بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

السودان: الشمال والجنوب والثورة

« السابق التالي »

19. دور التجمع الوطني الديمقراطي

ومن الضروري إلقاء الضوء على الدور الذي يلعبه التجمع الوطني الديمقراطي في الصراع بالسودان. فهناك الكثير من اللغط في صفوف اليسار المصري (والعربي) حول ذلك، ويحلو للبعض تصوير الصراع على أنه صراع “الديمقراطية” في مواجهة “الاستبداد العسكري الفاشي”، ويتبع ذلك تأييد التجمع والتهليل له في مواجهة الترابي والبشير، وبالنسبة للحزب الشيوعي السوداني فإن الأمر محسوم، فهذا التجمع هو “صيغة تفتقت عنها عبقرية الشعب السوداني للتخلص ليس فقط من نير ديكتاتورية الجبهة الإسلامية الدموية، وإنما من خناق الأزمة الممتدة منذ فجر الاستقلال في بلادنا”! (125) أي أن التجمع هو الجبهة الشعبية التي لا مناص من الدخول فيها، ويا لها من جبهة !

إن تجمع الصادق/الميرغني ليس سوى الذراع المكملة للعمليات البرجوازية الشمالية الهادفة لإخضاع الجنوب ووضع السودان في مكانه “الطبيعي” على خرائط الإمبريالية الأمريكية بالمنطقة. فعندما كانت الجحافل الترابية تجتاح الجنوب في 1992 لم يحرك التجمع ساكناً ولم يستجيب لدعوة جارانج بحمل السلاح ضد الحكومة، وفى بداية انقلاب البشير أصلاً اختفى المهدى 3 أيام بلياليها من أمام دباباته إفساحاً مقصوداً للطريق حتى يعود النظام في الشمال وينتهي تدهور الأوضاع في الجنوب، وحتى 1995 استمر الصادق في التمسك بمبدأ “الجهاد المدني” الرافض للعنف المسلح والداعي للتغير السلمي والتدريجي عن طريق مؤتمرات دستورية وإلى آخره من صراعات السيد المهدي.

إما إذا كان الترابي قد فشل في مهمته المقدسة بالجنوب فيجب إذن احتواء هؤلاء الجنوبيين وضمان عدم خروج تحركاتهم عن إطار السودان البرجوازي الموحد وتفضح ممارسات التجمع نفسها ممثلة في البطيء الشديد التي كانت تسير عليه العمليات الشرقية تحت دعوى عدم كفاية الموارد (موارد بيتي المهدى والميرغني كبار ناهبي قوت الشعب السوداني !). ولم يقدم التجمع على المشاركة في عمليات 1997 الشرقية إلا مجبراً لإضفاء بعض الجدية على تخاذله السياسي الفاضح ولاحتواء انتصارات الجيش الشعبي. تلك الرغبة في الاحتواء التي دفعت التجمعيون إلى مباركة تفاوض الحركة الشعبية مع نظام الترابي في نيروبي بالرغم من صراعهم وعويلهم بضرب مقاطعة النظام وعدم التفاوض معه، فكل شئ مباح من أجل احتواء الجنوب.

