المصالحة الوطنية في 1977.وتعاون الترابي مع النميري لمراجعة القوانين السودانية للتأكد من توافقها مع الشريعة. وغرس الأخوان نفسهم في القطاع المالي والمصرفي، ونجحوا في اختراقه مستخدمين أموال النفط لتكوين قطاع مصرفي إسلامي وثبتوا جذورهم بين أصحاب رأس المال.(72)
ولكن اقتراب الإخوان من السلطة تزامن مع تصاعد الصراع والغضب الشعبي تجاهها. فقد فشلت جهود النميري لجذب الاستثمارات في الخروج بالسودان من أزمتها الاقتصادية. إذ لم يزد الإنتاج الصناعي سوى بمقدار 1.3% في السبعينيات، في حين أنه كان بمقدار 5,5 % في الستينيات، وسقطت مشاركة الصناعة في الناتج الإجمالي القومي من 9% في عام 1971 إلي 8.2 % في 1980. تضخم العجز في الميزان التجاري 10مرات، وأصبحت السودان تستورد 3 أضعاف ما تصدره، عاش الاقتصاد السوداني على المعونة الأمريكية؛ وقروض صندوق النقد الدولي التي قدرت سنوياً بـ300مليون دولار خلال الفترة 1979 – 1982.(73) وفي 1978 وصل دين السودان الخارجي إلي 3.6مليار دولار ليرتفع إلي 5مليار في 1982. وزادت تكاليف معيشة عمال الخرطوم بنسبة 800% خلال الفترة 1970 – 1982.(74)

وشهدت أوائل الثمانينيات صعود الصراع الطبقي بمظاهرات طلابية في 81 – 1982،(75) وإضراب 43000عامل سكة حديد في 1981.(76)
ويجيء عام 1983 ليشهد إفلاس نظام النميري سياسياً واقتصاديا، ويعلن نميري في سبتمبر بدء السودان تطبيق الشريعة الإسلامية في شمال السودان وجنوبه، لتزداد جرعات القهر التي يسومها نظامه لكادحي الشمال حتى لا يفتحوا أفواههم تجاه الاستغلال المتزايد لهم؛ ولسكان الجنوب حتى يستعيد السيطرة المباشرة على الثروات البترولية المكتشفة حديثاً، ولركوب موجة المد الإسلامي -الذي فجرته الثورة الإيرانية- بالمنطقة.

أقدم النميري على حركات مسرحية مثل تنصيب نفسه إماماً، وصّب خمور قيمتها 5 ملايين دولار في النيل (بالرغم من سمعته السيئة بالإفراط وإدمان الشراب!)، ثم أحضر فريقاً طبياً من المملكة العربية السعودية للاستفادة من خبراتهم العريقة في بتر الأطراف. وبعدها بأسبوعين تم قطع يد سارق في ميدان عام (وقد توفى الرجل بعد 10 أيام جراء الالتهابات التي نتجت عن عملية البتر). ويشهد السودان بداية مرحلة جديدة من القمع البربري لم يشهدها من قبل. إذ تم قطع أطراف العشرات من مواطنيه البؤساء في ميادين عامة لأسباب جنائية أو سياسية، وتم جلد عشرات الآخرين بتهمة شرب الخمور. وطالت سيوف وسياط النظام الجميع بلا استثناء… المسلم والمسيحي، الشمالي والجنوبي، السوداني والأجنبي.(77)

قبل سبتمبر 1983 أخذ النميري بعض الخطوات باتجاه إعادة الجنوب تحت الحكومة المركزية الشمالية بتغيير القوانين الإدارية، وشن حملة اعتقالات للساسة الجنوبيين، ونقل وحدات الجيش الجنوبي إلي الشمال. وفي يناير 1983 تمردت الكتيبة 105 بقيادة العقيد جون جارانج وخرجت إلي أثيوبيا. ثم دخل جارانج في مفاوضات مع فصائل الأنيانيا 2 (وهى بقايا الأنيانيا التي رفضت اتفاقية السلام مع الحكومة في 1972) وتأسس الجيش الشعبي لتحرير السودان.(78)

ولكن حدث نزاع بين جارانج والانيانيا 2 حول أهداف الحركة. فمطالب جارانج انحصرت في الفيدرالية – وأيدته في ذلك حكومة أثيوبيا – في حين طالبت الأنيانيا 2 بالانفصال، وتحول النزاع إلي صراع عسكري بينهما، وأعتمد جارانج علي قبيلة الدنكا والحكومة الأثيوبية في حين اعتمدت الأنيانيا 2 علي قبيلة النوير واتجهت لطلب التأييد من الحكومة السودانية.(79) واستخدمت الحكومة السودانية الصراع لتصوير الكفاح الجنوبي بأنه نزاع قبلي، ولكن النوير تواجدوا في الجانبيين المتصارعين.(80)
بدأ الجيش الشعبي في توجيه ضربات قاصمة وإلحاق هزائم متتالية بالجيش السوداني، وتواكب هذا مع زيادة معدلات الإضرابات في الشمال. فأغلقت الحكومة المدارس في 28 أغسطس 1983 بعد موجة عارمة من مظاهرات طلاب المدارس، وأضرب الأطباء في مارس 1984 احتجاجا علي تدهور أوضاع الخدمات الطبية والأجور.(81) وتشتد حملة الكفاح المسلح الجنوبية لتتفاعل مع غضب كادحي الشمال لتنفجر انتفاضة مارس/إبريل 1985، وليلعب الجنوب دوره التثويري مرة أخرى.

« السابق التالي »