بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

السودان: الشمال والجنوب والثورة

« السابق التالي »

2. السودان تحت الحكم المصري-التركي

قبل دخول الغزو المصري التركي سيطرت على السودان ممالك مختلفة لا تجمعها حكومة مركزية موحدة. ومن أشهر تلك الممالك مملكة الفونج التي سيطرت على شمال السودان وعاش نبلائها على نهب فائض الإنتاج الزراعي من الفلاحين لتدعيم حكم مدنهم التي ضمت الحرفيين والعبيد والتجار. واشتغل النبلاء بالتجارة والإغارة على القبائل الأخرى من أجل جلب العبيد والعاج والذهب. ومن الجدير بالذكر أن العرب خلال القرون الماضية قد نجحوا في أسلمة وتعريب الشمال باستثناء بعض الجيوب الصغيرة التي نجحت في المقاومة مثل البجة -الذين اعتنقوا الإسلام ولكنهم احتفظوا بلغتهم وثقافتهم- في الشرق، والفور في أقصى الغرب، وجبال النوبة في الجنوب الغربي.(1)

وبصعود محمد علي للحكم في مصر بدأت الطبقة الحاكمة المصرية تنظر للسودان في إطار خططها للتوسع الاستعماري في المنطقة لتأسيس إمبراطورية مصرية حديثة.

اجتاحت القوات المصرية-التركية السودان ونجحت في قهر جميع أشكال المقاومة القبلية بسبب التفوق التكنولوجي للجيش المصري آنذاك، وتم إدماج الجنوب في الإدارة المصرية الجديدة. وبعد هزيمة القيادات التقليدية القبلية، عمد محمد علي إلى إدماجهم في الإدارة المصرية واستخدامهم لقهر الجماهير السودانية، فمثلاً أعفى المصريون قبيلة الشيقية – التي أبلت بلاءً حسناً في مواجهة الغزو المصري- من الضرائب وتم تجنيد أبناءها في الجيش المصري، ووكلت لهم مهمة جمع الضرائب من الفلاحين السودانيين، الشيء الذي فعلوه بكل قسوة.(2)

أعطى الاحتلال المصري دفعة قوية لتجارة العبيد، فما أن استتبت الأمور للإدارة المصرية حتى بدأ الحكام المصريون في إرسال حملات وغزوات منظمة إلى الجنوب للحصول على العبيد. أصبحت لتجارة العبيد أسواقاً في السودان ومصر والجزيرة العربية. وكانت مرتبات الموظفين والضرائب تدفع أحياناً في شكل عبيد. وقد أوصى محمد علي بأن “لا يكون الرقيق المأخوذ بدل الفردة (أي الضريبة) من النساء أو الصبيان وما إليهما، بل أن يكونوا عبيد ذكور من الشبان الأقوياء الذين يوافقون مصالحنا”.(3) أدت الضرائب الباهظة التي فرضها المصريون على الفلاحين للضغط من أجل زيادة الإنتاج الزراعي إلى زيادة الطلب على العمل العبودي. وكأي قوة استعمارية دأبت الإدارة المصرية على نهب الموارد السودانية بطريقة منظمة، فتم نهب الصمغ والعاج وريش النعام من أجل التصدير للسوق العالمي. ونهبت الثروة الحيوانية من جمال وأبقار وثيران وكباش لسد احتياجات مصر من اللحوم ومنتجاتها الصناعية من الجلود والصوف. وكان النهب يتم عن طريق الحملات العسكرية أو بشراء الحيوانات من أصحابها بأبخس الأثمان. ولنوضح مقدار النهب يكفى أن ننظر للأرقام عن الكميات التي صدرت إلى مصر في عام واحد (1835 – 1836) : 4000 ثور، 7000 بقرة، 250000 جلد بقر، 64000 جلد ماعز، 19600 جلد ضأن، وظلت تلك الكميات في الازدياد المستمر طوال فترة حكم المصريين.(4) وقد استعان المصريون بطائفة الختمية وهى إحدى الطرق الصوفية المنتشرة بالسودان – بجانب طائفة المهدية – لتثبيت حكمهم. وقد أسست قيادات الختمية علاقات تجارية/ سياسية وطيدة بمصر استمرت حتى القرن التالي.

في عهد الخديوي إسماعيل ازداد عبء الضرائب بشكل كبير على القبائل السودانية لسداد قروض مصر للدائنين الأوروبيين ودفع فواتير الحروب المصرية للسيطرة على منابع النيل في الحبشة.(5) وواكب ذلك تدفق التجار المصريين والأوروبيين على الجنوب سعياً وراء العاج والمحاصيل والجنود الذين يمكن استخدامهم لمهاجمة القبائل الأخرى للحصول على العبيد.

أدى الاقتصاد الاستعماري إلى حدوث تغيرات في بنية المجتمع السوداني. تدخلت الدولة بقوة في الاقتصاد وحولته من اعتماده على التجارة ضيقة النطاق للإنتاج الحرفي والزراعي المتخلف إلى آخر يعتمد على نظام تجاري متقدم للإنتاج السلعي المرتبط بالسوق الرأسمالي العالمي. بدأت المدن في النمو بالشمال، فأنشئت الخرطوم وكسلا ومدن أخرى لتكون حاميات عسكرية ومراكز إدارية.

ولعب التجار الأوروبيون- وبالذات اليونانيون – بالعاصمة دوراً حيوياً في التصدير وتعميق ارتباط السودان بالسوق العالمي. استفاد البيروقراط المصريون الذين أداروا الاحتكارات المصرية بالسودان استفادة كبيرة عن طريق الفساد ونهب المال العام.

أعطى نمو القطاع التجاري دفعة قوية لنمو وتنشيط التجار السودانيين أيضاً وبالذات أولئك المنتمين لطائفة الختمية.(6)

واجه النظام المصري صور مختلفة من المقاومة التي تراوحت بين مقاومة سلبية بهروب القبائل السودانية من مناطق النفوذ المصري إلى مقاومة راديكالية بانتفاضات مسلحة لبعض القبائل وتمرد جنود الجهادية. إلا أن المقاومة أخذت شكل جديد بقيادة محمد أحمد المهدي لها. استطاع المهدي وأنصاره حشد القبائل السودانية وراءهم وأشعلوا ثورة 1881 التي نجحت في إلحاق هزائم ساحقة بالمصريين ثم البريطانيين الذين احتلوا مصر عام 1882 وحاولوا استعادة السودان وخرجت الثورة المهدية منتصرة بحلول 1885.

« السابق التالي »