وتكتمل مهزلة التجمع على طريقة “إن لم تستح فافعل ما شئت”، فرأينا المهدى وربيبه الميرغني يتحدثان عن ضرورة “الانتفاضة الشعبية المحمية بالسلاح” لإسقاط نظام الجبهة! أية انتفاضة؟ وأية شعبية يا سادة؟! فأنتم تعلمون جيداً أنكم أول من ستصيبهم لهيب نيران غضب الجماهير. فكم من الانتفاضات اندلعت لتواجهكم؟ وكم من الانتفاضات اضطررتم لركوب موجتها لتفريغها من مضمونها وتصفيتها؟! ويمثل التجمع الكارت الأخير التي قد تلجأ إليه البرجوازية السودانية في حالة حدوث انتفاضة جماهيرية فهنا سيلعب التجمع (في ظل غياب حزب جماهيري ثوري حقيقي) دوراً لا غنى عنه في امتصاص الموجة الثورية والوقوف بمحتواها عند مستوى الليبرالية الديمقراطية البرجوازية بمؤسساتها فارغة المكنون مثل البرلمان. هذا هو التجمع وهذا هو دوره الحقيقي وكفاكم استخفافاً بالجماهير، تلك الجماهير التي بدر منها في عام 1997 تحركات نضالية رائعة. فأضرب المدرسون وموظفو وزارة التربية والتعليم بولاية نهر النيل في أكتوبر احتجاجاً على عدم صرف مرتباتهم وأيد إضرابهم اتحاد الطلبة في الولاية، وعمت المظاهرات أهم درمان في نفس الشهر ورددت الشعارات المناهضة للحكومة والساخطة على تردي الأوضاع المعيشية وقام المتظاهرون بحرق إطارات السيارات على الطريق الرئيسي الذي يربط أم درمان بضاحية الثورة، وشهدت الجامعات على مدار العام إضرابات واعتصامات طلابية احتجاجاً على إصرار إدارة الجامعة قبول طلاب ممن لم يتح لهم مجموعهم في الثانوية العامة دخول الجامعة – بالعملية الصعبة، واحتجاجا على تجنيد أكثر من 70000 طالب قسرياً ليكونوا وقوداً للحرب في الجنوب، فاضطرت الحكومة إلى إغلاق جامعة الخرطوم وجامعات أخرى لمدة 10 شهور كاملة (يناير إلى أكتوبر) لتجنب الصدامات مع الطلبة. وقامت أمهات الطلبة المجندين بمظاهرات ضد الحكومة في أواخر العام رافضين فيها ترحيل أبناءهم إلى مناطق العمليات،(126) وينتهي العام بمظاهرة قوامها 3000 محام.

وقد نظرت بعض قطاعات شباب اليسار السوداني لقوات التجمع (وقوات جارانج) وأسلوب حرب العصابات كالخلاص الوحيد؛ والحل الراديكالي للإطاحة بالدولة الرأسمالية السودانية. ولكنهم بذلك أيضاً يتخلون عن أبسط مبادئ الاشتراكية –مثلما فعل رفاقهم في 1969- وهو “التحرر الذاتي للطبقة العاملة”، فالاشتراكية لا تأتي عن طريق نخبة مسلحة تختبئ في الأحراش أو الجبال بعيدة عن نضالات المصانع في المدن؛ تقفز للاستيلاء على السلطة لتقوم بـ”تحرير” جموع ملايين العمال؛ الذين يقتصر دورهم في تلك الحالة على التهليل أو التصفيق للـ”أبطال المحررين” بدون المشاركة في تحرير أنفسهم. ولا تفرز حركات الكفاح المسلح -في حالة وصولها للسلطة- سوى أنماط أخرى من النظم الرأسمالية (مثل رأسماليات الدول في كوبا والصين على سبيل المثال).

واستمرت المواجهات العسكرية طوال عام 1998 بين الحكومة وقوات التجمع بقيادة جارانج ويستمر مسلسل الكر والفر، سقوط المدن ثم استعادتها، توسيع جبهة الحرب ثم تضيقها والضحايا يتساقطون بالعشرات على الجانبين في كل موقعة. ويزداد حجم الغضب الجماهيري في الشمال إزاء الحرب وسياسة تجنيد الطلاب فيضطر البشير إلى إقالة وزير الدفاع في يناير تحت ضغط شعبي معارض لسياسة التجنيد القسري، ولكن لم يحدث تغيير جوهري فيها، ويشهد شهر إبريل مأساة بمحاولة بعض طلاب ثانوي المجندين في معسكر العليقون الفرار منه لقضاء إجازة عيد الأضحى مع ذويهم فيفتح حراس المعسكر عليهم النار أثناء هروبهم إلى النيل فقتل وغرق حوالي 160 طالباً. ويحتشد في مايو أهالي طلاب الثانوي أمام قاعات الامتحانات لمنع اقتياد أبنائهم لمعسكرات الخدمة.(127) وكمحاولة لاحتواء الغضب الشعبي تصدر الحكومة دستوراً جديداً في يوليو و”قانون التوالي” الذي يسمح بتعددية حزبية زائفة وفارغة المضمون. وفى أغسطس تفشل جولة جديدة من المفاوضات بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية في أديس أبابا لتعقبها ضربات أمريكية جوية لمصنع أدوية بالخرطوم تحت زعم أن المصنع مملوك لأسامة بن لادن ويساهم في صنع الأسلحة الكيماوية، ولكن لم تكن الضربات سوى استمرار لمحاولات الإدارة الأمريكية لكسر تعنت الحكومة السودانية ولاستعادة هيبة الإمبريالية الأمريكية بعد تفجير سفارتيها في نيروبي ودار السلام.

« السابق التالي »