بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

السودان: الشمال والجنوب والثورة

« السابق التالي »

17. انقلاب 1989… تحالف الجيش والإسلاميين

لقد طرح الإسلاميون أنفسهم على ضباط الجيش كالتيار السياسي الوحيد القادر على فرض الاستقرار في البلاد وقدموا للمؤسسة العسكرية شيئاً كانت هي في أمس الحاجة إليه – آلاف “المجاهدين” المستعدين لخوض الحرب ضد “الكفرة” الجنوبيين بلا هوادة، وقمع “الفتن” التي تحدث بالشمال.(101) وحل الترابي للبرجوازية السودانية مشكلة نقص الأسلحة اللازمة لقهر الجنوبيين – الشيء الذي فشل فيه الصادق بشدة، فتدفقت سيل من الأسلحة الإيرانية على الجيش السوداني. ومن الجدير بالذكر أن النظام المصري هو أول من أعترف بسلطة الترابي – البشير، وأبدى الإعلام المصري حماساً وتأييداً شديداً له،(102) مما أثار العديد من علامات الاستفهام والتكهنات حول الدور الذي لعبه النظام المصري في الانقلاب.

انهمك النظام الجديد في حملة تطهير في صفوف الجيش والمؤسسات الحكومية فتم فصل عشرات الآلاف من وظائفهم،(103) وإحلالهم بأعضاء الجبهة. وتم حل البرلمان والنقابات المهنية والعمالية وتشكيل محاكمات عسكرية سريعة لأعداء النظام الجدد، بالإضافة إلى تعزيز تطبيق قوانين سبتمبر الإسلامية.(104)

وبالطبع جاء رد فعل البرجوازية السودانية (المهدى / الميرغني) تجاه الانقلاب ضعيفاً إذ اقتصر على تشكيلهم (التجمع الوطني الديمقراطي) بمشاركة الحزب الشيوعي السوداني لمعارضة حكم الجبهة، وانعقد مؤتمره الأول في لندن في فبراير 1992 وتأخرت استجابتهم سنوات لدعوة الكفاح المسلح التي لم يقدموا عليها إلا في وقت متأخر جداً لمحاولة احتواء انتصارات الجيش الشعبي لتحرير السودان التي بدأت تظهر بقوة في السنوات اللاحقة.

اتجهت سلطة الترابي – البشير إلى التفاوض مع جارانج في أغسطس 1989، وأظهرت السلطة الجديدة براعة في المراوغة تحسد عليها، فخرجت باتفاق لوقف إطلاق النار الذي لم يكن سوى مهلة لالتقاط الأنفاس وتثبيت دعائم حكم الجبهة وإعادة تسليح وتجهيز الجيش والميليشيات الشعبية لخوض حربهم “المقدسة” ضد الجنوبيين. وتستمر مراوغات النظام بعقد مؤتمر للحوار الوطني حول إستراتيجية السلام وبناء الدولة الجديدة ويخرج المؤتمر بتوصيات عن الفيدرالية، ولكنها كانت توصيات فارغة المضمون إذ أكد المؤتمر ضرورة إدخال التشريعات الإسلامية كعنصر أساسي في قوانين الدولة الجديدة، وقد تم اعتقال العديد من الشخصيات العامة والمثقفين الجنوبيين المشاركين بالمؤتمر لمطالبتهم بانفصال الجنوب. ويتواكب هذا مع تقدم قوات جارانج لاستعادة السيطرة على مدينة الكرمك (105).

