بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

السودان: الشمال والجنوب والثورة

« السابق التالي »

4. نشأة الحركة الوطنية السودانية

وأنتجت عملية التحديث في السودان طبقة برجوازية صغيرة من المتعلمين والمهنيين والموظفين الذين تحتاجهم الدولة المستعمرة لإدارة المجتمع. وتزعمت تلك الفئة الاجتماعية – التي سميت بـ”الخريجين” نسبة لتخرجهم من الجامعة وحصولهم على قسط وافر من التعليم – الحركة الوطنية السودانية. جاء معظم قادتها من خريجي جامعة جوردون التذكارية التي أنشأت في الخرطوم عام 1905.(9)

ارتمت القيادات التقليدية في أحضان الاستعمار. ففي البداية ارتكز الاستعمار البريطاني-المصري على قادة طائفة الختمية لتوطيد نفوذه وحكمه. ومع نشوب الحرب العالمية الأولى وبتحول مصر إلى محمية وباشتعال الحركة الوطنية بها بدا أن استقلالها قريب، وبالتالي أصبح تقليص النفوذ المصري في السودان ضرورة للبريطانيين. فاتجهت بريطانيا إلى المهديين بصفتهم معادين لمصر وتركيا. واستخدمت بريطانيا سيد عبد الرحمن المهدي لتعبئة وتحريض المسلمين ضد تركيا. هرول المهدى على الفور لتأييد البريطانيين وحرض ضد الشبان الأتراك قادة (هيئة الاتحاد والترقي) بصفتهم كفرة وادعى أن مصلحة السودان مع بريطانيا. ووسع المهدى من مؤسسته الزراعية على جزيرة آبا -التي كان يستخدم موسم حج أتباعه لها كمصدر للعمالة الرخيصة – وكسب أموالاً طائلة. ثم سافر المهدي إلى لندن وقدم سيف المهدي كهدية إلى الملك جورج الخامس كتعبير عن الولاء.(10)

كان لأحداث ثورة 1919 المصرية تأثير قوى على الحركة الوطنية السودانية التي رأت في مثيلتها المصرية النموذج الذي يحتذى به. وجاء أقوى تعبير عنها على يد جمعية اللواء الأبيض التي تأسست عام 1923. تعاطفت الجمعية مع مصر ونادت باستقلال وادي النيل، وعبرت بالأساس عن مطالب المثقفين والطبقة الوسطى السودانية “الأفندية” التي جاء معظم أعضاء الجمعية منها : صغار الموظفين، المدرسين، الطلبة، ضباط الجيش، وصغار التجار.

وطالبت بتوسيع التعليم وإنهاء احتكار الدولة للسكر وترقية السودانيين للوظائف العليا في الدولة. وبالطبع وقفت القيادات التقليدية السودانية ضد الجمعية بسبب أنشطتها الراديكالية. وفي 1924 نظمت الجمعية مظاهرات حاشدة في المدن السودانية شارك فيها الضباط السودانيون والجنود المصريون المرابطون بالسودان. ولكن بريطانيا تحركت سريعاً بعد اغتيال السردار لي ستاك – الحاكم العام للسودان – على أيدي بعض الوطنيين المصريين في القاهرة فقمعت الجمعية، وطردت القوات المصرية من السودان. فتمردت القوات المصرية والسودانية واندلع قتال عنيف سقط خلاله العديد من الضحايا.(11)

تعرضت الحركة الوطنية السودانية لانتكاسة قوية بعد هزيمة انتفاضة 1924، ولكنها بدأت تستجمع قواها تدريجياً ليشهد عام 1938 تأسيس مؤتمر الخريجين كممثل “للأمة السودانية”. ورغم بداية الحركة الوطنية علمانية الطابع، إلا أن القيادات التقليدية الطائفية سرعان ما نجحت في استقطاب “الخريجين” ، وسقط المؤتمر فريسة للتناحر الطائفي بين الختمية وأنصار المهدى. فكون إسماعيل الأزهري حزب الأشقاء – المرتبط بالختمية – منادياً بالوحدة مع مصر في 1943، وفى المقابل أسس عبد الرحمن المهدى حزب الأمة المرتبط بطائفة الأنصار الذي عادى الوحدة وطالب بسودان مستقل عن مصر. طالب المؤتمر بتوسيع التعليم والفرص التجارية للسودانيين وتأميم مشروع الجزيرة.(12) لم تجد الدعاية الوطنية أي صدى في الجنوب، فلم يهتم الوطنيون بمسألة تخلف الجنوب، ومنذ البداية طالبوا بأسلمته وتعريبه وعدم فصله إدارياً عن الشمال ليكون جزء من سودان موحد ومستقل. جاءت نهاية المؤتمر عام 1945 باكتساح الأشقاء/ الختمية لانتخاباته بدعم وتمويل مصري وانسحب الأنصار منه وبقى المؤتمر مجرد واجهة حتى دمجه في الحزب الوطني الاتحادي الذي أسسه الأزهري بالتحالف مع الختمية عام 1952.(13)

« السابق التالي »