بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

السودان: الشمال والجنوب والثورة

« السابق التالي »

5. نشأة الحركة الشيوعية السودانية

ويأتي عام 1946 ليشهد تطورين جديدين في الساحة السياسية السودانية : دخول الطبقة العاملة السودانية بقوة لساحة الصراع الاجتماعي السياسي بميلاد الحركة النقابية، وتأسيس “الحركة السودانية للتحرر الوطني” (حستو) كأول تنظيم شيوعي سوداني. ويجب أن نتوقف هنا لحظة لاستعراض الأيديولوجية الستالينية التي تبنتها الحركة الشيوعية السودانية والتي ستكون سبب كل النكبات التي ستصيب الحركة العمالية لاحقاً.

أكد ماركس وإنجلز – الآباء المؤسسين للماركسية – على ضرورة توافر القاعدة المادية لبناء مجتمع اشتراكي، أي أن قيام الاشتراكية مرهون بمدى تطور الرأسمالية وتقدمها في المجتمع الذي يحدث فيه ثورة، فلا يمكن بناء الاشتراكية في بلد رأسمالي متخلف. لاحقاً طور الثوري الروسي ليون تروتسكي أطروحة ماركس بتأكيده أن الثورة ممكن أن تبدأ من بلد متخلف يعانى من رأسمالية متخلفة وطبيعتها “مركبة وغير متكافئة” على شرط أن تمتد إلى البلدان الرأسمالية المتقدمة في أوربا الغربية. ورأى تروتسكي استحالة قيام ثورة برجوازية ديمقراطية في الدول الرأسمالية المتخلفة بسبب طبيعتها الرجعية – كما ذكرنا سلفاً في المقال – وبالتالي فإن الطبقة العاملة هي الوحيدة القادرة على قيادة تلك الثورة الديمقراطية بالتحالف مع فقراء الفلاحين، ثم ستأخذ الثورة منحنى اشتراكي نظراً لأن العمال في قيادتها، وبانتشار الثورة أممياً إلى الدول الرأسمالية المتقدمة يستطيع عمال الدولة المتخلفة بناء الاشتراكية بمساعدة رفاقهم عمال الدول المتقدمة تلك كانت الاستراتيجية التي اتبعها البلاشفة في ثورة أكتوبر 1917. لكن عزلة الثورة بسبب فشل الثورات في الدول الأوروبية المتقدمة – بالذات ألمانيا – ثم دخول العمال الروس في حرب أهلية وتعرضهم لمجاعات وأوبئة أدى إلى انهيار الإنتاج الصناعي الروسي وتضاءل حجم الطبقة العاملة الروسية. ووجد الحزب البلشفي نفسه على رأس دولة عمالية بدون عمال! وبالتالي لكي يدير أمور الدولة أضطر إلى استخدام جيش من الموظفين القيصريين البيروقراطيين، وبدأت الطبقة البيروقراطية في التشكل والنمو والسيطرة على الدولة الجديدة، وبوصول ستالين إلى الحكم ممثلاً لتلك الطبقة الجديدة بدأ عملية تصنيع تحت إدارة الدولة البيروقراطية، وهنا تحولت روسيا إلى رأسمالية الدولة ومثلت البيروقراطية طبقتها الحاكمة الجديدة.

استغلت البيروقراطية الأحزاب الشيوعية العالمية لأغراضها الخاصة، فلم تكن تريد حدوث ثورات بأي منطقة بالعالم، فالثورة قد تمتد إلى روسيا نفسها وتهدد دعائم حكم البيروقراطية (مثل حالة الثورة الصينية 1925)، أو تفسد العلاقات التي تريد البيروقراطية السوفيتية إقامتها بالأنظمة البرجوازية الأخرى في إطار تحالفاتها الإستراتيجية العالمية. وبالتالي وضع ستالين إستراتيجية جديدة للأحزاب الشيوعية تقوم على نظرية المراحل. فأدعى أن في البلدان المتخلفة تكون مهمة الشيوعيين الدخول في جبهة شعبية مع البرجوازية الوطنية “التقدمية” لتحقيق “الثورة الوطنية الديمقراطية” وتنمية البلاد لتحقيق الثورة الاشتراكية لاحقاً وبناءها في بلد واحد. ويتجاهل هنا ستالين أممية الثورة، والطابع الرجعى للبرجوازية الوطنية، وإمكانية حدوث ثورة اشتراكية في بلد متخلف، وهى المبادئ الأساسية للبلاشفة في 1917. وتم إتباع تلك الإستراتيجية من قبل جميع الأحزاب “الشيوعية” في العالم ومن ضمنها الحزب الشيوعي السوداني.