وعقب ذلك تفشل محادثات نيروبي في التوصل لأي شئ بسبب تعنت الحكومة السودانية وتمسكها بتطبيق الشريعة وعدم العودة إلى التعددية الحزبية. ويحاول العديد من الرؤساء الأفارقة مثل مبارك وموبوتو وموجابى والرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر الوساطة بين الحكومة والجيش الشعبي عن طريق مبادرة سلمية جديدة تتضمن وقف إطلاق النار وفصل القوات، ولكن الحكومة تستمر في الرفض، ولم تبد اهتماماً بالمبادرة إلا باستيلاء الجيش الشعبي على منطقة غرب الاستوائية في أواخر سنة 1990. ولكن القدر كان يدخر مفاجأتين سعيدتين للترابي وأعوانه قلبت الموازين رأساً على عقب. فقد سقط نظام منجستو الإثيوبي – الموالى للاتحاد السوفيتي – الذي كان يوفر قاعدة انطلاق الجيش الشعبي الرئيسية وبدأت تظهر على السطح بوادر انشقاق في صفوف الجيش الشعبي نفسه.(106)

أدى ذلك إلى تأخير الحكومة السودانية عمداً جولة المحادثات الجديدة التي كان من المقرر عقدها في أبوجا بنيجيريا إلى مايو 1992 لتتزامن مع بدء هجوم شمالي كاسح على قوات جارانج في الجنوب.(107) إذ تبع سقوط مانجستو واستلام الجبهة الديمقراطية الثورية بقيادة زيناوي للسلطة عواقب وخيمة على جارانج، فقد كان يجب على زيناوي رد الجميل للحكومة السودانية التي كانت تسمح بانطلاق عملياته ضد سلطة مانجستو من أراضيها. وبالتالي طرد قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان من الأراضي الأثيوبية، وفقد جارانج قواعده الأساسية التي كان يوفرها له النظام الإثيوبي السابق، وانسحب من مناطق واسعة كان يسيطر عليها في شرق الاستوائية المجاورة للحدود الإثيوبية كنتيجة لانقطاع خطوط إمداداته من داخل الأراضي الأثيوبية، بل وساعد النظام الجديد الجيش السوداني بالقيام بحركة التفاف غادرة لمهاجمة مواقع الجيش الشعبي من داخل إثيوبيا نفسها. وتزامن ذلك مع حدوث انشقاقات في صفوف الجيش الشعبي بخروج فصائل رياك مشار ولام أكول بعد الطرد من أثيوبيا وتأسيس حركة استقلال جنوب السودان التي دخلت في صراع مع قوات جارانج. وسارعت سلطة الترابي/البشير إلى عقد صفقة مع لام أكول في يناير 1992 (فيما عرف باسم اتفاق فرانكفورت) والتي بمقتضاها أبدت الخرطوم موافقتها على حق تقرير المصير للجنوب. ولم يكن ذلك الوعد سوى وهم آخر وكذبة دنيئة تضاف إلى جميع الوعود السابقة بتقرير المصير والتي كان الشمال دائماً ينقضها، فلم تكن تلك الحركة سوى محاولة من النظام إلى إضعاف القوات الجنوبية وشق صفوفها (108). تراكمت تلك العوامل لتضعف جارانج بشدة وبدأ مسلسل تراجعه وتلقيه خسائر فادحة بسقوط العديد من المدن الإستراتيجية مثل توريت وكبوتيا وبور.(109) ويشهد الجنوب جميع الممارسات الهمجية التي يمكن تخيلها على أيدي الترابيين في “الأراضي المحررة” من تطهير عرقي واغتصاب وتفريغ سكاني ومذابح جماعية في مدن الجنوب الرئيسية مثل واو وجوبا وملكال. ودعا جارانج التجمع الوطني الديمقراطي إلى ضرورة تبنى الكفاح المسلح وتشكيل لواء السودان الجديد، فرد الأخير بالموافقة الظاهرية ولكنه لم ينفذ خطوات عملية، فالأمل في إنهاء أزمة الجنوب على يد سيوف الترابي المسلولة كان مازال موجوداً. وبالرغم من كل ذلك لم ينته الجنوب. إذ استمر الهجوم والهجوم المضاد من قبل الحكومة والجيش الشعبي طوال فترة 1993 وبعدها.

« السابق التالي »