بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

السودان: الشمال والجنوب والثورة

« السابق التالي »

3. السودان تحت الحكم البريطاني-المصري

ولكن الدولة السودانية المهدية المستقلة لم تستمر كثيراً فقد انهارت باجتياح جحافل الجيش البريطاني- المصري في 1898 الذي هدف لاستعادة السودان واستعمارها مرة أخرى. وقد أرسلت مصر جزءاً كبيراً من جيشها في تلك الحملة ودفعت معظم تكاليفها. وبعد ذلك جلس المستعمرون ليتقاسموا الغنيمة فخرجت للنور اتفاقية الحكم الثنائي (الكوندومينيوم) التي وضعت السودان تحت حكم إدارة مشتركة من البريطانيين والمصريين، وبالطبع كانت اليد العليا لبريطانيا. وتركزت معظم السلطات في يد الحاكم العام الذي يعينه الخديوي بتوصيات من بريطانيا، وعادة ما احتفظ الحاكم العام بمنصب سردار (قائد) الجيش المصري.(7)

أكمل الاستعمار البريطاني – المصري مسيرة التنمية الرأسمالية التي بدأها الاستعمار المصري – التركي في السودان. ازداد تدخل الدولة على مستوى الملكية والإدارة في مشاريع إنتاج المحاصيل النقدية باستخدام الميكنة الحديثة لسد الطلب في السوق العالمي وبالتالي ازدهر القطاع التجاري الزراعي. وتم تطوير طرق الري والتوسع في زراعة القطن والسكر. وتأسس مشروع الجزيرة في العشرينيات لزراعة القطن باستخدام الوسائل التقنية الحديثة. احتاجت التجارة الزراعية إلى إنشاء وسائل نقل واتصالات حديثة وخدمات صناعية وتسويقية وتمويلية، وازداد توسع وظهور المدن الحديثة. تحسنت المواصلات وخطوط الاتصالات والنقل النهري، ودخلت خدمات البريد والتلغراف، وتم ربط بور سودان – كميناء رئيسي للتصدير – بالعاصمة بواسطة خط سكة حديد.(8)

ما نراه أمامنا هو صورة كلاسيكية للتطور “المركب واللا متكافئ” الذي أصبح سمة لجميع البلدان التي دخلها نمط الإنتاج الرأسمالي متأخراً. ففي البلدان الصناعية المتقدمة مثل أوروبا الغربية جاءت الرأسمالية على يد طبقة برجوازية نمت في رحم المجتمع الإقطاعي، ولكي تصل للسلطة كان عليها القيام بثورة جماهيرية حطمت بها الإقطاع بكل مؤسساته وتأتى بمؤسسات جمهورية برلمانية وإصلاح زراعي للفلاحين ومكاسب أخرى. ولكن الرأسمالية في حالة السودان وباقي الدول المتخلفة جاءت على يد الاستعمار الذي في سعيه لاستغلال ونهب موارد البلاد كان عليه إدخال الوسائل التقنية الحديثة والآليات الرأسمالية. ولكن تلك العملية لم تتم بصورة “متجانسة” بل بطريقة “غير متكافئة”، فالرأسمالية والصناعة دخلت “جيوب” صغيرة في المجتمع – في المدن بالمناطق الشمالية إذا أردنا أن نكون أكثر تحديداً، وتُرك باقي المجتمع على تخلفه بعلاقاته التقليدية في الريف والجنوب على التحديد. وبالتالي تواجدت خطوط السكك الحديد بجانب الحنطور، والجرار بجانب الشادوف، والمدينة الحديثة بجانب الريف المتخلف. وتخلق تلك العملية أيضاً طبقة عاملة صناعية متقدمة في المدن ذات حجم ضئيل ولكن بتأثير سياسي واقتصادي كبير، فالمدينة هي قلب الرأسمالية حيث تتركز عملية التراكم، وحيث يسكن رجال الأعمال والوزراء وقادة الدولة ومؤسسات الحكم والمصانع الكبيرة والبنوك. وتنمو في تلك البلد المتخلف طبقة برجوازية محلية ولكنها تختلف عن مثيلاتها في القرون الماضية بأوروبا، إذ تولد ضعيفة ومرتبطة بالاستعمار والسوق العالمي وتكون أصولها في معظم الأحوال من طبقة ملاك الأراضي الذين يبيعون جزءاً من أرضهم ويستثمرون أموالهم في الصناعة. وبالتالي تكون تلك الطبقة محافظة ورجعية ولا يمكن الاعتماد عليها في إتمام مهام الثورات البرجوازية الأوروبية الماضية؛ أهمها: الإطاحة بالإقطاع، وحل المسألة الزراعية.

« السابق التالي »