بدأت الدعاية الشيوعية في السودان أثناء الحرب العالمية الثانية على يد بعض الضباط والمدرسين البريطانيين أعضاء الحزب الشيوعي البريطاني. نجحت دعايتهم في تكوين خلية شيوعية من طلبة جامعة جوردون، في نفس الوقت تكونت خلية شيوعية من الطلبة السودانيين الدارسين بجامعة القاهرة إثر تجنيدهم بواسطة “الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني” (حدتو) كبرى التنظيمات الشيوعية المصرية. اتحدت المجموعتان ليؤسسا في 1946 “الحركة السودانية للتحرر الوطني”. نجح الشيوعيون في تنظيم أول مظاهرة سياسية تحدث منذ عام 1924 في مارس 1946 ضد الاستعمار البريطاني.

ثم نجحت (حستو) في النمو سريعاً خارج أوساط المثقفين فتغلغلت داخل الحركة النقابية الوليدة وبين مزارعي الجزيرة. ولدت الحركة النقابية في يوليو 1946 بتأسيس “هيئة شئون العمال” التي كان في طليعتها عمال السكة الحديد. تأسست النقابة في عطبرة وليس هذا من قبيل الصدفة، فعطبرة مركز رئيسي لخطوط السكك الحديد السودانية، ومثّل العمال وعائلاتهم حوالي 90% من سكان المدينة البالغ عددهم 40000 نسمة، واتسمت المدينة بضعف العلاقات القبلية والطائفية. كان لعمال السكك الحديدية ثقل كبير في الاقتصاد السوداني والذي كان يعتمد بشدة على السكك الحديدية في نقل السلع والمنتجات والجنود والمواطنين.(14) ترأس النقابة الشفيع أحمد الشيخ عضو اللجنة المركزية لـ (حستو)، وسيلعب لاحقاً دوراً فعالاً في الحركة النقابية السودانية.

رفضت الإدارة البريطانية الاعتراف بالنقابة، فنظم العمال – تحت قيادة الشيوعيين – مظاهرة حاشدة وأضربوا عن العمل، ولم يتراجعوا أمام تهديدات الإدارة واعتقال قياداتهم. وفى النهاية رضخت الإدارة واعترفت بالنقابة في 8 أغسطس 1947. عقب ذلك رفضت الإدارة التفاوض حول الأجور وظروف العمل بحجة اختصاص الحكومة بتلك الأمور نظراً لملكيتها لخطوط السكك الحديدية. أدت ملكية الحكومة البريطانية للسكة الحديد إلى توجيه نضال العمال ضدها مباشرة، وساهم ذلك في إلغاء الفارق بين النضال الاقتصادي لتحسين الأجور والنضال السياسي ضد الاستعمار. وساعد على ذلك أيضاً أخذ الشيوعيين بزمام القيادة في الحركة النقابية منذ بدايتها. وفى 1948 قاد الشيوعيون العمال في إضراب عام ضد القوانين النقابية التي وضعتها الإدارة البريطانية ونجحوا في إجبارها على تعديلها. ويأتي عام 1950 ليشهد تكتل النقابات السودانية في الاتحاد العام لنقابات عمال السودان برئاسة شفيع أحمد الشيخ. دخل الاتحاد الساحة السياسية بقوة عام 1951 معلناً عن برنامج لمواجهة الإمبريالية والحصول على حق تقرير المصير للسودان. ثم تأسست “الجبهة المتحدة لتحرير السودان” بمساعدة النقابات وكانت قيادتها للشيوعيين. وتحرك الاتحاد عام 1952 ليبدأ تنظيم الفلاحين وعمال الزراعة، فعقد مزارعو الشمال مؤتمرهم الأول في عطبرة تحت رعاية عمال السكة الحديد في أغسطس 1952، تبع ذلك مؤتمر مزارعو القطن في جبال النوبة بمايو 1953، وانضم مزارعو الجزيرة للجبهة المتحدة لتحرير السودان.(15)
واكب ذلك توسع في نظام التعليم وأنشأت العديد من المدارس الثانوية بالإضافة إلى فرع لجامعة القاهرة، وأصبحت المدارس والجامعات مراكز للدعاية والتحريض ضد الاستعمار، ونجح الشيوعيون في اختراق اتحادات الطلبة. واستمر عملهم تحت أسم “الجبهة المعادية للاستعمار” حتى عام 1956.

شهدت الأربعينيات أيضاً ظهور الإخوان المسلمين في السودان تحت اسم حركة التحرير الإسلامي في 1947 كامتداد للإخوان في مصر. ركزت الحركة نشاطها في الأوساط الطلابية وانعدم تأثيرها في النقابات.(16)

« السابق التالي »