بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

السودان: الشمال والجنوب والثورة

« السابق التالي »

20. الإسلاميون والجيش… انهيار التحالف

وبحلول عام 1999 بدا واضحاً للنظام السوداني أنه يسير في طريق مسدود. ووجدت المؤسسة العسكرية أن تحالفها مع الإسلاميين قد أخفق في تحقيق أهدافه إخفاقا شديداً… فلم يُهزم الجنوب واستمر استنزافه الرهيب لموارد البلاد؛ ولم يخرج السودان من أزمته الاقتصادية المستفحلة وتعرض الأمل الأخير في إنقاذه (مشروعات استخراج البترول) لمخاطر هجمات الجيش الشعبي ؛ وفوق كل ذلك ازدادت عزلة النظام عن باقي دول المنطقة بسبب توجهات الترابي الإسلامية ؛ واجتر عداء الإمبريالية الأمريكية. وبالتالي بدأت السلطة في “العودة إلى رشدها” وتطلب المغفرة. وخلف الكواليس نشأ صراع بين الجيش والإسلاميين الذين أصبحوا عبئا ثقيلا على النظام.

بدأت المساعي من قِبَل الحكومة السودانية لتخفيف حدة النزاع على محورين: الأول: تهدئة النزاع مع دول الجوار وتحسين العلاقات باتفاقيات مشتركة لوقف تقديم الدعم لحركات التمرد، الثاني وهو الأكثر سهولة: التفاهم مع قيادات التجمع التقليدية. فتزايدت لقاءات المسئولين السودانيين بنظرائهم المصريين وعاد الحديث عن “الشقيقة الكبرى التي نلجأ إليها وقت الشدة”. وعقد البشير اتفاقية سلام بالدوحة القطرية مع النظام الإريتري في مايو، وبموجبها أوقف تأييده لمنظمة الجهاد الإريترية،(128) واتجه بعد ذلك لاستئناف العلاقات مع إثيوبيا – المقطوعة منذ 1995 – بوقف تأييد (جبهة تحرير أورومو) المعارضة للنظام الإثيوبي، وتُوجت عملية ‘التطبيع’ بزيارة البشير لأديس أبابا في نوفمبر لبحث زيادة التبادل التجاري وتصدير البترول الإثيوبي عن طريق بور سودان بعد إغلاق الموانئ الإريترية في وجهه نتيجة للحرب.(129) وأُبرِمَت اتفاقية سلام – تحت رعاية كارتر – مع الحكومة الأوغندية في 8 ديسمبر، وعلى أساسها أوقفت الخرطوم توفير قواعد انطلاق لـ(جيش الرب للمقاومة) المعارض للنظام الأوغندي في مقابل وقف تقديم الدعم الأوغندي لجارانج. (130)

أما قيادات التجمع البرجوازية الانتهازية ذات الخبرة التاريخية في “التفاهم” والتوصل لحلول وسط مع الديكتاتوريات العسكرية فلم يكن احتواءها عسيراً بالرغم من عويلها المستمر بضرورة عدم التفاوض مع النظام وإسقاطه بالقوة. فبعد إحداث بلبلة شديدة في صفوف الحزب الاتحادي باستقطاب أمينه العام نفسه الشريف زين العابدين الذي عاد للخرطوم في 9 يونيو 1997 وأطلق دعوة للاتحاديين بالدخول في مفاوضات مع النظام،(131) اتجهت السلطة لاحتواء حزب الأمة وزعيمه المراوغ الصادق المهدي. بالرغم من تأكيدات الصادق وقرارات المؤتمر الرابع لحزب الأمة المنعقد بأسمرا في يناير 1998 التي نصت على: “الرفض القاطع للدخول في حلول ثنائية أو جزئية مع الحكومة”، وتقديم “الدعم اللامحدود لجيش الأمة للتحرير، ودعم الانتفاضة داخل السودان”(132)، إلا أن الصادق هرول بدون إخطار التجمع لمقابلة الترابي في مايو 1999 بجنيف، ثم عقد صفقة ثنائية مع الحكومة في نوفمبر بجيبوتي. وقد فجرت تحركات الصادق المزيد من الربكة في صفوف التجمع، وكما هو المتوقع انبرى الحزب الشيوعي السوداني للدفاع عن وحدة جبهته الوطنية المهلهلة، فأعلن في بيان له صدر بالقاهرة في 27/11/1999 عن استيائه لـ”وضع حزب الأمة نفسه خارج الإجماع الذي شيده التجمع الوطني الديمقراطي طيلة ما يزيد عن عشر سنوات” ودعا “أطراف التجمع للتمسك بوحدته”. أي أن الحزب يناشد باقي قطاعات التجمع البرجوازية عدم خيانة القضية!

ثم يقدم البشير على فك التحالف مع الإسلاميين الذي بات عبئاً علي نظامه والعقبة الأساسية في طريق اندماجه مرة أخرى في المنظومة الإمبريالية بالمنطقة، فحّل البرلمان السوداني في 12 ديسمبر وأعلن حالة الطوارئ في البلاد مطيحاً بالترابي. واستقبلت جميع حكومات المنطقة الحدث بالتهليل. فعلى الفور أعلن مبارك تأييده للـ”القيادة الشرعية” بالسودان، وقام بزيارة سريعة لليبيا لمقابلة “الأخ العقيد” القذافي، وخرج “الزعيمان” بتصريحات مؤيدة لإجراءات البشير، وتبعتهم باقي حكومات المنطقة العربية والأفريقية، وجامعة الدول العربية. ويسافر البشير إلى ليبيا للقاء القذافي والرئيسين الأوغندي والإريتري لطمأنتهم على عودة “القيادة الشرعية”، ثم يصل البشير، بعد زيارة وزير دفاعه، لمصر للمرة الأولى منذ 6 سنوات فيُستقبل استقبال الأبطال، وتعلن القاهرة على الفور تطبيع العلاقات وإرسال سفيراً إلى الخرطوم. فالكل يتنفس الصعداء الآن لإقصاء الإسلاميين، واستعداد السودان لأخذ مقعده –مرة أخرى بين صفوف أصدقاء أمريكا- الذي ظل شاغرا في انتظاره الأعوام القليلة الماضية. وأعلن عمرو موسى وزير الخارجية المصري عن إنه تلقى اتصالات “إيجابية” من الإدارة الأمريكية حول الوضع العام بالسودان، ونفى عزمها على السعي بتقسيم السودان بمبادرة الإيجاد الأخيرة.(133)

يحلو للنظام المصري أن يتبارى في تأكيد تمسكه الأزلي بوحدة أراضى السودان في إطار مبادرته المشتركة مع ليبيا لحل النزاع بالسودان التي تطرح حوار شامل بين الحكومة والمعارضة الشمالية/الجنوبية، في حين أن مبادرة الإيجاد (هيئة التعاون الحكومي للتنمية التي تضم دول شرق القرن الإفريقي) والتي تلاقى استحساناً أمريكياً تركز على الحوار بين الحكومة وفصائل الجنوب وتتضمن حق تقرير المصير. ويشن الإعلام المصري حالياً حملة دعائية لإبراز النظام المصري في صورة المتصدي للمؤامرات الأجنبية على تقسيم السودان، ولكن الحقيقة مغايرة لذلك، فكل ما يهم الإدارة الأمريكية -التي لا تريد إقحام نفسها في تعاملات دبلوماسية مع النظام الليبي- هو احتواء النزاع الجنوبي واستعادة السودان في محيط نفوذها الإمبريالي بالمنطقة ولا يهم من هو الجالس على كرسي الحكم: الصادق، الميرغني، أو الترابي طالما توافقت سياساتهم مع خططها وترتيباتها. وحق تقرير المصير المطروح في مبادرة الإيجاد سيكون منتهاه مثل جميع وعود حق تقرير المصير التي سبقته الصادرة من الحكومة السودانية، أو من أي دولة أخرى.

« السابق التالي »